على الرغم من الصخب الكبير الذي أحدثه الموجودون في القاعة إلا أن الشاب سيف الخميس من مركز دبي للرعاية الخاصة راح يواصل رسم لوحته التي استسلمت أمامه صامته، لقد كان سيف مجتهدا في وضع اللون الأزرق الممزوج مع الأبيض على لوحته، وبدا كأنه يجري حواراً صامتاً مع ألوانه الصغيرة، بينما راح الجميع يتوقفون ولو للحظات وراء ظهره يطالعون لوحته الصغيرة، ورغم ذلك فهو لم يعرهم اهتماما بقدر اهتمامه بلوحته التي أزهرت فناً رائعاً، كما بدت لوحاته الأخرى التي علقها إلى جانبه في معرض الأشغال اليدوية لذوى الاحتياجات الخاصة، الذي أقامه مكتب التسهيلات في جامعة زايد كجزء من حملة التوعية التي تقودها الجامعة لدمج أبناء هذه الفئة في المجتمع، وقد ضم المعرض مشغولات عديدة من إنتاج ذوي الاحتياجات الخاصة، تراوحت بين قطع صغيرة وأخرى كبيرة.
لم تهدأ الحركة أبداً أثناء وجودنا في المعرض، كما أنها لم تقتصر على المدعوين فقط، وإنما اتسعت لتشمل الطالبات اللواتي ملأن القاعة بحركتهن وضحكاتهن الجميلة. المعرض كان مميزاً فقد بدت المعروضات مختلفة كاختلاف أسماء مراكز رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة السبعة التي شاركت فيه.
حملات توعية
تقول فاطمة القاسمي، مسؤولة مكتب التسهيلات بجامعة زايد: يمثل هذا المعرض جزءا من حملات التوعية التي أطلقها مكتب التسهيلات في الجامعة هذا العام، بالتعاون مع المراكز والهيئات العاملة في هذا المجال والتي تهدف إلى نشر ثقافة التعامل الصحيح مع أصحاب الإعاقات لدى الطلبة والجمهور بشكل عام. مؤكدة أن التطور التقني ساهم كثيرا في توفير الفرص لذوى الاحتياجات على تقديم عطائهم وتطوير مهاراتهم وقدراتهم. وأضافت: شارك في المعرض سبعة مراكز من مختلف إمارات الدولة هي مؤسسة زايد العليا للرعاية الإنسانية، وهيئة تنمية المجتمع، ووزارة الشؤون الاجتماعية، ومركز راشد لعلاج ورعاية الطفولة، ومركز النور، ومركز دبي للرعاية الخاصة، ونادي دبي للرياضات الخاصة، بالإضافة إلى عدد من طالبات كلية التربية اللواتي قدمن عرضا حول موضوع دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع. وتابعت: جاءت هذه الحملة انطلاقا من إيماننا بقدرة هذه الفئة على العطاء في المجتمع كغيرهم من الأسوياء، ولهذا حرصنا في جامعة زايد على البدء في عملية دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في مجتمع الجامعة، ولذلك قمنا بإنشاء مكتب التسهيلات لرعاية الطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة حيث يقدم لهم المكتب الخدمات الإدارية والأكاديمية، والتيسيرات الاجتماعية التي تساعدهم على استكمال دراساتهم وأبحاثهم وممارسة كافة أنشطتهم في الجامعة.
في مارس الماضي كانت جامعة زايد قد دشنت مكتب التسهيلات بهدف إعداد وتأهيل خريجين متميزين علميا وعمليا، وقادرين على المساهمة الفاعلة في أسواق العمل، حيث أعدت الجامعة خطة مستقبلية لاستقطاب طلاب من ذوي الاحتياجات الخاصة من مختلف الإعاقات لاستكمال دراساتهم في مرحلتي البكالوريوس والدراسات العليا. ويهتم المكتب بشكل مباشر بتقديم جميع الخدمات الإدارية والاجتماعية والأكاديمية اللازمة لتيسير واستكمال دراسة ذوي الاحتياجات الخاصة بكليات الجامعة، وتنظيم زيارات وجولات ميدانية في المدارس الثانوية لتشجيع الطلبة ذوي الاحتياجات الخاصة للالتحاق بجامعة زايد، بالإضافة إلى نشر الوعي بالخدمات التي تقدمها الجامعة لرعايتهم، كما يقدم المكتب لأبناء هذه الشريحة تسهيلات في إجراءات القبول والتسجيل ومتابعة احتياجاتهم خلال فترة الدراسة.
