بودكاست جمع العتيبة والأميري وستوفان حول مهمة الإمارات للمريخ

مسوغات للأمل.. محادثة حول مستقبل استكشاف الفضاء

عبْر بودكاست «بودبريدج»، المنصة التي تركز على القضايا والأفكار ذات الاهتمام المشترك في الولايات المتحدة والشرق الأوسط والعالم وتغطي كافة المجالات، أطل سفير دولة الإمارات العربية المتحدة لدى واشنطن، معالي يوسف العتيبة، بمناسبة إطلاق الإمارات مسبار «الأمل» لاستكشاف المريخ في مهمة هي الأولى من نوعها لدولة عربية في مجال الفضاء.

في حديث بعنوان «مسوغ للأمل: محادثة حول مستقبل استكشاف الفضاء مع سيدتين رائدتين»، استضاف معالي سارة الأميري، وزيرة الدولة للتكنولوجيا المتقدمة رئيسة وكالة الإمارات للفضاء، والدكتورة إلين ستوفان مديرة متحف سميثسونيان الوطني للعلوم الجوية والفضائية وواحدة من كبار علماء وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» سابقاً.

افتتح معالي العتيبة الحلقة المسموعة بالإشارة إلى «مسبار الأمل» والمهمة التي تأجلت مرتين على التوالي قبل الانطلاق الناجح من مركز تانيغاشيما للفضاء في اليابان. وبالمناسبة تحدث العتيبة في حلقته مع سيدتين استثنائيتين كما قال، وهما معالي سارة الأميري والدكتورة إلين ستوفان اللتان لعبتا دوراً جوهرياً في تحويل حلم مهمة «الأمل» إلى واقع.

تحدثت سارة بداية من طوكيو، فقالت رداً على سؤال حول كيفية تمضية نهار عادي في الوزارة حيث الكثير من العمل حول المسبار الذي يحتل غالبية الوقت، ولكن حين لا تنشغل بذلك، قالت الأميري إنها تحرص على أن يكون صوت الفريق العلمي مسموعاً في الإمارات لأن الانطلاق في التحديات يبدأ عادةً من القواعد الشعبية والحرص على أن تتوافر للعلماء البيئة المناسبة للتطور والتقدم في مساعيهم، «كما ننظر بشكل دائم إلى القوانين الحالية لنرى ما إذا كانت تتناسب مع تطور نتائج الأبحاث العلمية وتؤدي بها إلى التطبيق في مجالات أخرى»، وقالت الأميري مردفةً:

«أضف إلى أننا نركز وعلى نحو جوهري في الإمارات العربية المتحدة، بشكل أساسي على خلق قطاعات جديدة أخرى وإمكانات جديدة ولا سيما إذا كنت تنطلق من نقطة تحوّل تقوم على البدء بتغذية تلك القطاعات بالمعرفة وتخلق بالتالي المزيد من المؤسسات القائمة على المعرفة، لأننا نعتد أنه لأنه ما من دولة شهدت تحولات عظيمة كما تلك التي تحصل في الدولة».

ومن هنا تتبلور برأيها، حلقة الوصل مع مهمة استكشاف المريخ التي نشأت كبرنامج لتطوير المهارات والمواهب لإيجاد مجموعة مهندسين قادرين على قيادة وتطوير أنظمة شديدة التعقيد تعمل بشكل مستقل.

ويفضي ذلك كما أكدت إلى إنشاء قطاعات جديدة؛ «إن ما فعلناه في مهمة الأمل وتطوير مجموعة المهارات في الإطار هو أننا بدأنا بإيجاد قدرات في مجالات لم يسبق أن حظينا بفرصة خوضها. إن ما يقوم به المهندسون عادةً بعد التخرج يكمن في توظيف التكنولوجيا في مجالات مهمة للدولة وبثها في مختلف القطاعات والمجالات لتقديم الخدمات في الإمارات. لم نحظَ مطلقاً بفرصة بدء العمل على التصميم والتطوير والتأكد من أن ندفع قدماً جوانب التصميم والتطور في الدولة.

حماس

وبالانتقال للحديث مع إلين ستوفان التي تعرف الأميري منذ فترة، على حدّ إشارة العتيبة، وتتابع تقدم برنامجها سألها ما إذا كانت تتذكر كيف كان شعورها وردة فعلها حين سمعت المرة الأولى عن برنامج الإمارات الفضائي ومهمة استكشاف المريخ ولا سيما كشخص أمضى حياته في المجال. وأجابت ستوفان بالإشارة إلى مدى الحماسة التي شعرت بها وبالفرصة التي حظيت بها بزيارة المركز الفضائي والتجول فيه حين كان لا يزال المشروع في مراحل التخطيط، وتمكنها من التعرف إلى الأميري التي أصبحت على علاقة صداقة وطيدة بها.

