متعافون: عزيمتنا على تجاوز الكابوس أكبر اعتذار لأسرنا ومجتمعنا

4400 مريض إدمان عالجهم «الوطني للتأهيل»

أكد الدكتور حمد عبد الله الغافري، مدير عام المركز الوطني للتأهيل، أن المركز قدم خدماته العلاجية لنحو 4 آلاف و400 مريض إدمان منذ إنشائه في عام 2002 وحتى الآن، موضحاً أن الإحصائيات تشير إلى زيادة نسبية في عدد المرضى خلال النصف الأول من العام الجاري مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

برامج

وقال الغافري لـ«البيان»: إن المركز اعتمد خلال جائحة كورونا، العديد من البرامج والأنشطة التي تستهدف مواصلة دوره الحيوي مع الالتزام في الوقت نفسه بالإجراءات الاحترازية التي أقرتها الدولة، ومن هذه البرامج إنشاء أول «عيادة افتراضية» متخصصة لعلاج المدمنين، بعد أن تم إيقاف الأنشطة والبرامج الاجتماعية المتعلقة بالمرضى، وتحويلها إلى أنشطة افتراضية.

وتابع: من هنا قضت الحاجة أكثر من أي وقت مضى، إلى إطلاق عيادة افتراضية موجهة لمرضى المركز بدرجة أولى ومتابعة الحالات التي تعاني من مرض الإدمان والاستفادة من الاستشارات المجانية التي يقدمها لهم الأطباء والاستشاريون المتخصصون، سواء كان ذلك عبر البريد الإلكتروني، أو الهاتف، مع توفر كافة ضمانات الحفاظ على الخصوصية، وسرية البيانات.

وأضاف الغافري: كما تستهدف هذه العيادة الحالات المتأثرة نفسياً بشكل سلبي من تداعيات أزمة جائحة كورونا، حيث تبين بأنها تسببت في ظهور أعراض نفسية، مثل التوتر والقلق والوسواس والإحباط واضطرابات في المزاج والعصبية وعدم السيطرة على الأفعال.

وأوضح الدكتور حمد الغافري أنه ومن بين الأنشطة التي أقرها المركز، خلال الفترة الماضية، التركيز على الرسائل التوعوية من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وتم طرح العديد من الأسئلة والاستبيانات التفاعلية للجمهور، بالإضافة إلى نشر الانفوجرافيكس التوعوية لتوضيح الرسائل من خلال الصور والأرقام وتم أيضاً تنظيم العديد من الندوات التوعوية عن بعد وورش العمل.

وذكر الغافري إن الإجراءات الاحترازية من جائحة كورونا والتي اتخذها المركز، تضمنت تدريب 279 موظفاً من العاملين والمتعاقدين على أسس مكافحة العدوى والإجراءات الوقائية للفيروس، وإعادة جدولة الخدمات العلاجية بما يتناسب مع عدد المرضى وحالتهم الطبية والاستفادة من العلاج النفسي الفردي إذا احتاج الأمر، وقصر مراجعات المرضى لتلقي الخدمات العلاجية بناء على حالة المريض، ووقف جميع الأنشطة الجماعية في تقديم الخدمات الصحية، ومنع الزيارات الاجتماعية لأهالي المرضى ويكتفي بمتابعتهم عن طريق المكالمات الهاتفية.

متعافون

«البيان» التقت عدداً من المتعافين الذي نجحوا بفضل عزيمتهم وإصرارهم وبجهود العاملين في المركز الوطني للتأهيل، بالخروج من تجربة الإدمان منتصرين، ليعودوا إلى مجتمعهم، ويساهم كل منهم من موقعه في مواصلة مسيرة البذل والعطاء، فمنهم من بدأ في فتح مشاريع تجارية خاصة، ومنهم من عاد إلى عمله السابق.

وحول أسباب دخولهم إلى كابوس وبراثن الإدمان، أجمع المتعافون، أن أحد أهم الأسباب يتمثل في تشجيع أصدقاء السوء الذين عكفوا على تصوير المخدرات على أنها مصدر للسعادة، أو بدافع الفضول وحب الاكتشاف، موضحين أن من يقع فريسة لشباك براثنها يكتشف أنه وقع ضحية لأكبر كذبة سيشهدها على مدى حياته.

