اقترح عدد من الخبراء تأسيس أول بنك زراعي في الإمارات وأول شركة زراعية مساهمة عامة ضمن التوجه الوطني الجديد للاعتماد على المنتج المحلي في توفير حاجات البلاد من المواد الغذائية.
وأكد الخبراء على ضرورة إعطاء اهتمام أكبر لقطاع الزراعة بعد أن وفرت آلاف المزارع الإماراتية خاصة البلاستيكية والعضوية احتياجات السوق المحلي خلال الفترة الماضية من أنواع كثيرة من الخضراوات. وتتواجد في الإمارات اليوم أكثر من 38 ألف مزرعة تنتشر في أبوظبي والعين ورأس الخيمة والفجيرة وتدفع بمنتجاتها للسوق المحلي وعدد من الأسواق الخارجية.
وأثبت وباء فيروس كورونا كوفيد 19 وتداعياته الأهمية الكبيرة لقطاع الزراعة، باعتباره من أهم القطاعات الاقتصادية التي ينبغي أن توجه لها استثمارات أكبر لتحقيق منظومة الأمن الغذائي.
وتكشف أحدث الإحصاءات الصادرة عن مصرف الإمارات المركزي (نشرة البيانات المصرفية فبراير 2020) عن أن التمويلات التي وجهتها البنوك للقطاع الزراعي سجلت بنهاية ديسمبر الماضي أدنى معدلاتها خلال السنوات الخمس الماضية (2015 ـ 2019) حيث بلغت ملياراً و52 مليون درهم0
بينما سجلت في ديسمبر 2015 نحو مليار و559 مليون درهم، وشهدت هذه التمويلات أعلى ارتفاعاتها بنهاية ديسمبر 2017 حيث بلغت 2.127 مليار درهم، إلا أنها تراجعت في ديسمبر 2018 لتصل إلى مليار و984 مليون درهم وتواصل التراجع لعام 2019 حيث تقلصت التمويلات بنحو 932 مليون درهم ونسبة 47 %.
وتكشف الإحصاءات عن ضآلة التمويلات الموجهة لقطاع الزراعة ضمن القطاع ات الاثني عشر التي تتوجه إليها التمويلات المصرفية، ويعد قطاع الزراعة القطاع الأقل حظاً في التمويلات حيث لم تتجاوز حصته من تمويلات عام 2017 وهو أفضل أعوام تمويلاته 0.14% من إجمالي حجم التمويلات المصرفية البالغ تريليوناً و452 ملياراً و696 مليون درهم، وشكلت حصته من تمويلات عام 2019 البالغة تريليوناً و593 ملياراً و847 مليون درهم نحو 0.6% أي أقل من نصف تمويلات عام 2017.
مشكلة التأمين

ويرى الدكتور محمد بدوي أستاذ الزراعة مدير مصنع العين للأسمدة البيولوجية أن غالبية البنوك عزفت خلال العامين الماضيين عن تمويلات المشاريع الزراعية باعتبارها من المشاريع ذات الخطورة العالية، علماً أن هناك تمويلات قليلة تمت لكن بعد دراسات جدوى تتطلب تحديد مقومات نجاح المشروع.
ويشير إلى أن المشاريع الزراعية لا تواجه مشكلة حقيقية في التمويل فقط بل هناك مشكلات تتعلق بالتأمين، حيث إن غالبية شركات التأمين لا توافق على التأمين عليها لنفس السبب وهو خطورة استثماراتها، وهذا الوضع ليس في دولة الإمارات فقط بل موجود في دول عديدة وتغلبت هذه الدول على هذه المشكلات بإنشاء بنوك للتسليف الزراعي بحيث يتولى تلبية كافة متطلبات المشاريع الزراعية باعتبارها مشاريع استراتيجية.
وينوه الدكتور بدوي إلى أن وباء فيروس كورونا كشف عن حقائق كثيرة ومهمة أولها ضرورة أن يكون لكل دولة منتجات زراعية أساسية تزرعها بنفسها سواء داخل هذه الدولة أو في دول أخرى ويعاد تصدير هذه المنتجات لها.
والبنوك قد يكون لها الحق في عدم تمويل المشاريع الزراعية خاصة أنها بنوك تجارية تستهدف المشاريع ذات العائد السريع غير المشاريع الزراعية التي تحتاج فترة أطول، كما أنها قد تواجه تحديات أخرى تتعلق بالطقس وخلافه مما يحتم أن يكون للدولة دور كبير في دعم هذا القطاع عن طريق إنشاء بنك متخصص.
ويلفت إلى أن قطاع الزراعة في الإمارات رغم التحديات الطبيعية التي تواجهه إلا أنه قطاع واعد، مشيراً إلى أن صندوق خليفة لتطوير المشاريع دعم مشاريع للبيوت البلاستيكية ولاقت نجاحاً كبيراً وسدت جزءاً من احتياجات خلال الأيام الماضية.
رؤية زايد
ووفقاً لأحدث إحصاءات وزارة التغير المناخي والبيئة فإن الرقعة الزراعية في دولة الإمارات شهدت توسعات جيدة خلال السنوات الماضية، وأثمرت فلسفة المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بتحويل الصحراء إلى جنان خضراء الكثير، حيث تم استصلاح 723 ألفاً و737 هكتاراً من الأرض الجرداء، منها أكثر من 300 ألف هكتار مشاريع غابات.
كما ارتفع عدد المزارع من 4940 مزرعة في عام 1973 إلى أكثر من 38 ألف مزرعة مع نهاية 2017 تتبع أساليب الزراعة المستدامة، سواء الزراعة المائية أو الرأسية أو العضوية، وزادت المساحة الزراعية من 125 ألفاً في 1973، لتصل بنهاية 2017 إلى أكثر من 500 ألف دونم، الأمر الذي حقق نتائج كبيرة.
وعلى سبيل المثال في 2017 زاد إنتاج الدولة من الخضراوات على 226 ألف طن، ومن الفاكهة على 125 ألفاً، بينما المحاصيل الحقلية فقد زاد الإنتاج على 645 ألف طن، حيث يغطي إجمالي الإنتاج الزراعي المحلي من الخضراوات حالياً نسبة تتجاوز 20 % من إجمالي احتياجات السوق، وتصل النسبة في بعض المحاصيل مثل الخيار إلى أكثر من 80 %.
كما تضم الرقعة الزراعية في الإمارات 687 هكتاراً مزارع عضوية تنتج أكثر من 60 صنفاً من الخضراوات، كما تعد الإمارات الدول العربية الثالثة في إنتاج التمور بعد السعودية ومصر، وتضم أكثر من 42 مليون نخلة.
شركة زراعية

