قد تثير معاناة الإماراتية نجاة شرف مع ضعف البصر ومن ثم فقدانه كليا في أنفسنا مشاعر معجونة بالحزن والشفقة والألم، ولكن عندما نسمع حديثها المفعم بالأمل والرضا بالقضاء والقدر، ونرى ابتسامتها التي رفضت الاستسلام للظروف الصعبة التي واجهتها، ونلمس ما حققته من إنجازات مشرفة ومذهلة على الصعيد العلمي والعملي والاجتماعي، فإننا نقف صامتين أمام هيبة صمودها، وإصرارها على الابتكار وتحدي أعداء نجاحها، حيث ترفض الجلوس وراء المكتب وتمثيل دور الكفيفة العاجزة عن العمل والإنتاج، وتتمنى أن تحذو الإمارات حذو بريطانيا التي عاشت فيها ‬17 سنة متواصلة بمفردها، فيما تقدمه من خدمات، ومعاهد تعليمية للمكفوفين وضعاف البصر، والأهم أن تعرف أفراد المجتمع باحتياجات هذه الفئة وضرورة احترامها وتقديرها وليس التقليل من شأنها وإهمالها.

في بداية حديثها لــ «البيان» قالت نجاة شرف التي تشغل حاليا منصب ضابط إداري أول بقسم الإعلام بهيئة صحة دبي: تسبب حادث سير مؤلم عندما كنت في عمر السنتين بفقداني البصر في عيني اليسرى وضعف الإبصار في عيني اليمنى، وقد رافقني هذا الضعف إلى أن وصلت إلى آخر سنتين في المرحلة الثانوية، حيث كنت مستمعة في الفصل، وكنت أؤدي الامتحانات في لجنة خاصة، والجدير بالذكر أنه لم تكن توجد في ذلك الوقت مدارس خاصة بالمكفوفين وضعاف البصر، أو حتى مدارس مجهزة لاستقبال واحتضان تلك الفئة، وقبل تخرجي من المدرسة سافرت إلى مصر وبريطانيا للعلاج، وقد تحملت الحكومة تكاليف سفري وعلاجي، وعلى الرغم من إجرائي لعدة عمليات جراحية إلا أنني لم أتمكن من القراءة والكتابة، بل كان باستطاعتي المشي فقط ببصر ضعيف للغاية، وعندها فقدت الأمل في الإبصار مجددا وعدت إلى الدولة وأكملت دراستي، وقد كنت من الأوائل المتفوقين والحريصين على المشاركة في أنشطة المدرسة وفعالياتها المختلفة، إلى أن تخرجت في سنة ‬1975، وبدأت أخوض معركتي مع الحياة بمفردي بعد وفاة والدتي «رحمها الله».

 

بداية الانطلاق

رفضت شرف الوقوف عند شهادة الثانوية العامة والاستسلام للعمى، وأصرت على السفر إلى بريطانيا مرة أخرى أملا في عودة البصر إليها والعيش بعين واحدة على الأقل، ولكن جميع المحاولات كانت فاشلة، وقالت: عندما وصلت إلى بريطانيا أصابني نزيف في عيني اليمنى وقررت البقاء في بريطانيا وعدم العودة مع والدي إلى الدولة، حيث كان مضطرا لتركي والعودة للاهتمام بأشقائي وشقيقاتي وزوجته الجديدة، وحينها أدركت أن علي الاعتماد على نفسي، وتقبل وضعي، وتحمل قسوة الغربة والوحدة، وانتسبت إلى معهد خاص لتأهيل المكفوفين لمدة ‬26 شهرا، حيث تعلمت لغة «برايل»، وتعرفت على أنواع العصي ومقاييسها، حتى أفهم كيفية استخدام العصا عند النزول على الدرج، أو عند البحث عن باب للدخول أو الخروج، سواء في المنزل أو في حال أردت الذهاب إلى الأسواق

 