وأضافت إنه بالنسبة لها تعد رؤية جميع الأطراف قد بدأت المشاركة في رحلة الغزو الفضائي ومعرفة أن استكشاف الفضاء لم يعد حكراً على دول قليلة تمتلك خبرة سنوات عديدة في هذا المجال مبعث سرور، مضيفةً «إن كنا نريد أن نصبح شعوباً غازية للفضاء بالفعل.

فلا بدّ من مشاركة الجميع. ولهذا فإننا نطور المهارات من حول العالم ونستفيد من الطاقات ما يدفع بحق عجلة العلوم والهندسة وهذا ما سيؤدي بنا في النهاية إلى تحقيق مسألة عيش الإنسان على سطح المريخ وهو أمر لن تقوم به دولة واحدة بمفردها. لا بد من وجود الجميع ومشاركتهم للحصول على أفضل النتائج».

وفي ردّ على سؤال العتيبة عن الدافع الذي أوصل كلاً من الأميري وستوفان إلى حيث هما وكيف انتهى بهما المطاف للتركيز على جيولوجيا الكواكب وكيف وصل الأمر بمعالي سارة الأميري لقيادة مشروع مركبة فضائية. انطلقت ستوفان بالحديث عن رحلتها بالإشارة إلى قصة غريبة حيث كان والدها يعمل في «ناسا» وقد شهدت على انطلاق الصاروخ الأول وهي في الرابعة من العمر.

وبما أن والدتها كانت أستاذة علوم كذلك فقد نشأت على حب العلم وقد جذبت اهتمامها على نحو محدد النماذج الخام وقصص نساء ملهمات مهتمات بالعلوم والهندسة علماً أن السائد كان يقول إن كل من يعمل لدى «ناسا» يشبه أباها. «قررت بأني سأصبح عالمة جيولوجيا ولم أبدأ فعلياً بالتفكير في العمل لدى ناسا إلا حين بلغت سن الـ14.

كان والدي يعمل في مجال الصواريخ وإطلاق فايكينغ، أول مركبتين إلى المريخ في مارس. وكان العلماء يتحدثون معنا عن العلوم الفضائية والبحث عن ملامح الحياة على المريخ وأنه كوكب يمكننا تعلم الكثير منه حول الأرض وقررت حينئذ أني سأصبح عالمة جيولوجيا مختصة بالكواكب».

شغف

أما سارة الأميري فتحدثت عن شغفها الأول الذي أتى ليس من الفضاء تحديداً، بل من برمجة الحواسيب التي بدأت التعرف على قواعدها الأساسية حين كانت في الصف الرابع وبعمر التاسعة تقريباً وعن اهتمامها بعلم المنطق الذي يقع في أساس تطور البرمجيات والطريقة التي يمكن من خلالها تفكيك برامج معقدة جداً ووضعها في إطارها الأبسط وتعليم الكومبيوتر كيفية القيام بها.

«لقد استغرقت نحو عام تقريباً لاتخاذ القرار حول ما يعنيه ذلك وربطه بمسيرة مهنية ما، ومنذ ذلك الحين وأنا أريد أن أكون مهندسة كومبيوتر حيث كان هدفي الأكبر لدى التخرج العمل في قسم تكنولوجيا المعلومات والصيانة. نساء الشرق الأوسط

تساءل العتيبة ما إذا كانت تخوض مجالاً يسيطر عليه الذكور، ولا سيما أن زوجته المهندسة المدنية المصرية تخبره على الدوام بأن الكلية حيث هي لا توجد سوى أربع سيدات والبقية هم من الرجال. وأشار كذلك إلى التصوّر القائل إن النساء لا يبلين حسناً في منطقة الشرق الأوسط في ظل الكثير من القيود، ومحاولته التصحيح دائماً بأن ذلك غير دقيق.

وسأل عن حقيقة الوضع في الإمارات وعن رأيها كونها الدليل الحي الذي يكسر النمط السائد. وردّت الأميري أن الحال لم يكن يوماً كذلك بالنسبة لها وقالت: حين كنت أتخصص في مجال البرمجة كانت نسبة الفتيات الطالبات نحو 30 إلى 40 في المئة وإن طاقم مهمة الإمارات إلى المريخ يضم نسبة 34% من النساء و50% من النساء في مجال قيادة البرنامج. ولا بأس بالأمر حين ينظر الناس إلينا كفريق ضخم.

ولا سيما كفريق علمي وأعتقد أن إلين ستوفان قد التقت الغالبية علماً أن الفريق العلمي يتألف بنسبة 80% منه من النساء، ولكن صحيح أنه حين تذهب إلى مؤتمرات علمية عالمية، فإنك ترى سطوة الرجال، وهناك قلة فقط من النساء الإماراتيات الحاضرات في تلك المؤتمرات ما يشكل ظاهرة تدعو للتوقف عندها.