يؤكد نجيب الشامسي الخبير الاقتصادي، المدير العام لشركة المسار للدراسات الاقتصادية، أن قطاع الزراعة واحد من أهم القطاعات الاقتصادية لكنه لا ينال الاهتمام الكافي على الرغم من تواجد أرض خصبة للزراعة خاصة في رأس الخيمة والفجيرة والعين، ولدينا منتجات مثل الفراولة يتم تصديرها وغالبية المزارع في الإمارات تنتج فواكه وخضراوات مثل الخس والخيار والطماطم والجرجير والملفوف وغيرها.
ويشير إلى أن غالبية مزارع الإمارات تكون مزارع منتجة أيام الشتاء بشكل خاص بسبب وفرة المياه، لكن في شهور الصيف تعاني تلك المزارع فضلاً عن أن أراضينا الزراعية لا تتحمل زراعات أصناف معينة من الحبوب مثل القمح وقد حاولت مزارع في العين خلال السنوات الماضية زراعته إلا أنها لم توفق في ذلك.
ويرى أن القطا ع الزراعي يواجه صعوبة حقيقية في التمويلات خاصة أن معظم من يبحثون عن هذه التمويلات أفراد مواطنون وليست شركات زراعية محترفة مما يجعل البنوك مترددة في توجيه تمويلات أكبر لهم.
ويشدد الشامسي إلى أن القطاع الزراعي بحاجة إلى إنشاء شركة مساهمة أو هيئة على المستوى الاتحادي تتولى حصر كافة المناطق والمساحات الصالحة للزراعة، وأن تحدد لها خطة زراعية سنوية وفقا لمتطلبات واحتياجات الإمارات المعيشية، وأن تحدد نوعية المحاصيل والخضراوات .
وأن تتولى الرقابة عليها لأن بعض أصحاب المزارع المواطنين استغلوا سابقاً الدعم الذي كانت توجه إمارة أبوظبي للمزارع وزرعوا خضراوات وفواكه بكميات أسمدة وكيماويات مرتفعة جداً ما أدى إلى رداءة المنتج وخطورته على صحة المواطنين والمقيمين مما دفع أبوظبي لوقف هذا الدعم في فترات سابقاً، كما تتولى هذه الشركة أو الهيئة توفر الدعم المطلوب للمزارعين.
ويشدد الشامسي على ضرورة أن تتولى هذه الهيئة الإشراف على تأسيس بنك للتسليف الزراعي، وبلا شك فإن هذه الهيئة سيكون لها دور كبير في ضخ استثمارات أكبر في قطاع الزراعة في الداخل وتوجيه جزء آخر للاستثمار الزراعي في الخارج.
محفظة زراعية

ويشدد أحمد يوسف الخبير المالي على أن فكرة تأسيس البنك الزراعي أو تأسيس محفظة زراعية في أحد البنوك الوطنية الكبرى ممتازة جداً وستدفع الاستثمار الزراعي في الداخل للأمام بقوة، مشيراً إلى أن البنوك العاملة في الإمارات هي بنوك تجارية تسعى إلى تحقيق الربح السريع المضمون، لذلك نراها تسارع في تمويل العقارات السكنية حيث إن العقار له دخل سنوي يمكن المقترض من سداد القروض بشكل ميسر.
كما أن إدارات الائتمان بالبنوك لا يتوفر بها موظفون متخصصون في المشاريع الزراعية كما أن تمويلات المشاريع الزراعية عرضة للخطر ولذلك لا نرى البنوك التجارية تقبل على تمويلها، وهذا ليس في الإمارات بل في غالبية دول العالم. وقد اتجهت هذه الدول إلى تأسيس بنوك زراعية وهيئات زراعية للإشراف والرقابة على هذا القطاع الحيوي.
ويرى أحمد يوسف أنه إذا تعذر تأسيس بنك زراعي فيمكن للحكومة تكليف أحد البنوك الوطنية بتخصيص محفظة لأصحاب المشاريع الصغيرة أسوة بتخصيص مصرف الإمارات للتنمية محفظة لأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وأن تعمل الحكومة على تأسيس شركات زراعية محترفة تتخصص في الزراعة الأفضل داخلياً وتستثمر في الخارج بما يلبي احتياجات الإمارات.