ونوهوا بأن المتعاطي يمر خلال مرحلة الإدمان بثلاث مراحل رئيسية الأولى هي مرحلة «اللذة» والتي تكون مدتها قصيرة جداً، ينتقل منها المدمن إلى المرحلة الثانية وهي مرحلة «التدهور والانحدار والألم»، وصولاً إلى المرحلة الثالثة وهي مرحلة «عدم القدرة عن الاستغناء»، والتي يفقد فيها المدمن القدرة على التحكم بتصرفاته والاستغناء أو التقليل من كمية المواد المخدرة التي يتناولها بشكل يومي.

وفاة

في البداية التقينا بـ(أ) الذي دخل إلى المركز الوطني للتأهيل بعد وفاة شخص نتيجة تناوله لجرعة زائدة من المواد المخدرة وتبين من خلال عمليات البحث والتحري بأن (أ) كان متواجداً برفقة المتوفى وتناوبا معاً على تعاطي المواد المخدرة، الأمر الذي تسبب في وفاة (و) نتيجة تعاطيه لجرعة زائدة، ليتم إلقاء القبض على (أ) وليتبين من خلال عملية الفحص بأنه مدمن على تعاطي المخدرات.

أما عن السبب الذي دفعه إلى تعاطي المواد المخدرة فقال: عندما كنت في الصف الأول الثانوي، عانيت من تدني تحصيلي العلمي في مادة الرياضيات، وعند حلول موعد الامتحانات الشهرية، أعطاني أحد أصدقائي حبوب الترامادول، موضحاً لي أن هذه العقاقير ستساهم في زيادة تركيزي وبالتالي رفع تحصيلي الدراسي، فوافقت وبدأت في أخذ حبة في كل أسبوع، ثم رفعتها إلى حبة كل 3 أيام إلى أن أصبحت مدمناً على تناولها بشكل يومي.

وتابع: في أحد الأيام وعندما كانت والدتي تقوم بأخذ ملابسي المتسخة من غرفة نومي، عثرت في أحد جيوبي على حبوب الترامادول، ولكونها لا تعرف ما هي، واستفسرت من شقيقي الأكبر، والذي اكد لها أن هذه الحبوب هي مواد مخدرة، وعندما واجهاني بالأمر أقسمت لهما بأني سأبتعد عنها، وأتوقف عن مرافقة أصدقاء السوء.

ورداً على سؤال حول إذا ما كان قد بادر بتشجيع نفسه على ترك تعاطي المواد المخدرة، قال (أ): نظراً لكوني لم ألتزم بتغيير رفاقي وواصلت مرافقتهم، بعيداً عن أنظار أفراد أسرتي، فقد واصلت التعاطي حتى أصبح جزءا رئيسيا في حياتي اليومية، مما أدى لتدهور حالتي الصحية وتراجعها بشكل كبير.

وبعد أن ألقت الجهات المعنية القبض على (أ) بتهمة تعاطي المواد المخدرة، وإحالته إلى المركز الوطني للتأهيل لتلقي العلاج من الإدمان، تملك (أ) الخوف، ظناً منه بأن الإجراءات التي يتخذها المركز قد تكون قاسية وصعبة، إلا أنه وجد كل رعاية في المركز مما أسهم في عودته إلى المجتمع.

وحول شعوره في أول يوم في المركز الوطني للتأهيل، قال: من خلال الإجراءات والاستقبال التي لمستها من قبل المعنيين بالمركز من أطباء واستشاريين، شعرت بأنني في المكان الصحيح، مضيفاً «بدل المركز الوطني للتأهيل حياتي للأفضل، حيث تغيرت تصرفاتي وسلوكياتي نحو الأحسن، فأصبحت بفضل الحلقات النقاشية التي نتشارك فيها تجاربنا، أكبر قدرة على فهم الآخرين والتعلم من التجارب الصعبة التي مروا بها، دون أن أنسى الجانب العلاجي الكبير الذي قام به الأطباء والأخصائيون».

رحلة سياحية

أما (ط) فيروي فصول بداية قصته في الإدمان، إلى ذهابه في رحلة سياحية إلى إحدى الدول العربية، حيث كان حينها برفقة عدد من أصدقاء السوء الذين عكفوا ومن اليوم الأول على وصولهم، إلى جعله أسيراً وراء ملذاته، ليبدأ بعد ذلك مسيرة جديدة أضرت بصحته وجسده، بعد أن شجعوه على تعاطي مادة الحشيش المخدرة.

