عندما وسّعت دولة الإمارات من حدود إجراءاتها وتدابيرها الوقائية والاحترازية لمواجهة فيروس «كورونا»، وقيدت الحركة والتنقل في أوقات برنامج التعقيم الوطني، وأقرت سياسة التباعد الاجتماعي، ونظام العمل عن بُعد في الدوائر الحكومية، توقع الكثيرون أن البقاء في المنزل سيشعل فتيل الخلافات الزوجية، وراهنوا على ارتفاع عدد حالات الطلاق، نتيجة الاحتكاك الدائم والمباشر ما بين الأزواج خلال وجودهم مع بعضهم البعض تحت سقف واحد، خلال هذه الفترة، التي يتعرض فيها كل طرف إلى ضغط نفسي وقلق وتوتر، تأثراً بتداعيات فيروس «كورونا»، لكن سجلات قسم التوجيه والإصلاح الأسري في محاكم دبي، تظهر أن ثمة عوامل وظروفاً متعددة، أجبرت بعض الأزواج على تقبل الواقع، وعدم الإصرار على طلب الطلاق، ودفعت البعض الآخر إلى إغلاق الملفات التي فتحوها في وقت سابق، أو تأجيل موعد النظر فيها، أبرزها «كورونا».
هذا الفيروس، الذي فرد أجنحته الثقيلة على كل مناحي الحياة، أسهم، رغم بشاعته وخطورته، في تحقيق نسبة صلح في الخلافات الزوجية بنسبة 40 %، من مجمل الملفات التي تم فتحها في قسم التوجيه والإصلاح الأسري بعد تفشي الجائحة، وصدور تعليمات الجهات المختصة بأهمية البقاء في البيت، وعدم الاختلاط بالآخرين، والالتزام بضبط إيقاع الحركة أثناء صيرورة العمل في برنامج التعقيم الوطني، وهذا ما أكده لـ «البيان»، أحمد عبد الكريم رئيس قسم التوجيه والإصلاح الأسري في محاكم دبي، الذي أوضح أن الصلح يشمل 3 أوجه، الأول إغلاق الملف نهائياً، أو طلب مهلة للتفكير قبل تدخل المحكمة، والثالث هو تأجيل النظر في الملف، أي ما بعد انتهاء جائحة «كورونا»، وعودة الحياة إلى طبيعتها.
ولفت إلى أن الظروف التي فرضها الفيروس على المجتمع، حققت انخفاضاً حاداً في عدد ملفات الخلافات الزوجية التي يتم فتحها يومياً في القسم، بصورة لم يشهدها القسم من قبل، وهي سابقة تاريخية منذ نشأته، بواقع حالتين إلى 4 بدلاً من 30-50 حالة قبل «الكورونا».
اللجوء إلى المحاكم
وأوضح أن لجوء الأزواج إلى المحاكم عند ظهور أي خلاف بينهم، هو ما كان يرفع عدد الملفات المفتوحة في قسم التوجيه الأسري والإصلاح، وهو الأمر الذي يتعذر حدوثه الآن، في ظل العمل عن بعد، وعدم الموافقة على فتح ملف إلا من خلال الموقع الإلكتروني، والحصول على موعدٍ مسبقٍ في غضون شهر من التسجيل، ما يسهم في تهدئة الخواطر، ومنح المتخاصمين فرصة لحل خلافاتهم، دون الحاجة للتوجه إلى المحاكم.
وقال: «قولاً واحداً، لا أحد منا يرغب في بقاء الحال على ما هو عليه من تقييد للحركة، وتباعد جسدي، وإغلاق للمرافق العامة والمراكز التجارية، وتقييد حركة السفر وغيرها، لكن ما لا نرغب في إخفائه، هو أن الإجراءات والقيود التي فرضها تفشي فيروس «كورونا»، قدمت تشخيصاً حقيقياً لواقع الحياة الزوجية، ودورة تدريبية عملية حول كيفية تقييم الخلافات، وأسبابها، وطريقة التعاطي معها، وحلها من أساسها، مثلما أظهرت، بما لا يدع مساحة للشك، قيمة هذه الدنيا، ومعنى الخوف من الله واتقائه في معاملاتنا وسلوكياتنا وواجباتنا تجاه الآخرين، وأن السعادة الحقيقية في الهدوء والسلام، ومخافة الله في كل تصرفاتنا ومعاملاتنا، وداخل أسوار المنزل، مع الزوجة والأبناء».
وأضاف: «غالبية الخلافات الزوجية قبل «كورونا»، كانت تدور حول الإهمال والتحدي والعناد بين الزوجين، والغياب الطويل لأحدهما عن المنزل، بداعي العمل، أو السفر، أو التسوق، أو الوجود مع الأصدقاء، أو إهمال كل طرف لاحتياجات الطرف الآخر والأبناء، لكن وجود الطرفين الآن في المنزل، حد من ظهور مثل هذه السلوكيات، وأثبت لكل طرف، أن الحل صناعة محلية داخل المنزل، وليس في المحاكم، ولا بتدخل الأهل والأصدقاء، الذين غالباً ما يكون سلبياً ومدمراً».
فرصة
وتابع رئيس قسم الإصلاح والتوجيه الأسري: ««كورونا»، بكل قبحه ومأساويته، فرصة لكل زوج أو زوجة، أن يثبت لنفسه أنه صاحب فكر ومنطق، ويراجع نفسه وعلاقته مع الطرف الآخر، ويكف عن التوجه إلى المحاكم لأتفه الأسباب، لأن غالبية الخلافات الواردة إلى قسم الإصلاح الأسري والتوجيه، تافهة وبسيطة، يمكن حلها في المنزل بين الزوجين وحدهما، مع التأكيد أنني لا أمانع من التوجه إلى المحاكم في بعض الحالات، خصوصاً الحرجة منها والمعقدة، التي تحتاج إلى تدخل من الموجهين، وربما من القضاة».
