صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، كثير التأمل، عميق التفكير، كثير الحكمة، كثير التفاؤل.
وإنه إذا أراد أن يتخذ قراراً، أو يخطو خطوة، أصدره بعيداً عن العاطفة، يملك نفسه عند الغضب، يقدر على تغليب التأني على العجلة، وهو كما عرفته، صخرة الوادي التي عناها المتنبي لمّا قال:
أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمتْ
وإذا نطقتُ فإنني الجــــوزاء
إن شخصية الشيخ محمد بن راشد، شخصية استثنائية في الأقوال والأفعال والأزمنة والأمكنة.
إنه ليس حاكماً فقط، ولا شاعراً فقط، ولا رياضياً فقط، ولا عسكرياً فقط، ولا رجل اقتصاد فقط، بل مهندس كل هذه الصفات الخـَلقية والخـُلقية.
لذلك، فإنه الأقرب إلى لقب الفيلسوف، وعند ذلك ينبغي أن يصنف ضمن عباقرة القول والفعل والفكر، أمثال: سقراط وأفلاطون وابن خلدون، وهناك الكثير من أوجه الشبه بينه وبين هؤلاء.
فسقراط كان يقسم الإنسان إلى رأس وقلب وبطن، الرأس وفيه العقل، وفضيلته هي الحكمة، والقلب وفيه العاطفة، وفضيلته هي الشجاعة، والبطن وفيه الشهوات، وفضيلته هي الاعتدال.
وسقراط عندما تحدث في كتابه عن العادل، وصف العادل بالحكيم والصالح، في حين أنه وصف المتعدي بالشرير والجاهل، ومن واجب الدولة، عند سقراط، أن تعلّم الأفراد حب العدالة.
وفي نظر سقراط، أن واجب الدولة أن تُربي قادتـَها على العلم والفضيلة، وأن يتم اختيارهم في سن مبكرة، وفي النهاية، يرى أن الذي يحكم هم رجال الحكمة والمعرفة والعلم.
أقول: ومن هذا المنطلق، يطالعنا الشيخ محمد بن راشد بين فترة وفترة، بحزمات من مثل هذه الحكم والفلسفات التي تبني العقول وتنمّي الفضيلة، لا يطالبنا بها مباشرة، بل بطريقة جدّ لبقة وجدّ ذكية، يربطها بشخصية قيادية أحببناها بالأمس، ونحبها اليوم، ونظل نحبها غداً إلى يوم يقوم الحساب.
فمرة يبتكر الشيخ محمد بن راشد، عام زايد، ومرة عام التسامح، ومرة أخرى شخصية زايد المميزة، كما هي في هذه المرة، وقد وضع عشر مميزات، يجب أن تكون هي مميزات الشخصية الإماراتية على وسائل التواصل الاجتماعي اليوم، ثم عدّدها سموه قائلاً:
Ⅶ شخصية تمثل صورة زايد وأخلاق زايد في تفاعلها مع الناس.
Ⅶ شخصية تعكس الاطلاع والثقافة والمستوى المتحضر الذي وصلته الإمارات.
Ⅶ شخصية تبتعد عن السباب والشتائم، وكل ما يخدش الحياء في الحديث.
Ⅶ شخصية علمية تستخدم الحجة والمنطق في الحوار.
Ⅶ شخصية تقدر الكلمة الطيبة والصورة الجميلة والتفاعل الإيجابي مع الأفكار والثقافات والمجتمعات.
Ⅶ شخصية نافعة للآخرين بالمعلومة، وناشرة للأفكار والمبادرات المجتمعية والإنسانية التي يزخر بها الوطن.
Ⅶ شخصية مندمجة مع محيطها العالمي، تتحدث لغته، وتتناول قضاياه، وتتفاعل إيجابياً مع مستقبله.
Ⅶ شخصية واثقة من نفسها، تتقبل الاختلاف، وتبني جسوراً مع غيرها من الشعوب.
Ⅶ شخصية تعكس تواضع الإماراتي وطيبته ومحبته للآخرين، وانفتاحه على بقية الشعوب.
Ⅶ شخصية تعشق وطنها، وتفتخر به، وتضحي من أجله.
إذن، همّ الفيلسوف الإماراتي الكبير، أن يقيم مدينة فاضلة، تتحلى بأخلاق شخصية، رحّب بها الماضي لنزاهتها، وصفّق لها الحاضر لإخلاصها، ويظل يصفّق له المستقبل لمثاليتها.
إن المغفور له، الشيخ زايد، في نظر محمد بن راشد، هو الغائب الحاضر، أو هو المغيّب بجسمه، والمخلّد بأفعاله وأقواله، فزايد كان مدينة الأخلاق الفاضلة، وهو الذي أقام عدالة اجتماعية باقية، عندما ضمن للصغير والكبير، والرجل والمرأة، والسليم والسقيم، والمواطن والمقيم حقه من الحياة الإنسانية الكريمة.
وكان الشيخ محمد بن راشد، هو ألصق الناس بزايد عندما كان حياً، وأعرف الناس بزايد، وأشبه الناس بزايد في حكمته وبعد نظره وتسامحه، وشمولية فكره وعدله وسخائه، وبعد أن انتقل المغفول له الشيخ زايد إلى جوار ربه، أصبح محمد بن راشد أوفى الناس بزايد ومبادئه.
وبما أن دولة الإمارات، أخذت على عاتقها نشر التسامح بين الشعوب، وأبناء زايد ماضون على ذلك، فإنها تظل أجواء مفتوحة أمام الشعوب، وتظل وجه السلام المشرق والمبتسم في وجوه كل الناس، بمختلف دياناتهم وأعراقهم وجنسياتهم ولغاتهم وثقافاتهم.
لكن على الذي في الداخل ممن يفتخرون بتربية زايد، ألا يعيشوا حياة الإمّعة من البشر، بل يعيشون في إطار من الوعي بالتسامح المتوازن والمعتدل، من غير إفراط ولا تفريط، ونحن هنا على أرض دولة الإمارات، نحترم رموزنا أولاً، فالله جل جلاله، والوطن ورئيس الدولة قبل كل شيء.
ونحترم تراثنا الديني والفكري والاجتماعي والأدبي، ونعتز بأعرافنا وتقاليدنا التي ورثناها من آبائنا وأجدادنا، وندافع عنها بكل قوة، ولا نستحي ولا نخجل أن نموت فداء للوطن.
وبعد ذلك، إذا كنا نحب الوطن، فلا بد أن نتحلى بالوطنية الحقة، التي لا ترضى بالتعدي على أي حق من حقوق الوطن علينا، وإزاء ذلك، علينا أن نتواضع كثيراً، ونبتعد عن الكبر، لأن الوطن علّمنا التواضع قبل كل شيء.
ومَنْ تواضع وكانت قدوته زايد بن سلطان، فإنه يتواضع مع كل الناس، ويحب كل الناس، ويبتعد عن أسلوب السب والشتم والانتقاص من الآخرين، وما أجمل قول سالم بن وابصة الأسدي:
أحبّ الفتى ينفي الفواحشَ سمعُه
كأن به عن كل فاحشة وقراً
سليمُ دواعي الصدر لا باسطاً أذى
ولا مانعاً خيراً ولا قائلاً هُجراً
إذا شئتَ أن تـُدعى كريماً مكرّماً
أديباً ظريفاً عاقلاً ماجداً حُراً
إذا ما أتت من صاحب لك زلّة
فكن أنت محتالاً لزلّته عُذراً
وبما أن المغفور له، الشيخ زايد، كان شخصية عالمية، فإن الواجب يحتم علينا أن ننفتح على الآخرين ثقافة ولغة، واقتصاداً ومعاملة، وغيرها من الجوانب الإيجابية النافعة التي تجمع ولا تفرق، لأن زايد كان كذلك سمحاً طيب القول حسن العشرة، فلماذا إذن هذا التشنج والغطرسة في بعض الأحايين.
احتفى زايد بالعلم والفكر المنير والرأي الصائب، فلماذا لا نتحاور نحن مع الناس بالعلم والدليل، بدلاً من استعراض العضلات أحياناً؟.
كان زايد، رحمه الله، يخجّل الناس بسخائه في القول والفعل، كان كالغيث، إذا نزل بمكان انتفع به القاصي والداني.
هكذا إذن يمضي ويتصور الشيخ محمد بن راشد، شخصية الشيخ زايد بن سلطان، بأنها المدينة الفاضلة، التي يجب أن نبقيها للأجيال، شئنا أم أبينا، وإن الناس لا يصلحهم إلا الخلق الفاضل، والشاعر يقول:
ما وهب الله لامرئ هبة
أفضلَ من عقله ومن أدبهْ
هما جمال الفتى فإن فـُـقدا
فإنّ فقدَ الحياة أفضل به
أجل.. هذه الموجهات العشر التي قدمها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد لنا، تكفي أن تصنع شخصية إماراتية مثالية، قوامها الأخلاق الفاضلة، فلماذا لا نستثمر فراغ المنطقة من حولنا، من شخصية مثالية كزايد لمصلحتنا، ونروح نعلن عن مصنع الاستنساخ الإماراتي، لنفرّح الأجيال القادمة.
وإنني أقول بعد ذلك: إن العـُود يقبل الإصلاح طالما هو صغير، وإذا اعوجّ استحال الإصلاح، فربّوا الأبناء الصغار على مثل هذه القيم، التي يدعو إليها فيلسوف العرب، الشيخ محمد بن راشد، رعاه الله، قبل أن يعوجّوا، وتعلموا منه أسلوب التربية الهادئة والهادفة، واجلسوا مع أبنائكم كما جلس الإسكندر الأكبر مع ابنه ليقول له: يا بني أنا أحكم العالم، وأمك تحكمني، وأنت تحكم أمك، إذن أنت تحكم العالم.
نعم... كم عظيم هذا الطفل، وكم كبير هذا الصغير، فهل انتبهنا إلى ما يغذي فكره وقلبه ولسانه، ليكون مواطناً صالحاً في المستقبل، وهل وعينا موجهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد هذه، والتي قبلها وقبلها كثير، أو هل وَعينا لماذا استحدثت في دولة الإمارات وزارة المستقبل؟.