إعجاب ومقارنة

أعجبت شرف بمستوى الرعاية والخدمات المقدمة للمكفوفين في بريطانيا، واستطاعت أن تطور نفسها وتتكيف مع محيطها بذكاء، حيث كانت الطالبة العربية والمسلمة الوحيدة في المركز، وتمكنت من تكوين صداقات عديدة في وقت قياسي، وقالت: يلتحق المكفوفون في بريطانيا بالمعاهد التأهيلية منذ صغرهم، كما يستفيدون من كافة الخدمات الاجتماعية التي تسهم في جعلهم أشخاصا إيجابيين ومتفاعلين لإفادة مجتمعهم، وهذا ما لفت انتباهي، لأن الحال يختلف في دولتنا، حيث يخجل فاقدو البصر من استخدام العصا البيضاء، ويعتقدون أنها تقلل من شأنهم ولا تتناسب مع مظهرهم الخارجي، كما لا يعرف معظمهم لغة «برايل»، وهذا ما يدهشني جدا، لأن من حق بقية أفراد المجتمع المبصرين أن يعرفوا أن لدينا إعاقة بصرية، حتى تكون لنا معاملة خاصة، كما أن معظم المدارس والجامعات لا توفر الأدوات والأجهزة والتقنيات الخاصة بالمكفوفين، بالإضافة إلى عدم وجود معاهد متخصصة لتأهيل فاقدي البصر.

وأضافت شرف: انتسبت إلى كلية المكفوفين، حيث قمت بمراجعة ما درسته في الرياضيات والكيمياء والفيزياء والأحياء، ثم أكملت دراستي الجامعية واستطعت التفوق على جميع الطلاب في دفعتي، حيث حصلت على شهادة البكالوريوس في الرياضيات، ثم على شهادة الماجستير في مجال الأبحاث العملية، ولم أكن أشعر بالوحدة بسبب الصداقات الكثيرة التي كونتها، بالرغم من اختلاف الديانة واللغة والمعتقدات بيني وبين زملائي وزميلاتي، الذين كانوا يصرون على حضوري ومشاركتي لهم في أعيادهم ومناسباتهم الاجتماعية والمبيت في منازلهم في أيام الإجازات، حيث كانوا يحضرون لي الأكلات النباتية اللذيذة التي أحبها، فأنا من عشاق الخضراوات، كما كانوا يساعدونني في تسجيل المحاضرات وتدوين الملاحظات المهمة، ويشجعونني على الاعتماد على نفسي.

 

إيمان وثقة

لم تشعر نجاة بالخوف نتيجة العيش بمفردها، كما لم تواجه أي صعوبات في الاهتمام بنفسها ومتابعة شؤونها الخاصة، وقالت: كان لدي إيمان كبير بقدرة الله عز وجل، كما كنت متأكدة من حمايته لي، حيث كنت أمارس حياتي كما لو كنت مبصرة، وأذهب إلى المطاعم والأسواق والنوادي معتمدة على العصا البيضاء، كما كنت أستخدم حافلات المواصلات العامة وسيارات الأجرة دون خوف، وذلك لأخلاق الأجانب العالية، وأذكر أنني سألت ذات مرة سائق إحدى الحافلات عن مكان معين، فقام شاب بتقليدي والاستهزاء بي ما أثار ضحك جميع الركاب، فما كان من السائق إلا أن هددهم بإنزالهم من الحافلة إن لم يحترموني ويصمتوا، كذلك كنت أعتمد على الطعام الجاهز في كثير من الأحيان، كما كنت أطهو طعامي بنفسي معتمدة على الفرن الكهربائي بسهولة، ولم أكن بحاجة إلى خادمة.

وعن أسلوبها في التسوق قالت شرف: كنت أستغل فترة النهار لشراء ما أحتاجه، حيث كنت أطلب المساعدة من العاملين بالمحلات ليختاروا لي ما يناسبني من الثياب، أما بالنسبة للمواد الغذائية فقد كنت أطلب من مسؤولي التغذية قراءة محتويات المنتجات بدقة لأنني مسلمة ولا أتناول لحم الخنزير، كما كنت أبتعد عن تناول اللحوم لصعوبة تخزينها، أما في الليل فكنت أفضل الجلوس في البيت أو الخروج مع مجموعة كبيرة من الأشخاص تجنبا لنوايا الأشرار والمواقف الخطرة.