وحول أبرز التسهيلات التي تقدمها الجامعة قالت القاسمي: رغم أن المكتب ما زال حديث العهد، إلا انه تمكن من توفير بعض التسهيلات للطلبة من ذوي الاحتياجات الخاصة، بحسب حالة كل فئة وما تفرضه من متطلبات، ونحن نعمل على توفير كل ما يحتاجونه سواء في مبنى الجامعة أو الغرف الدراسية، كما عملنا على توفير أخصائية اجتماعية خاصة بهؤلاء الطلبة لمساعدتهم على التواصل مع الهيئة التدريسية والطلبة في الجامعة، كما عملنا في الجامعة على توفير البنية التحتية التي يحتاجها ذوي الاحتياجات الخاصة وتتوافق مع مختلف الإعاقات.
مشروع للدمج
في إحدى جهات المعرض نشطت طالبات كلية التربية اللواتي قدمن عرضا حول إمكانية دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع، وحول ذلك قالت ميثاء رفيع: مشاركتنا كانت عبارة عن مشروع يبين إمكانية دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع، وذلك من خلال عرض صور عديدة تبين إنه رغم اختلاف ألوان الأشياء، إلا أنها تتوافق مع بعضها في الشكل، واعتمدنا على ذلك في الترويج لحملة دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع. وأضافت: أعتقد أنه يجب علينا التعامل مع هذه الشريحة كما يتم التعامل مع أفراد المجتمع الأسوياء رغم الإعاقات التي يعانون منها، وذلك إيمانا منا بأنهم أناس مبدعون ولديهم ما يقدمونه إلى المجتمع.
أما الطالبة عفراء سعيد فقالت: لقد تغيرت نظرتنا بعد أن عرفنا أشياء كثيرة عن ذوي الاحتياجات الخاصة، ففي الماضي كنا نعتقد أن طاقاتهم محدودة، ولكن النظرة تتغير عندما نلمس الأشياء التي يقومون بتنفيذها والتي تنم عن إبداع ملفت للنظر، فهم متطورون في نواح عديدة بخلافنا نحن الأسوياء، وخلال دراستنا تبين لنا أن الأشخاص الذين يعانون من صعوبات في التعلم يمتلكون نسبة ذكاء تزيد بمعدل 10٪ عن الأشخاص العاديين رغم أنهم لا يستطيعون القراءة. وأردفت: لقد سبق لنا المحاولة بأن نعيش ولو للحظات حالتهم وتجاربهم، ولكن بصدق لم نتمكن من ذلك، فقد سبق أن عايشنا تجربة المكفوفين وهو ما جعلنا نشعر بمعاناتهم.
بيوت للخبرة
في هذا المعرض بدت أعمال ذوي الاحتياجات الخاصة جلية بشدة، وقد برزت مواهبهم وقدرتهم على الإبداع، وحول مشاركة مركز دبي للرعاية الخاصة قالت مديرة المركز الدكتورة مهشيد صالحي: سررنا كثيرا بالمشاركة في معرض الفنون والحرف لذوي الاحتياجات الخاصة الذي نظمته جامعة زايد، وكوننا منظمة غير ربحية فإن المركز يعتمد اعتمادا كبيرا على المساعدات المالية وخدمات الدعم من المجتمع. وأضافت: إن الجهود المبذولة من قبل برامج التوعية الاجتماعية في جامعة زايد، منحتنا الفرصة اللازمة لتوليد مزيد من الوعي بذوي الاحتياجات الخاصة والبرامج والعلاجات التي نقدمها من خلال مركزنا. وتابعت: يعمل مركز دبي للرعاية الخاصة على رفع مستوى وقدرات الأطفال المعاقين من خلال تعزيز استقلاليتهم وتشجيعهم على الإنتاج والتحصيل وتنمية القدرات الذاتية والمشاركة الاجتماعية في محيط المجتمع، وتوفير برامج ذات كفاءة عالية وفعالة للارتباط بالمجتمع وتقديم خدمات اجتماعية لهم ولعائلاتهم، ورفع مستوى الوقاية من الإعاقة عبر التدريبات والخدمات وتوعية المجتمع، وتقديم الدعم والتأييد والتدريب المنتظم والمساعدات الفنية.