وقال: لكوني أمتلك شراهة كبيرة لتدخين السجائر ومشتقاته كالمدواخ والسجائر الإلكترونية وغيرها، وافقت على الفور، لأجد نفسي بعد مرور أسبوع مدمناً على تعاطي الحشيش، والذي تطور بعد ذلك إلى تعاطي العديد من المواد المخدرة مثل «الامفيتامين» و«البريجابالين»، واستمر ذلك لنحو 25 عاماً تعاطيت خلالها معظم أنواع المواد المخدرة.

وارجع (ط) السبب الذي دعاه لتناول المواد المخدرة إلى حب الاستكشاف والفضول، مضيفاً أنه وعلى الرغم من كونه حينها، راشداً نظراً لإكماله دراسته الجامعية وبدء مرحلة جديدة في العمل المهني، الا أنه لم يستطع كبح جماح رغبته الشديدة في تجربة هذا النوع من المواد المخدرة.

وتابع: ادعى أصدقائي بأن تعاطي «الحشيش» لا يدخل ضمن فئة الإدمان، لكون الحشيش من المواد التي يتم تعاطيها كسجائر، ليتضح لي بعد ذلك بأنها كذبة كبيرة، وضعتني على أولى خطواتي نحو حياة جديدة، مليئة بالكوابيس والدمار الاجتماعي.

وأضاف: كنت أوهم نفسي في بداية رحلة التعاطي، بأني أمتلك القدرة على التحكم بالجرعات التي أتناولها والأوقات والأسباب التي قد تدفعني لتعاطيها، وأنه باستطاعتي التوقف عن تناولها في أي وقت ومتى أشاء ذلك.

وحول السبب الذي دعاه إلى الدخول للمركز الوطني للتأهيل، قال: خلال إجرائي لفحوصات طبية داخل أحد المستشفيات، تبين للفريق الطبي احتواء عينتي على المواد المخدرة، ليتم بعد ذلك إبلاغ الجهات المعنية بالأمر، والتي قامت بإلقاء القبض علي، ليصدر بعدها، قاضي المحكمة حكماً بإخراجي من السجن وإحالتي إلى المركز بهدف تلقي العلاج.

حيث حرص الأطباء والمختصون في المركز على معاملتي باعتباري حالة مرضية تحتاج للعلاج، وليس مجرماً منبوذاً من المجتمع كما كان يصور لي الآخرون.

وثمن (ط) جهود كافة المعنيين بالمركز ودورهم الكبير في تشجيعه ومساهمته في إخراجه من كابوس الإدمان، وحرصهم على متابعته بشكل دوري ومستمر للتأكد من التزامه بكافة الاشتراطات والإجراءات الواجب اتباعها في سبيل منع المتعاطين من العودة إلى إدمان المواد المخدرة.

دراسة

(س) بدأ تجربته في تعاطي المخدرات خلال تواجده في إحدى الدول الآسيوية للدراسة الجامعية واستكمال تحصيله الأكاديمي، وقال: كنت أقيم في السكن الجامعي التابع للكلية التي ادرس فيها، حيث تعرفت على عدد من عمال النظافة والأشخاص المسؤولين عن إدارة السكن، وكان من بينهم شخص يتولى بجانب مهنته الرئيسية كمشرف على عمال النظافة، مهام ترويج المواد المخدرة على الطلبة الساكنين بالسكن الجامعي.

وتابع: من هنا بدأت قصتي مع التعاطي والتي تعد قصيرة، بالمقارنة مع أقراني، حيث دامت اقل من 3 سنوات، تعاطيت خلالها «حبوب الترامادول» و«الحشيش»، معترفاً في الوقت نفسه بندمه على كل يوم كان فيه أنانياً بالتفكير في نفسه وإسعاد ذاته وإدخاله في حلم تبين بأنه كابوس يصعب الاستفاقة منه.

وأفاد: بعد انتهاء فترة الدراسة وعودتي إلى الدولة، ومرور عدة أشهر، حضر أحد أصدقائي الذين كنت أتناول معهم المواد المخدرة، وأبلغني بأنه خضع إلى برنامج علاجي، برفقة عدد من الأشخاص، ساهم في إنهاء معاناتهم والتعافي من تعاطي المواد المخدرة.