إلهام

أما إلين فقد أكدت أنها أمضت الكثير من حياتها العلمية في أماكن لا يحضرها سوى الرجال ولذا كان ممتعاً جداً المجيء إلى الإمارات ولقاء سارة والتحدث إليها. الأمور إلى تحسّن مع الوقت، تؤكد إلين مضيفةً: إننا نركز كثيراً على المسألة في متحف الفضاء لأنه يصعب على ما أعتقد على الأولاد أن يفكروا في أني أستطيع أن أكون في مكان ما إذ لم أرَه بعيني.

ومن هنا تأتي أهمية مهمة «الأمل» وما تعنيه. إنها مهمة للغاية على الصعيد العلمي والاقتصادي ولجملة من الأسباب ولكنني أعود إلى الإلهام الذي تمنحه فكل طفل سيتطلع إلى المهمة ويتعلم من سارة ويحتذي بها وهذا أمر عظيم بالنسبة للفتيات خصوصاً.

واسترسل العتيبة في الإشارة إلى أننا ننظر دوماً إلى المهمة من الباب العلمي البحت وغايتها ولا نتنبه إلى الصورة الأكبر وسأل إلين أن تشرح من المنظور العلمي ونظرة الولايات المتحدة للغاية الأكبر من المشروع والتبعات غير المقصودة لدولة قررت إرسال مسبار إلى الفضاء الخارجي.

وأكدت إلين أنه حين ينظر الناس إلى استكشاف الفضاء فإنه مجال اقتصادي ضخم لأي بلد لأنك حين تستثمر في التكنولوجيا وتقوم بأمور معقدة كما أشارت سارة فإنك تدفع باقتصاد الدولة قدماً.

ومن الناحية العلمية يمكننا التحدث عن المناخ على المريخ والآمال المعقودة وما يمكن أن نتعلمه وهذا كله مهم بالنسبة لي كعالمة. ولكني أعود وأتطلع إلى الناحية الملهمة التي يولدها استكشاف الفضاء كنوع من الجزء الأفضل من الطبيعة حين تقول انظر ما يمكن لدولة ما القيام به، حين توجه نظرها إلى النجوم وتقول انظروا إلى ما يمكننا أن نفعل حين نضع أفضل إمكاناتنا وعقولنا فإننا نستطيع أن نحقق كل ما نريد.

تعقيدات مضاعفة

أما عما يعنيه الأمر بالنسبة لسارة من المنظور الإماراتي، فقد قالت إنها ستعود إلى نقطة الأساس، إلى العمل من مركز محمد بن راشد للفضاء على الأقمار الصناعية لمراقبة الأرض ضمن مهمة طرحت تعقيدات مضاعفة خمس مرات أكثر في ما يتعلق بالأنظمة وشكلت فرصة تعلّم هائلة للجميع .

حيث وفي خلال ست سنوات تبدّل كمّ المعارف والقدرات التي طورها الفريق وتغيّرت المفاهيم وطرق التفكير وشهية المخاطرة. ليس هناك من وسيلة للتعبير عن مدى التأثير الذي تركته المسألة على طول الخط حتى أبعد من حدود هذه المهمة، تقول الأميري: إننا نتطلع من المنظار الأوسع بالنسبة للإمارات لجهة إيجاد فرص عمل أكثر للناس. وقد سبق أن تحدثت، تضيف قائلةً عن خشيتي من ألا أجد مجالاً يسعني تقديم المساهمة فيه ودراسة تخصص لم أكن أثق أين سيسعني العمل به.

وأضافت: «إننا نخلق اليوم أثراً متموّجاً كما قالت إلين ونولّد فرصاً وقد شهدنا عبر هذه المهمة إقبال الكثير من الطلاب على متابعة تخصصات ذات علاقة وهو ما ندفع كدولة باتجاهه بقوة حيث نحتاج إلى خلق قاعدة لبيئة مهارات ومواهب متنوعة وهذا ما بدأت مهمة الأمل تحفزه».

الأهم من كل ذلك بنظر الأميري أن التحدث عن سياسة علمية يقتضي التفكر في كيفية تطوير بيئة علمية وتكنولوجية والحرص عند التأسيس لقطاع جديد كتقنيات الزراعة وتحلية المياه مثلاً على معرفة القيام بذلك ولا سيما بغياب مؤسسات يشتغل فيها الناس لاكتساب مهارات جديدة.

وعلقت إلين في مداخلة لها على أنها كانت شاهدة على ذلك في الإمارات حيث زارت بضع مرات الجامعات والمدارس، وحيث كانت تتحدث عن المريخ ومهمة «الأمل» ترى الحياة تدب في التلاميذ وهو أمر ملهم جداً للأطفال أن يروا وطنهم يقوم بتلك الخطوة فيتحمسوا ويشعروا بالإيجابية.