تنقلت نجاة بين عدة وظائف بعد تخرجها، حيث تركت سكن الجامعة وعاشت في شقة رائعة بمفردها، والجميل أنها كانت تحصل على كل الأجهزة والأدوات التي كانت تطلبها من كلية المكفوفين، وقالت: لم أكن أواجه صعوبة في التعامل مع منزلي، لأنه كان مجهزا بجميع التقنيات التي جعلت حياتي أسهل وأفضل، أما اليوم فأمامي عقبات لا تعد ولا تحصى لقلة اهتمام المسؤولين بتوفير وتأمين متطلبات واحتياجات ذوي الإعاقة البصرية ذات التكلفة العالية، وأذكر أنني عندما عدت إلى الدولة في سنة ‬2000 أهديت مركز المعاقين في دبي جهازا ذكيا يساعد المكفوفين على متابعة البرامج التلفزيونية، لأنني أستطيع التعامل مع جهاز التلفاز العادي ببراعة.

 

سبب العودة

وتستطرد شرف قائلة: ارتديت الحجاب عندما دخلت سوق العمل، وعلى الرغم من احترام بريطانيا للمسلمين، إلا أنني لم أشعر بأنها مكاني المناسب، وعندها قررت العودة إلى الإمارات، وحظيت بفرصة عمل في أحد مستشفيات دبي المعروفة، ولكنني للأسف فوجئت بسوء المعاملة، ورغبة المسؤولين في المستشفى في تحطيم طموحاتي وإصرارهم على عدم الاستفادة من خبرتي الطويلة، حيث كانوا يطلبون مني الجلوس خلف المكتب حتى انتهاء الدوام، وقد صبرت وتحملت وضع التجميد ذلك لمدة طويلة إلى أن انتقلت إلى وظيفتي الحالية.

وطرقت نجاة باب أحد المسؤولين في وزارة الشؤون الاجتماعية لتعرض عليه قطعة بلاستيكية جلبتها معها من بريطانيا، تساعد المكفوفين وضعاف البصر على كتابة الشيكات البنكية، ومعرفة قيمة العملات الورقية التي يحملونها في جيوبهم بكل سهولة، ولكنها فوجئت من ردة فعله، وقالت: بعد أن قدمت له شرحا تفصيليا عن تلك الأداة وفوائدها، قال لي بكل برود: هذه قطعة تافهة مكانها سلة المهملات.

صداقة مؤقتة ومواهب متعددة

اعتمدت شرف على العصا طوال فترة إقامتها في الخارج، حيث كانت تعيش وتتنقل بمفردها، وحول اعتمادها على كلب القيادة، قالت شرف: على المكفوف تعلم استخدام العصا أولا، ثم بإمكانه الاعتماد على كلب القيادة، وأنا لم أعتمد عليه، لأنه يعادل العصا فعليا. ولا تستطيع نجاة نسيان تلك الطفلة الليبية الصغيرة التي كانت تتلقى العلاج في إحدى المصحات من سرطان الدم، وقالت: أقمت لفترة قصيرة في مصحة بعد إجرائي للعمليات الجراحية الخاصة بعيني اليمنى، وهناك تعرفت إلى طفلة صغيرة مبصرة علمتني بعض المفردات الإيطالية كلما كنت أرافقها إلى المستشفى، وأترجم للأطباء ما تقوله إلى اللغة الإنجليزية، وقد حزنت كثيرا عندما علمت بوفاتها. وتمكنت نجاة شرف في مرحلة مبكرة من عمرها أن تعبر عن مواهبها وهواياتها من خلال حصص الألعاب الرياضية، وحصص الأشغال اليدوية التي أصبحت من خلالها ماهرة في حياكة الملابس وخياطتها، وصناعة الأدوات والأواني الفخارية والخشبية والرسم، بالإضافة إلى تعلمها لمهارات التعامل مع المائدة وإتقان فن الطهي، وكيفية الاهتمام بمظهرها وشكلها الخارجي.