بين الحين والآخر يطالعنا صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبيّ، رعاه الله، بقلمه الناصح الأمين بجملة من التعاليم التي تضبط الإيقاع، وتشير إلى سواء السبيل انطلاقاً من مسؤولياته الكبرى في توجيه الروح العامة للشعب، وتسديد مسيرته نحو الأفضل، وترسيخاً لنهج الحكم الرشيد الذي أخذ على نفسه أسلوبَ المصارحة والشفافية في نقد المسيرة وتوجيهها نحو أهدافها الكبرى بكل ثقة واقتدار، ولعلّ القارئ الكريم يتذكر المبادئ الثمانية التي جعلها صاحب السموّ خريطة عمل لدبيّ كي تواصل مسيرتها الواثقة نحو مزيد من العطاء والألق والإنجاز.

يكتب صاحب السموّ على صفحتيه الجليلتين في «إنستغرام» و«تويتر» مجموعة من التعاليم الأخلاقية الضابطة لإيقاع الشخصية الإماراتية كنموذجٍ يُحتذى ونمطٍ متفردٍ له قدواته الإنسانية وقياداته الاجتماعية والسياسية التي رسّخت نمطاً متميزاً من السلوك الفريد للإنسان الإماراتي ضمن مدوّنة متفق عليها بين الحاكم والشعب، ظلت وما زالت هي الهادي الذي يقود هذه البلاد نحو مكانتها الحضارية اللائقة بها، حيث لاحظ صاحب السموّ أن هناك انحرافاً في أفق الرؤية بخصوص ما يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي ممّا لا ينسجم مع المبادئ الراسخة في ثقافة الشعب الإماراتي الأصيل، فجاءت هذه الوصايا الثمينة في عشر نقاط هي أشبه شيءٍ بعقد من اللؤلؤ الفريد الذي تنتظم حباته في صورة جميلة وعميقة التأثير والإيحاء، حيث جاءت بلغةٍ تجمع بين الحزم والثقة والتوجيه المسؤول، وتحدّد المعالم الدقيقة للشخصية الإماراتية كما هي في نظر صاحب السموّ:

1- شخصية تمثّل صورة زايد وأخلاق زايد في تفاعلها مع الناس. وحين يكون زايد هو النموذج القدوة فهذا يعني أن صاحب السموّ يتكلم عن شخصية قد وقع الإجماع على فضائلها وحكمتها وعمق نظرها وسداد بصيرتها، فقد كان زايد باختصار حكيم العرب وشيخ الرأي فيهم عن كفاءة وخبرة واقتدار، وما وصلت قضية إلى المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، إلا وكان النجاح حليفها، وخرجت النفوس في غاية الرضا والسرور بسبب أخلاقه العالية التي يشهد بها الزمان والإنسان، وحسبي أن أنقل هنا عبارة صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد في وصف المكانة الفريدة للشيخ زايد حين قال: «علمنا زايد كيف يمكن أن يبقى الإنسان حيّاً في القلوب والعقول، علّمنا زايد كيف يمكن أن يبقى الإنسان عالياً في الحياة وفي الممات».

2- شخصية تعكس الاطّلاع والثقافة والمستوى المتحضر الذي وصلته الإمارات. وهذا واجب أخلاقي لا انفكاك منه، فقد بلغت بلادنا مستوى حضارياً متميزاً يحتّم علينا صيانته وتقديم الصورة اللائقة المنسجمة مع المستوى الحضاري والثقافي الرفيع الذي وصلت إليه بلادنا، حيث أصبحت مهوى الأفئدة والقوى والطاقات العلمية والفكرية والثقافية، وتشهد أروقتها الثقافية ومؤسساتها التعليمية نهضة علمية يغبطنا عليها الآخرون، فأصبح واجباً علينا مواصلة المسيرة بتقديم النموذج الأرقى الذي يعكس نبض بلادنا وتَوْقَها نحو التقدم والكمال.

3- شخصية تبتعد عن السباب والشتائم وكل ما يخدش الحياء في الحديث. وهذا مقتضى الشعور الأخلاقي بالحياة فكيف يليق بأبناء شعب تربّى على يدي الشيخ زايد الرجل الحكيم العفيف أن يصدر عنهم ما لا يليق من الألفاظ التي تأباها الشريعة وتستنكرها المنظومة الأخلاقية الفاضلة، فالأدب والتهذيب هما أحد مظاهر القوة الأخلاقية للشعب، وهما المِرآة الصادقة الصحيحة التي تعكس ذوقه وفضائله واحترامه لنفسه ولقيمه وأخلاقه.