وتوقعت إلين متابعةً أنها ستشهد رداً على سؤال العتيبة المزيد من التعاون وليس التنافس في المستقبل في مجال استكشاف الفضاء وذلك لاعتقادها بأن المجتمع العالمي قد عاد يركز على ذهاب الإنسان إلى القمر والمريخ وأنه لا توجد دولة قادرة بمفردها على القيام بذلك نظراً لارتفاع التكلفة والحاجة لتعدد المهارات والوقت حيث يمكن الاستفادة من فرصة تهم البشرية جمعاء ولا تقتصر على دولة بذاتها.

فخر

وأعرب العتيبة عن فخره كما فخر كل إماراتي يتطلع إلى مسيرة الإنجاز وسأل ضيفتيه أخيراً بماذا ستتوجهان كامرأتين قائدتين متفوقتين ملهمتين في مجال عملهما للفتيات والشابات اللواتي يتطلعن إليهما وإلى المهمة ويقلن «أريد أن أكون كما سارة وإلين»، فقالت إلين أن النصيحة التي ستقدمها للفتيات هي ألا يدعن أياً كان أن يقف بوجههن أو يقول لهن لا يمكنكن القيام بذلك أو لا ينبغي لكن القيام به.

أما عن سارة الأميري فقالت: اتبعن شغفكن ولا تدعن ما لا وجود له اليوم أن يرسم ملامح المستقبل. للحياة أسلوب مثير في وضع أمور على الطريق، لم تخططن لها ولم تحلمن بها بالضرورة.

ولكن إن كنتن منفتحات على التجارب إن لم تواصلن إغلاق الباب لأنه كما قالت إلين لا تستطعن أو لا ينبغي لكن أو أنه مسار لا يتعين عليكن سلوكه فلن تحققن شيئاً. الأشياء المفروضة تبنى في داخل كل منا ولا بدّ من اكتشاف القوة الداخلية واستيعاب الفرص الآتية وأنه باستغلالها تتحقق الأمور العظيمة.

وختم العتيبة اللقاء بالإشارة إلى أن الإماراتيين وإن لم يكونوا جميعاً في طوكيو فهم بالروح مع الأميري ويفخرون بكل الإنجازات التي وضعت الإمارات على الخريطة على نحو رائع.

العلم ليس ملكاً لأحد

رأت معالي سارة الأميري أنه لا يسع دولة أن تخوض مجال الاستكشاف الفضائي على اعتبار أنها ستملكه وستعده مجال تنافس فالعلم الخالص ليس ملكاً لشخص أو مجموعة أو شركة أو دولة بذاتها بل ملك للبشرية جمعاء وليس الفضاء سوى مجال للاستكشاف ودفع حدود العلم والمعرفة وهو مجال للدفع به قدماً والتعاون بشأنه. وتضيف إن القطاع الخاص لا بدّ من أن يحرز أرباحاً مقابل مشاركته علماً أن سياحة الفضاء قد انطلقت بما يحمس حسب رأيها لمعرفة أين ستفضي الأمور.

وعن رأيهما في إمكان حدوث المزيد من التعاون بين القطاعين العام والخاص في المجال، أشارت إلين إلى أن «ناسا» تتطلع على الدوام لتعاون القطاع الخاص حيث أنه كلما تقلّصت التكلفة استطاعت تحقيق المزيد وإن حماسة الذين يرغبون في استكشاف الفضاء الخارجي وجمع المزيد من البيانات والمعلومات وتعلم وفهم المزيد لا تحصل إلا بمشاركة الجميع.

أما الأميري فتعتقد أن القطاع الخاص يتسم بفعاليته وتأثيره ما يجعله مهماً لمساعي استكشاف الفضاء وتحقيق المزيد من الإنجازات والأهم هو وجود الحكومة لتقليص هامش المخاطرة وكلا القطاعين مهم في دفع عجلة التطور قدماً في ما يخص برامج الفضاء.

وعن اقتراب لحظة الحقيقة بحلول موعد إطلاق مسبار «الأمل» الذي تعمل عليه منذ عدة سنوات تشير الأميري إلى مزيج من الأحاسيس المختلطة التي تصيبها تتراوح بين الرعب والحماسة والقلق وجملة من المشاعر الأخرى التي تعجز كما قالت عن التعبير عنها، ولا سيما عند التفكير في كم الوقت الذي استغرقه هذا المشروع من حياتها بما في ذلك حياة شركاء العمل والحياة والأسرة التي عاشت نبض التجربة، وأكدت أنها بانتظار ما ستخبئه الرحلة الطويلة القادمة.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات