كلمة بمناسبة الجولة التفقدية لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله.
كالصقرِ بين أكابرِ الأعيانِ
يَمشي الهُوينى فارسُ الفرسان
بو راشدٍ شيخُ الرجالِ وسَيْفُهم
يَحنو على الإنسانِ والعِمران
يتفقّدُ (الوصلَ) الحبيبة بعدَ ما
قد مسّها من طارقِ الحَدَثانِ
خَطبٌ يَعُمُّ الأرضَ ينقضُ غزلَها
ويُصيبُ كلّ الكونِ بالدوران
لكنّ وجهَك يا دبيُّ مُرصّعٌ
بالعزّ والتمكينِ واللمعان
يا دُرّةَ الوطن المُفدّى كُلّنا
نمشي وراءَ مُعلّمِ الشجعان
نبني كما يبني الأوائلُ مَجْدَهم
ونصونُ عهدَ الصيدِ والفرسان
بإطلالته الواثقة ونَبرته المليئة بالأمل أطلّ علينا صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبيّ، رعاه الله، بتغريدةٍ جميلة تُلخص العزيمة الكاملة والتصميم القويّ والإرادة التي لا تلين في سبيل استئناف مسيرة الحياة، وصياغة معادلة جديدة لنموذج العيش بعد تلاشي شبح جائحة هذا الوباء (كورونا - كوفيد 19) الذي عطّل مسيرة الحياة الإنسانية، وتجسّد على شكل وخزة أخلاقية تذكّر الإنسان بأنّ هناك أقداراً أعلى من سمائه، وامتحانات لا ينفع معها إلا إجالة البصيرة واقتناص العبرة وتصحيح المسيرة نحو أفق جديد للحياة يستلهم أعمق دروسها، ويؤدي الواجب الأشرف في معادلة الوجود الإنساني تجاه جميع مسارات الحياة المادية والمعنوية.
في تغريدتِه المُشْبَعةِ بروح الثقة والأمل يستلهم صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد، أعمق معاني الحياة وأكثرها صدقاً وبساطة من خلال إيقاع الوجود الإنساني الذي يتلخّص في هذه الحركة الدائبة التي لا تنتهي عبر المسيرة الطويلة للتاريخ الإنساني، فكما أنّ هذه الحركة تكاد تكون أزلية سرمدية فكذلك هو إيقاع الحياة، وهو ما لخّصه صاحب السموّ بقوله: (علّمتني الحياة: أنّ الحياة لا تتوقف.... تنتهي مرحلة لتبدأ أخرى، وينقضي أمرٌ ليأتي آخر)، وإنّ أصدق الدروس وأكثرها نفعاً للعقل والوجدان هي دروس الحياة التي لا تعرف الزيف ولا الخديعة، وإنّ صاحب السموّ الذي اختبر الحياة بجميع مساراتها وذاق من حُلوها ومُرّها ما ذاق ليس من السهل أن تتغيّر نبرة الثقة والأمل في كلامه، فضلاً عن إشاعة روح الإيجابية والتجدد كثقافة عميقة التجذر في وعي الإنسان الإماراتي، وهي الثقافة التي تمّ من خلالها إنجاز مسيرة الوطن الزاهرة، وستظل هي صمّامَ الأمان لاستئناف المسيرة المُظفّرة ومواصلة وتيرة الإعمار والبناء واجتراح الإنجازات التي تشهد بحيوية القيادة والتعاون الرائع بينها وبين أبناء الوطن الذين يثقون بها ويستلهمون رؤاها ويسيرون خلفها بكل كفاءة وثقة واقتدار.
وإذا كانت حركة الحياة هي الإطار العام وربما الأعم لحركة الوجود الإنساني، فإنّ حركة الليل والنهار هي واحدة من الظواهر الطبيعية الأكثر خصوصية للدلالة على ديمومة الحركة وسرّ التجدد، لا بل إنّ حركة الليل والنهار هي الآية الكبرى التي لفت الله تعالى إليها نظر الإنسان لاستلهام العبرة وإظهار جوهر العبودية تسبيحاً وشكراً وقياماً بحق هذا الخالق العظيم، ففي هذه الخزانة السرمدية يتمّ إيداع حصيلة العمر، {وهو الذي جعل الليل والنهار خِلفةً لمن أراد أن يذّكّر أو أراد شكورًا} (الفرقان: 62)، فكما لا ييأس الإنسان ولا يشك في تعاقب هذه الحركة المبشّرة بالحياة صبيحة كل يوم، فكذلك هي الروح الممتلئة بالثقة والأمل لا يتسرّب إليها اليأس ولا يسكنها الخوف والقلق، بل تظل متسلحة بالأمل والثقة بأن القادم هو الأفضل، بإذن الله، وأنّ مهمة الإنسان الكبرى هي مواصلة الحياة وعدم الاستسلام وإلقاء سيف المقاومة، وهو ما يحرص صاحب السموّ على تجذيره كموقفٍ راسخٍ في ثقافة الإنسان، وممارسةٍ عمليةٍ لا تعرف النكوص عند منعطفات الحياة الكبرى وعواصفها الشديدة، وهذا هو العبءُ الأكبر الذي تتحمله القيادة في مواجهة الصعاب، ليظل سراج الأمل مُزهراً بالنور، وهو ما أكّده صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد في تغريدته حيث قال: (كما يتعاقبُ الليل والنهار تتعاقب الأحداث، وتتجدد الحياة، ويعود الإنسان دائماً لحركته التي أرادها الله) وكأن هذه الفكرة الصافية هي جوهر الاستلهام الصحيح لقوله تعالى: {اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره هو أنشاكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إنّ ربي قريبٌ مُجيب} (هود: 61)، أي: اتخذكم عُمّاراً لها، فهذا هو جوهر الوجود الإنساني ولا يمكن أن يتعطل هذا الدور الجوهري لظروفٍ عارضة حتى تنفذ المشيئة الإلهية ويستكمل الإنسان دوره المنوط به للقيام بحق العبودية ورسالة الإعمار والاستخلاف، وهو المغزى الذي اشتملت عليه تغريدة صاحب السموّ بتركيزه على فكرة تجدد الحياة وعودة الإنسان إلى حركته الطبيعية التي أرادها الخالق جلّ وعلا، كي يظل هذا الكوكب الفريد معموراً بالحركة وضجيج الحياة لأنّهما سرّ جماله وبهائه، وإلا فإنّ السكون والصمت هما نقيضا الحياة، وهما ما لا يمكن أن يكونا طبيعة لهذا الكوكب المعمور بالحياة والحيوية والنشاط.
ثمّ كانت هذه الخاتمة الرائعة الفيّاضة بالتفاؤل والرغبة في استئناف مسيرة الإعمار والبناء وبثّ روح العمل في مواجهة اليأس والخوف والقلق، مُلخِّصةً - بحسب عبارة صاحب السموّ - قَدَرَ الإنسان الذي (لا ييأس ولا يفتر بل ينطلق في إصرارٍ دائمٍ لصناعة الحياة)، فصناعة الحياة ليست من شأن اليائسين وفاتري الهِمَم بل هي من إنجاز الفرسان الصناديد المتسلحين بإرادة الحياة، والرغبة الصادقة في تقديم الأنفع والأصلح بل الأرقى من أنواع العطاء الذي يليق بهذا الإنسان المستخلف بكل طاقاته لإعمار هذا الكوكب الذي ينفرد من بين مليارات الكواكب والنجوم بصلاحيته لوجود إنسان عاقلٍ مفكر محتدم الرغبة في الاكتشاف والتطور والاستمتاع بنعمة العقل وروعة الحب والوجدان.
في كتابه الرائع (قصتي: خمسين قصةً في خمسين عاماً) يحكي لنا صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد قصةَ دبيّ مع الزمن، وكيف أنها كانت هاجسه وهاجس آبائه، وأن تكون دبي هي الوجهة ( DESTINTAION DUBAI) بحسب رؤية صاحب السموّ، وكيف أن تلك المسيرة الشاقة قد تكلّلت بالنجاح، وكيف أنّ كلمة (الناموس) هي المفتاح السحري الذي كان يحدو (دبيّ) الزاهرة، وسيظل يحدوها في ظل هذا العهد الزاهر الميمون الذي يقوده بشجاعة واقتدار صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد، رعاه الله، وعضيده ووليّ عهده سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، حفظه الله، يساندهما ويسير إلى جنبهما أروع كوكبة من رجالات الوطن وبناته الماجدات الذين يعرفون قيمة هذا الوطن، ويبذلون في سبيل مجده ورفعته كل غالٍ ونفيس.
سيدي صاحب السموّ: دمتُم نبراساً يضيء لنا الطريق، وقائداً جسوراً مِقداماً يقود وطنه إلى منازل العز والسيادة والتفوق والريادة، وستظل كلماتكم ومواقفكم حادياً ومرشداً وأهزوجةَ فرحٍ يترنم بها أبناء الوطن جيلاً بعد جيل، وكما كتب التاريخ أن (بغداد) هي من بناء أبي جعفر المنصور، فسيكتب كذلك وبمِداد النبل والوفاء أن (دُبيّ) هي مَنْ شيّدها وأعلى منارها صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، سليل المجد والشرف، والصائن لعهد آبائه وأجداده، وصاحب القلب الكبير الذي يتسع للوطن وللحياة وللإنسان.

