السائل عن حال الأمة العربية منذ زمن ليس بالقصير لن يحصل سوى على إجابات ملؤها الحسرة والتأسف والامتعاض مما وصلنا إليه من تشرذم وتشتت وفرقة، وكأن بالدين واللغة والعادات والتقاليد والمصير المشترك وغيرها الكثير مما يجمعنا من المحيط إلى الخليج لم تشفع لنا كي نؤسس لكيان واحد متحد يكون عونا لنا لمواجهة التحديات وتجاوز الأوقات العصيبة التي مافتئت تتعاظم في وجوهنا يوما بعد يوم فوسط كم هائل من المشاكل والسجالات وأحيانا الفوضى التي تتخبط بها معظم البلاد العربية تبرز لنا تجربة مثلى ونموذج يحتذى في لم الشمل وتوحيد الصف، هي مضرب للمثل في الأخوة وسداد الرأي، إنها دولة الإمارات العربية المتحدة التي كانت قبل ‬39 عاما صحراء قاحلة تسودها حياة البداوة لا تكاد تذكر في العالم، وكيف أصبحت اليوم محجا للمستثمرين ورافدا لتدفق رؤوس الأموال ومزارا للسواح والباحثين عن الترويح والاستجمام في كنف ما تم تشييده من مرافق ومنشآت تأسر القلوب وتسحر الألباب.

يقال ان مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة ولكن الإمارات خرجت قليلا عن هذه القاعدة وانطلقت في مسيرة النمو والبناء بخطوات دفعة واحدة، خطوات كانت واثقة وسريعة فلم تكن بحاجة سوى لربع قرن من الزمن لترتقي إلى مصاف الكبار، وهذا الوقت القصير ليس معناه أن الوصول إلى القمة كان سهلا ومرنا أو كان بضربة حظ عشواء، بل كان دربا شاقا وعسيرا مليئا بالعقبات والتحديات، ولكن حكمة وعزيمة وإصرار القيادة الرشيدة لهذه الدولة بزعامة الظاهرة التاريخية الشيخ زايد طيب الله ثراه ومعه إخوانه الحكام استطاعوا أن يختزلوا الزمن ويذللوا كل الصعاب للوصول بالاتحاد إلى الهدف المنشود وتحقيق الآمال المرجوة. مؤكد أن كل إماراتي اليوم يشعر بفخر لا حدود له، وزهو لا نظير له بما تم تحقيقه في ظل هذا الاتحاد من مكتسبات وانجازات مست كل القطاعات وتفوقت في كل المجالات، إذ أصبح من المسلمات أن تجد على هذه الأرض الغناء أرقى الجامعات واكبر المطارات والموانئ، وأفخم الفنادق وأروع المساجد والجوامع، وأضخم وابرح الطرقات والجسور، وما لا يمكن عده ولا حصره من الإنشاءات والتشييدات الراقية والمبدعة، وهذا كله بفضل الله أولا وأخيرا ثم بفضل أولئك الرجال الذين آمنوا وبعمق بأن لا ازدهار ولا تقدم إلا في كنف الاتحاد والتوافق والالتئام تحت راية واحدة وعلم واحد. أدام الله أفراح الإماراتيين، وأبقى قلوبهم مؤتلفة، وأطال الله عمر اتحادهم الخالد الذي يعد بحق السر الأعظم (الذي لا يخفى على عاقل) من وراء ما تم بلوغه لهذه الدولة من انتصارات مبهرة على جميع الأصعدة، وعليه على العرب أجمعين أن يتعلموا من هذه التجربة الفذة، وان ينهلوا من هذا الدرس البليغ المطالبين بالاقتداء به وتجاوز ما يتحجون به من أعذار ومبررات واهية، ووضع اليد في اليد والاجتماع على كلمة واحدة، لعل وعسى أن يكون غدنا أفضل من يومنا بكثير.