ما بين أريج المدن ومِسك آرامها تنعس المُقل، والفراش في حضرة من يهوى كالمجذوب ليلتها لنور يتبعه حبور، وزفاف خيالي وإيقاع نوبة.
والآن هلاّ فردت شراعك فأنت على سفر.
على ضفاف الروح يسدل النيل ضفائره المجدولة شوقاً لتنساب في كُلّ الدنيا، تقيم مهرجاناتها الصبيّة على صدر الوداد، ورقصاتها الفولكلورية على خمائل الرياض. تُمددّ خصلها على جبين الذكرى نشوة وابتهالا، فتميس ساعة طرباً وساعة وسناً ودلالا.
يُقال بأنّ الشوق أحياناً يخدعنا بصبره فهو يحنّ وكذا يئنّ، لا بل أكثر...تأتيه زائرة المتنبّي ليلاً وأعراض الوجد وإن أخفى!
ذات يومٍ انتفض أحدهم قائلاً: بل هو الشوك وليس الشوق، ربّما صدق، فالطير يرقص أحياناً مذبوحاً من الألم.
هي البداية إذاً.. موسيقى الأبدان ورقص الأمنيات ثم وجع الأغنيات!
فأي درجات سُلّمها ترتقي الأولى أم الثانية أم سيصعد شهيقك إلى السابعة ؟!
لست أدري! أهي تنهيدة أم احتفاء الحواس في مسرح الجسد؟!
أهي سلافة الوجد والترحال وأنخاب الليل؟! لست أدري!
فالكلمات هنا صرعى، وكلمّا برقت حروف أصاب الدوّار أخرى.
وحين ضجيج للصمت أيضاً نصيب يراقب بحذر، ذلك النبض المجلجل في رحم الحنين وأفواه المارّة والمركبات والريح.
أي صوت زار بالأمس خيالك؟! ورُبّ صوت تتبعه القوافل أسفاراً ومراحل.
أيّها المسافر برّاً كنت أو بحراً أو حتى جوّا، لتنفض عنك غبار الغربة حين الوصول، ولتقبّل غرّة الفجر في سماء المدينة، وأمّك الأرض بخيراتها.
وعلى الألواح.. رُب لحظات مسكيّة شهيّة، أو حُبلى بجنين دهشة، ورُبّ عصف ورجع صدى.. أو تلك التي يمتلئ كأسك معها بالأسئلة، وأبناء الأسئلة.
والسُكر مشبوب بصحو، ولسان حال البعض ساعتها ينشد: (ائتني بالصبوح يا بهجة الروح.. تُرحني..) فتصطف أمامك كائنات الأحداث هكذا.. نعم هكذا دون ميقات معلوم..
تمر عبر تضاريس الديار.. وخارطة الوجوه، ومخزون الحبوب، وسنن الحياة وفروضها.
وعند الغروب.. قد تستطيل الحوائط نخلاً، وتدور المطارات هائمة حول محور النداء، ويتوشّح الأفق بالسراب، فتركن إلى ركن قصيّ تناجي سلسبيل القصيد، تستدعي تفاصيل واضحة حدّ الغموض، أو غامضة حدّ الوضوح، إلى أن تبتسم السماء وتتبدّى في الدُجى ومضة، تتولّى حياء في وجل، فيهتزّ على إثرها وتر الشجن وعصب الزمن تقول البقية سوف تأتيك تباعا!