لعقود طويلة ومن جيل إلى آخر، حرصت العائلة الريفية التي تسكن إحدى قرى الصين البعيدة، وتمتلك مساحات واسعة من الأراضي الزراعية على زيادة إنتاجية أراضيها، وتنوع وصحة محاصيلها، وشهدت أجيال من العائلة تطور أدوات الزراعة والري، مروراً بأكثرها بدائية إلى أكثرها حداثة واستخداماً للتكنولوجيا، ومع التغيرات البيئية التي تشهدها مناطق كثيرة من العالم، زادت التحديات أمام العائلة، فاضطراب الطقس من جهة، وظهور آفات زراعية دخيلة من جهة أخرى، وهجرة الأيادي العاملة من القرى إلى المدن الكبيرة، أثرت بشكل سلبي على مصدر رزق العائلة، وسلة غذاء عدد كبير من سكان المناطق المحيطة بها.
وكما أدركت العائلة حجم وصعوبة التحديات التي تواجهها، أدركت أيضاً أن التطورات التكنولوجية المتلاحقة ستقدم حلولاً ذكية لهذه التحديات، وتحولها إلى فرص، وتأكدت من ذلك عندما قام أحد مهندسي الكمبيوتر الشباب من سكان المنطقة، بتطوير أدوات ما يعرف بـ«الزراعة الدقيقة» باستخدام طائرات ذاتية القيادة، تقوم هذه الطائرات بمهام زراعية كبيرة، كمكافحة الآفات ومراقبة التربة والمحاصيل، في زمن قياسي، مقارنة بأسابيع طويلة من العمل اليدوي الشاق، كما تقوم هذه الطائرات بجمع البيانات الزراعية الذكية، ومساعدة المزارعين على توقع احتياجات أراضيهم، والتنبؤ بالتغيرات والتعامل معها.
مفهوم الزراعة الذكية
تقدم منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) تعريفاً لمفهوم الزراعة الذكية يرتبط بالتغير المناخي، وتطلق عليه «الزراعة الذكية مناخياً»، والمقصود بها توظيف الأدوات التكنولوجية لتحويل وإعادة توجيه النظم الزراعية لدعم التنمية بصورة فعالة وضمان الأمن الغذائي في وجود مناخ متغير، من خلال الاعتماد على نظم إدارة وتحليل البيانات لاتخاذ أفضل قرارات الإنتاج الممكنة، بأقل التكاليف، وكذلك ربطها عبر الإنترنت بأجهزة ذكية في متناول الجميع كالهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر الشخصية التي يسهل استخدامها في أي مكان، وتمكن المزارعين من الحصول على خرائط تفصيلية للأراضي الزراعية، مزودة ببيانات دقيقة حول الطقس، وغيرها من المتغيرات.
فكما أدركت الحكومات جيداً ما تقدمه التطورات التكنولوجية المتلاحقة من فرص عديدة لتسهيل الخدمات والتواصل، والارتقاء بصحة البشر، وتعزيز فرص التعليم، تأتي هذه التكنولوجيا بتقنيات الزراعة الدقيقة والذكية، لتقدم حلولاً للتحديات، تتجاوز معها معوقات زيادة الإنتاجية الزراعية، لتلبية احتياجات ملايين من البشر في تزايد كل يوم. فمن المرجح أن يصل عدد سكان العالم إلى 10 مليارات نسمة بحلول العام 2050، ومع هذه الزيادة سيرتفع الطلب العالمي على المنتجات الزراعية بنسبة 50% مقارنة بالمستويات الحالية.
واستعداداً للتعامل مع التحدي القادم إلى العالم خلال سنوات، تتعاون حكومة الإمارات على مستويات إقليمية ودولية لتوظيف التكنولوجيا المتقدمة لتحقيق استدامة الإنتاج الغذائي. وتطرح تساؤل «كيف ستطعم التكنولوجيا البشرية؟» على الأجندة المشتركة لحكومة دولة الإمارات ومجالس المستقبل العالمية التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي، والتي تستضيف دبي اجتماعاتها السنوية على مدار يومين في 3-4 نوفمبر 2019، بمشاركة أكثر من 700 مستشرف وعالم وخبير ومسؤول ورائد أعمال، في 41 مجلساً متخصصاً.
«تحدي تكنولوجيا الغذاء العالمي»
وفي خطوات استباقية للإجابة عن تساؤل «كيف ستطعم التكنولوجيا البشرية؟» أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، «تحدي تكنولوجيا الغذاء» والذي يعد الأكبر من نوعه عالمياً، ويهدف إلى تشجيع المبتكرين في هذا المجال على تطوير حلول ذكية لإنتاج وإدارة الغذاء في الدولة وعالمياً، وتوظيف التكنولوجيا المتقدمة في إيجاد أدوات وتقنيات تتميز بالكفاءة والفعالية للتغلب على تحديات القطاع الزراعي، بما يحقق استدامة الإنتاج الغذائي في دولة الإمارات لتكون مركزاَ عالمياَ رائداَ للأمن الغذائي.
يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: «إن تحدي تكنولوجيا الغذاء سيفتح أفقاً لتعاون إقليمي وعالمي لخلق رؤية موحدة تجاه الأمن الغذائي العالمي».
يتوافق «تحدي تكنولوجيا الغذاء العالمي» مع مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي التي أطلقتها حكومة الإمارات في 2018، والتي تهدف إلى تطوير منظومة وطنية شاملة تقوم على أسس تمكين إنتاج الغذاء المستدام.
الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي
هذا وكانت حكومة دولة الإمارات قد أطلقت الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي ضمن الدورة الثانية من الاجتماعات السنوية لحكومة دولة الإمارات 2018. وتهدف الاستراتيجية إلى تطوير منظومة وطنية شاملة تقوم على أسس تمكين إنتاج الغذاء المستدام. تتضمن الاستراتيجية 38 مبادرة رئيسة قصيرة وطويلة المدى، ضمن رؤية عام 2051، وأجندة عمل لعام 2021، وتعمل من خلال عدة توجهات استراتيجية تركز على تسهيل تجارة الغذاء العالمية، وتنويع مصادر استيراد الغذاء، وتحديد خطط توريد بديلة.
استراتيجية
من بين الأهداف التي تسعى الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي لتحقيقها أن تكون دولة الإمارات الأفضل عالمياً في مؤشر الأمن الغذائي العالمي بحلول عام 2051، وضمن أفضل 10 دول بحلول عام 2021، إلى جانب تطوير إنتاج محلي مستدام، وتوظيف التقنيات الذكية في إنتاج الغذاء، وتفعيل المبادرات لتعزيز قدرات البحث والتطوير في مجال الغذاء، والحد من فقد وهدر الغذاء من خلال تطوير منظومة متكاملة لخفض نفايات الطعام ضمن سلاسل التوريد، وضمان سلامة الغذاء وتحسين نظم التغذية.