4- شخصية علمية تستخدم الحجة والمنطق في الحوار، وهذا هو الذي يليق بالإنسان المثقف المتحضر الذي يبتعد عن التفكير الغوغائي والنزوات العاطفية في الحديث عن الذات، فالثقة بالنفس تنعكس من خلال النبرة الهادئة الواثقة المدعّمة بالحجة والدليل وليس من خلال الصراخ والصوت الفارغ.

5- شخصية تُقدر الكلمة الطيبة، والصورة الجميلة، والتفاعل الإيجابي مع الأفكار والثقافات والمجتمعات: وهذه الوصية لتنمية الإحساس الوجداني لدى الإنسان الذي يستمتع بالجمال ويتذوق المنجز الحضاري للإنسانية، ويخرج من القوقعة الذاتية المتعصبة، فالشعور بالجمال والانفتاح على الثقافات الأخرى هو جزء من التركيب العقلي للإنسانِ الحديث الذي لم يعد يقبل التفكير من خلال الرؤية المغلقة التي تظن أن العالم لا يستمع إلا إلى صوتها الأوحد في الحياة.

6- شخصية نافعة للآخرين بالمعلومة، وناشرة للأفكار والمبادرات المجتمعية والإنسانية التي يزخر بها الوطن: وهذه الوصية توجيهٌ رصين للطاقات الفاعلة كي تستثمر مِنصّات التواصل الاجتماعي في نشر ما ينفع الناس، فالقائد الشجاع لا يريد لشعبه أن يكون صامتاً أمام إيقاع الحياة بل يريده مبادراً فاعلاً وتكون طاقته إيجابية وليس مكبوت العواطف والمشاعر، فالفرق كبير بين ترشيد المواقف وبين كبتها ومحاصرتها.

7- شخصية مندمجة مع محيطها العالمي، تتحدث لغته، وتتناول قضاياه وتتفاعل إيجابياً مع مستقبله: لأن هذه هي الوسيلة الفاعلة في إنضاج الرؤية الحضارية للمجتمع من خلال تنمية الخبرة بواقع الحياة وثقافة العصر وطبيعة مشكلاته وأسئلته، فالعالم الحديث مفتوح الأبواب والنوافذ مُشرعةٌ لا يجدي معها إغلاق العينين وعدم التفاعل مع ثقافة العصر.

8- شخصية واثقةٌ من نفسها تتقبل الاختلاف وتبني جسوراً مع غيرها من الشعوب: وهذا لا يتيسر إلا إذا اتسع أفق الرؤية لدى الإنسان وهو ما تكفلت الوصايا السابقة بالإرشاد إليه، فالشخصية الواثقة بنفسها هي التي تستطيع التأثير والإفادة من الآخرين، وتنظر إلى الاختلاف كجزءٍ من الطبيعة البشرية، وأنّ الله تعالى خلق الناس مختلفين كي يتعارفوا، وتنشأ بينهم علاقات التعاون وخلق الفرص للتلاقح الحضاري والإسهام الشامل في تقدم البشرية.

9- شخصية تعكس تواضع الإماراتي وطيبته ومحبته للآخرين وانفتاحه على بقية الشعوب: والتواضع المطلوب هنا هو تواضع الإنسان العارف بقيمة قدره، فهو يتواضع عن علم ومعرفة وحُسن أخلاق، وهذه شيمة نادرة ربما تميّز بها إنسان هذا الوطن الغالي، وكيف لا تترسخ هذه القيمة الإنسانية الرائعة في شخصيته وهو يرى قياداته تمارس التواضع أسلوب حياة يومياً، يلمسونه كل يوم في جميع المؤسسات والأمكنة، فالتواضع أخلاقية عامة للشعب تزداد رسوخاً حين تحرص القيادة على ممارستها وتقديرها ولفت الأنظار إليها.

10- شخصية تعشق وطنها، وتفتخر به، وتضحي من أجله.. وهذه هي الثمرة الكبرى لكل المناقب السابقة، فلا قيمة للأخلاق إذا لم تُثمر محبة الوطن وعشق الصلاة في محرابه، وكيف لا يفتخر الإنسان بهذا الوطن الذي هو قسيم الروح، فإذا وصل الإنسان إلى لحظتي العشق والفخر كانت التضحية هي القربان الذي يقدمه الإنسان لوطنه الغالي الجليل.

سيدي صاحب السموّ.. ستظل تعاليمكم الثمينة العالية نبراساً يضيء الطريق، وسراجاً يأخذ بأيدي السائرين على طريق البناء والتعمير. دمتم ودام فِكركم النيّر ونظركم السديد الذي يلهمنا أعمق معاني الحب والوفاء لهذا الوطن العزيز.