أما مريم عثمان، مديرة مركز راشد لعلاج ورعاية الطفولة بدبي فقالت: إن مشاركة المركز في هذه الفعالية تؤكد أن الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة لا يمكن سلخهم عن مجتمعهم الذي يحبهم ويرعاهم، ويصون حقوقهم ويدافع عن كرامتهم ويعمل على تنمية قدراتهم الكامنة ومهاراتهم الدفينة من أجل أن يعتمدوا على أنفسهم مستقبلاً ويأكلوا من عرق جبينهم، لا من خلال ما يجود به أهل الخير عليهم، وإن كانوا لا ينكرون فضلهم بعد الله تعالى في دعم المراكز التي أهلتهم ودربتهم لمواجهة صعاب الحياة. وأضافت: نشارك غالباً في العديد من الفعاليات التي تقيمها جامعة زايد، وقد أسعدنا أن نشارك ونعرض إبداعات أطفالنا ومنتجاتهم، وأن يتواصل الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة مع أقرانهم من الأسوياء ومن مختلف الفئات العمرية، وهذه المشاركة حملت الكثير من المضامين والمعاني لطلبة الجامعة الذين أدركوا حق هذه الشريحة في التعليم وفي العطاء والعمل. وأهابت مريم عثمان بالمؤسسات التعليمية والبحثية أن تسخر طاقاتها وإمكاناتها لدعم هذه الشريحة من أبناء المجتمع بمختلف السبل والآليات، لأن تضامن الجهود وتضافرها يحقق الأهداف المنشودة، ويؤكد أن المجتمع بأكمله يتضامن ويتآزر في سبيل رسم غدٍ أفضل وأكثر إشراقاً لفئة ذوي الاحتياجات الخاصة، وأشارت إلى أن أبواب المركز مفتوحة لأي تعاون بين المؤسسات الأكاديمية والمركز يؤدي في نهاية المطاف إلى تحقيق إنجازات حضارية وهو ما ينسجم وسياسة الدولة التي قامت بسن التشريعات والقوانين التي تحمي هذه الفئة وتصون حقوقها ومكتسباتها، كما قامت بالتوقيع على كل الاتفاقات الدولية في هذا الشأن، وهذه الفئة محط اهتمام شيوخ الإمارات وحكومتها الرشيدة وشعبها الكريم المعطاء، وقد حققنا في الدولة قفزات نوعية في هذا الشأن وباتت مراكزنا الإنسانية والخيرية حديث الجميع بل تحولت إلى بيوت خبرة يُستفاد من تجربتها في العديد من الدول الشقيقة والصديقة.
اتفاقية تفاهم
في مارس الماضي وقعت جامعة زايد على مذكرة تفاهم مع وزارة التربية والتعليم، للتعاون على تيسير آليات انتقال وقبول الطلاب من ذوي الاحتياجات الخاصة في الجامعة تعزيزا للمبادرات الرامية لدمجهم في المؤسسات التربوية. وتستهدف الاتفاقية تبادل الخبرات والتعاون في إعداد الأبحاث العلمية والعملية في مجال التربية الخاصة من خلال اللجنة المشتركة بين الجانبين.
وتشمل الاتفاقية قيام وزارة التربية بإمداد الجامعة بأسماء الطلبة من ذوي الاحتياجات الخاصة في المرحلة الثانوية العامة وتحديد رغباتهم في الالتحاق بالجامعة مع نهاية العام الدراسي وإحاطة الجامعة بالاحتياجات اللازمة لكل حالة والأدوات التي وفرتها لهم الوزارة، وكذلك تقوم وزارة التربية بتحديد أوقات الزيارات المشتركة للمدارس الثانوية التي يدرس بها طلاب من ذوي الاحتياجات، وتعزيز برامج التوعية للطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة حول إمكانية التسجيل والالتحاق بالجامعة والاستفادة من خدماتها العلمية والعملية، وتقديم الخبرات العملية وفق الإمكانات المتاحة في مجال التربية الخاصة.
مشاركة واسعة بمعرض ذوي الاحتياجات
أقام مكتب التسهيلات في جامعة زايد بدبي أخيرا معرضا لمشغولات ذوي الاحتياجات الخاصة، بمشاركة سبعة مراكز لرعاية ذوي الاحتياجات الخاصة في الدولة، ويأتي هذا المعرض في إطار حملة التوعية التي تقودها الجامعة لدمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع وتوفير كافة احتياجاتهم.
حضر حفل الافتتاح الدكتور سليمان الجاسم مدير الجامعة، ودان جونسون نائب مدير الجامعة، وفاطمة القاسمي مدير مكتب التسهيلات بالجامعة، وصفية سعيد الرقباني رئيس شؤون التطوير بالجامعة، ومريم عثمان مديرة مركز راشد لعلاج ورعاية الطفولة، وعدد من أعضاء الهيئة التدريسية والإدارية وطالبات الجامعة. وقالت فاطمة القاسمي: «إن المعرض يأتي في إطار برنامج حملات التوعية التي أطلقها مكتب التسهيلات هذا العام بالتعاون مع المراكز والهيئات العاملة بهذا المجال والهادفة إلى نشر ثقافة التعامل الصحيح مع أصحاب الإعاقات».
يذكر أن المراكز المشاركة في المعرض هي مؤسسة زايد العليا للرعاية الإنسانية، وهيئة تنمية المجتمع، ووزارة الشؤون الاجتماعية، ومركز راشد لعلاج ورعاية الطفولة، ومركز دبي للرعاية الخاصة، ومركز النور، ونادي دبي للرياضات الخاصة.
