كلمة سمعتها يوما اهتز لها كياني، كلمة تردَّدت لأكثر من مرة، ومن أكثر من شخص أعرفه. كلمة جعلتني أتساءل في أي زمن أعيش أنا؟! أفي العصر الحجري، أعيش مع الديناصورات، وأنا أكاد أمشي عارياً ولا يسترني إلا ما يغطي العورة؟! كلمة والله لو مزجت بماء المحيطات لمزجتها! كلمة تدل على جاهلية وجهل مدقع في عصر العلم المتقدم، عصر هو القرن الواحد والعشرين. كلمة لتهتز الجبال الشم منها، وتتحرك من هولها الرياح العاتيات لتضرب كل جانب وصوب، بل وتغضب لها الأمواج فتزداد هيجاناً على هيجانها في البحار وثورة على ثورتها. كلمة لا يقولها إلا جاهل جهول. كلمة تدل على قصر نظر ونقص في الدين، وشح في الأدب والذوق، وبخل في العدل والإنصاف، وضحالة في الفهم والإدراك، واستيعاب قاصر مغلوط للأصول والأعراف والتربية السليمة الصحيحة.
كلمة قالها يوما في مجلس ما شخص أعرفه.. قالها ودخان السيجارة يملأ فمه.. قالها بكل زهو وعنجهية وفخر، وكان الموضوع عن المرأة وتكريمها.. لكنه قال: إن المرأة ــ ويعني الزوجة ــ عندي بمستوى الحذاء! أعزكم الله، ثم أردف قائلا: نحن لا نعطي المرأة أي اعتبار في أي قرار.. فالقرار قراري.. هي لا تقرر! المأساة أن كلمته تلك ورأيه ذاك لاقا حينها للأسف استحسان وقبول البعض ممن حضروا في المجلس!
كان من سوء حظي أن أوجد في مسرح كهذا وأسمع هذا الهراء، وفي الوقت نفسه كان حسن حظ لي لأرد عليه. أعدت عليه الكلام فلم يجب ــ وهو يرمقني بنصف عين ــ فسلمتُ (بشد اللام) أنا ــ أنه لا اعتراض على ما أعدت عليه.. ثم قلت له: أنا أحترم الزوجة.. أم أولادي وريحانة فؤادي، وهي الهواء الذي أتنفسه ومن دونه أموت. قدوتي في هذا، ذلك الرجل العظيم الذي بعثه الله للعالمين رحمة.. رسول الله عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام. هو القائل: خياركم خياركم لنسائكم. أخبرني أنت أي طاغوتٍ تتبع؟ وأي شيطان تستن أنت بسنته؟! وقلت له.. أنا لا أتخذ أمراً دون مشاورة الأهل ــ الزوجة والأولاد ــ في شؤون البيت وغير البيت، والاستئناس بآرائهم، وكلمة أخيرة قلتها لهذا الشخص: اعلم يا هذا.. أن لك بنات وسيأتي اليوم وستسمع ما قلت في زوجتك من أنسابك على بناتك، والأيام بيننا وخرجت من المجلس!
استغرب ويستغرب أي عاقل معي ويتساءل مستنكراً! أثمة عقليات كهذه موجودة في زماننا.. في مجتمعاتنا العربية؟! فإن كان كذلك على الدنيا السلام إذن، بل وبطن الأرض لنا خير من ظهرها!