وقال: في البداية اعتقدت بأن صديقي يكذب، إلا أنه وعندما بدأ في شرح كافة التفاصيل التي مر بها خلال رحلة العلاج، أيقنت بأنه يقول الحقيقة، حينها شعرت بالغيرة من نجاح أصدقائي وتعافيهم من هذا الوباء القاتل، الأمر الذي كان دافعاً لي للبحث عن طريق الشبكة العنكبوتية عن مكان يستطيع أن يمد يد العون لي وينتشلني من براثن التعاطي. وأضاف: تكللت رحلة البحث بعثوري على المركز الوطني للتأهيل، موضحاً بأنه أبلغ أسرته بأنه مدمن على التعاطي، وأنه سيذهب للمركز لتلقي العلاج.

وحول جهود المركز قال: وفر الأطباء والاختصاصيون، كافة سبل الدعم المادي والمعنوي، حيث عكس المركز حرفية عالية في التعامل مع مرضى الإدمان خلال فترة العلاج، وبعد انتهاء فترة العلاج بالحاق المرضى في برامج تأهيلية تساعدهم على حماية أنفسهم من الانتكاسة والعودة للمخدرات مرة أخرى.

طلاق والديه مهّد طريقه للتعاطي

قد يكون الطلاق حلاً لإنهاء الخلافات المتكرّرة بين الأزواج غير المنسجمين مع بعضهم البعض، لكنه بالتأكيد لن يكون نعيماً وراحة، كما يراه البعض، خصوصاً إذا كان بين هؤلاء الأزواج أبناء، وهذا ما تؤكده أحداث قصة (ج) الذي سلك طريق تعاطي المخدرات وأدمن على تعاطي «الامفيتامين»، عازياً السبب في ذلك إلى كثرة الضغوط النفسية التي مر بها في بداية حياته، بدءاً من طلاق والديه وكثرة القضايا والدعوى الأسرية التي تسابقا على رفعها كلٌ ضد الآخر، وصولاً إلى اهمالهما له طوال فترة المراهقة، ليتحول مع مرور الوقت إلى شاب عصبي وعدواني لا يستطيع السيطرة على سلوكياته أو التحكم بتصرفاته.

وقال: بعد دخولي عالم الإدمان، أصبحت إنساناً غير مكترث للخلافات التي تقع بين والديّ، فلم أكن أهتم بهما أو اصغي إلى نصائحهما، وكان أكثر شيء يهمني ويسيطر على تفكيري هو من أين سأحصل على المادة المخدرة وأين سأتعاطاها، ومع مرور الوقت بدأت العوارض النفسية والجسدية تظهر علي.

ويضيف (ج): بحسرة تمنيت لو كان بمقدوري أن أترك التعاطي ولكن لم استطع، فلم تكن لدي العزيمة والشجاعة على التوقف وقول (لا.. لن أتعاطى مرة أخرى هذه السموم)، الى أن جاء اليوم الذي تم فيه ضبطي برفقة 4 من أصدقائي في كمين أعده رجال مكافحة المخدرات، ويزج بنا جميعاً في السجن.

وتابع: لكونها السابقة الأولى ضدي، فقد صدر حكم بإيداعي في المركز الوطني للتأهيل لتلقي العلاج، فيما تم الزج بباقي رفقائي إلى السجن، لكونها المرة الثانية التي يتم فيها ضبطهم.

وأضاف (ج): بعد صدور أحكام السجن في حق رفقائي، بدأت في التفكير، كيف كانت ستكون حياتي، إذا كانت هذه هي السابقة الثانية أسوة برفقائي؟، وكيف كان سيكون مستقبلي وصورتي أمام أهلي وأقاربي؟، حينها أدركت بأن الله قد وهبني فرصة جديدة يتوجب علي أن أحسن استغلالها بالشكل الصحيح، وهو ما تجلى في دخول إلى المركز الوطني للتأهيل، واجتيازي لرحلة العلاج بنجاح.

وتابع: لم يتوان القائمون على المركز الوطني للتأهيل في تقديم كافة الخدمات العلاجية والنفسية، وذلك بما يتوافق مع حالتي الصحية والجسدية، وذلك لكون العلاج في المركز يمر بمراحل تختلف من مدمن إلى آخر، معرباً عن شكره وتقديره لجهود كافة العاملين فيه.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات