أطلقت إحدى وسائل الإعلام الروسية، في تغطيتها الخبرية، على رائد الفضاء الإماراتي، هزاع المنصوري، لقب «غاغارين العرب»، في إشارة إلى رائد الفضاء الروسي، يوري غاغارين، أول إنسان يقوم برحلة إلى الفضاء، والمكانة التي يحتلها في تاريخ صناعة الفضاء عالمياً، وفي تحقيق الطموحات الإنسانية بارتياد الآفاق الكونية الزرقاء.

في الواقع، لم يأتِ هذا اللقب غريباً، وجاء في سياق واحد مع تعبير اختاره صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، حينما وصف المنصوري بأنه يمثل «أوج الطموح الإماراتي».

هذا التعبير الصادر عن سموه، الذي رعى الطموح الإماراتي بريادة المستقبل، وارتياد الفضاء، يعكس أهمية الرحلة التي ينطلق بها المنصوري، مساء اليوم، بالنسبة للإمارات والعالم العربي.

وبالأساس، يؤشر على الدور الحاسم الذي تمثله هذه الرحلة بالنسبة لبرنامج الفضاء الإماراتي، الذي يرعاه سموه؛ فبهذه الرحلة، يكون هذا البرنامج قد بلغ درجة الترسيخ اللازمة، التي تضمن له الاستدامة.

المنصوري، أول رائد فضاء إماراتي، هو العربي الثالث الذي يذهب للفضاء، إذ سبقه الأمير السعودي سلطان بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، والسوري محمد فارس. وكانت رحلتاهما في ثمانينيات القرن العشرين.

إلا أن رحلة المنصوري تختلف جذرياً عن هاتين الرحلتين السابقتين، فهي ليست مجرد رحلة مفردة تصنع رائد فضاء فقط، ولكنها تدشين لبرنامج فضاء طموح متجسد في برنامج ومراكز ومؤسسات، ومتبلور في مشروع فضاء متكامل.

حلم وطن

لقد قاد ولع الطفولة، بالاستكشاف والشغف بمطالعة النجوم والشهب في الليالي المظلمة في صحراء «ليوا»، هزاع المنصوري، وأوصله إلى هذا اليوم، الذي يغزو فيه الفضاء. لم يكن هذا دون أساس. وأساس ذلك أنه مواطن في دولة متطلعة للمستقبل، تسترشد بنهج الأب المؤسس، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، صاحب الحدس والرغبة في بث الإلهام في نفوس أبنائه، ما دعاه إلى استضافة رواد فضاء أمريكيين قبل نحو خمسة عقود.

حلم المنصوري بالوصول إلى الفضاء، منذ أن كان في الصف الرابع الابتدائي، عندما رأى صورة أول رائد فضاء عربي في كتابه المدرسي. وها نحن نكتشف معه اليوم أن هذا الحلم الذي رافقه طوال حياته، لم يكن مجرد حلم طفولة، بل هو كذلك حلم إماراتي عربي طموح.

وواحد من أهم إنجازات برنامج «الإمارات لرواد الفضاء»، الذي أطلقه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة في عام 2017، ويشرف عليه مركز محمد بن راشد للفضاء.

«سويوز إم إس 15»

هذه الكلمات «سويوز إم إس 15» والرموز الملحقة بها، التي تمثل في جزئها الأول اسم المركبة الفضائية التي ستنقل رائد الفضاء المنصوري في رحلته الميمونة، وفي لواحقها من الحروف والأرقام التي تشير إلى جيل تقني في صناعة الفضاء والمهمات الكونية، ستبقى محفورة في الوجدان الإماراتي إلى الأبد.

تماماً كما رسخ اسما «فوستوك 1» التي حملت أول إنسان إلى الفضاء، و«أبوللو 11» التي حملت أول إنسان وضع قدميه على سطح القمر، واستقرا في الوجدان الإنساني عموماً، وفي تاريخ العلم والمعرفة الإنسانية والإنجازات الحضارية.

وبمعنى ما، فإن كلمة «سويوز»، بأصلها ولفظها الروسي، ستغدو منذ اليوم كلمة إماراتية أصيلة، تماماً كما هي في معناها العربي؛ ولعلها مفارقة مبشرة أن المنصوري ابن الدولة الإماراتية، التي بدأت نهضتها بـ«الاتحاد»، ينطلق إلى الفضاء حاملاً معه الطموحات العربية، على متن هذه المركبة، التي تحمل هذا الاسم «سيوز»، الكلمة التي تعني بالعربية: «الاتحاد».

تنتمي «سويوز إم إس 15» إلى عائلة مركبات «سويوز» الفضائية الروسية، المصممة من قبل «مكتب كوروليف للصواريخ والفضاء» المرموق في ستينيات القرن العشرين. وتعد أكثر الصواريخ الحاملة استخداماً ووثوقية في العالم حتى يومنا هذا، حيث قامت بأكثر من عشرين رحلة غير مأهولة، وما يزيد على مئة وأربعين رحلة مأهولة، طوال تاريخها.

وهذا الجيل من الصواريخ الحاملة «سويوز إم إس 15»، برحلته اليوم، يقوم بآخر مهماته الفضائية المأهولة على الإطلاق، إذ يدخل إلى الخدمة بعد ذلك، في الرحلة التالية مباشرة، العام المقبل، جيل جديد يحمل اسم «سويوز 2 أيه 1». وهذا يجعل من رحلة المنصوري، ومأثرة الإمارات الفضائية، حدثاً تاريخياً، يشير إلى الدخول في أعتاب مرحلة جديدة من عمر صناعة وبرامج وعلوم الفضاء.

وفي نفس الوقت، فإن رحلة «سويوز إم إس 15»، ستكون عملية الإطلاق الأخيرة من المنصة رقم واحد في محطة بايكونور الفضائية، إذ سيتم إغلاق هذه المنصة، التي أرسلت أول إنسان إلى الفضاء، والشهيرة باسم «منصة غاغارين»، لتبدأ عملية تحديثها، في جهد يستمر ثلاث سنوات، لتتناسب مع عمليات الإطلاق المستقبلية، التي تمثلها مركبات «سويوز 2 أيه 1».

والمعروف أن عملية إعادة تأهيل هذه المنصة ستتم بجهود دولية مشتركة، تسهم فيها دولة الإمارات إلى جانب روسيا وكازاخستان، البلد المستضيف لمحطة بايكونور. وفي هذا رمزية إضافية لهذه الرحلة، بالذات للبرنامج الفضائي الإماراتي الطموح، ودور مركز محمد بن راشد للفضاء، الذي يكتسب مكانة عالمية مرموقة، ما قد يمثل تاريخاً جديداً في صفحة الفضاء الإماراتية.

امتزاج اللغات

سيتواصل المنصوري خلال مهمته الفضائية، بشكل أساسي، باللغة الروسية مع زملائه في المهمة، وكذلك مع مركز القيادة الأرضي، وبدرجة أشد مع المركبة، التي تعتمد اللغة الروسية في إرشاداتها وأزرارها وكتب تشغيلها ومخططاتها. وهذا ما جعل من تعلم اللغة الروسية شرطاً أساسياً لازماً لكل رواد الفضاء المشاركين بالبعثات الروسية.

تجربة الحديث الحيوي بالروسية، لن تكون بالنسبة لرائد الفضاء الإماراتي مجرد تجربة شخصية عادية، بل تجربة اتصال وتواصل حضاري مع جزء غير قليل من المنجزات الإنسانية، وامتلاكاً متكاملاً لناصية علوم الفضاء. كما ستكون جزءاً مكوناً من مكونات وجدان التجربة ولحظاتها المفعمة والمثيرة. إلى جانب أنها ستمثل جزءاً من أدوات وعي التجربة نفسها.

غير أنه بالنسبة للمتابعين من دولة الإمارات، الذين يرنون بعين الإعجاب والاستبشار إلى رحلة أول رائد فضاء إماراتي، وأول إنسان عربي يزور محطة الفضاء الدولية، فإن هذا الاحتكاك باللغة الروسية، سيكون من خلال ملاحظة تلك الحروف «الغريبة»، التي تعلو بذلة الفضاء التي يرتديها المنصوري، وتشير إلى اسمه. وهذه رغم أنها لحظة بديهية عادية، إلا أن لها رمزية كبيرة، فهي تجسد حقيقة أن ثمة إنجازاً إماراتياً استثنائياً استحق جدارة التسجيل بلغة أجنبية أخرى.

وفي جانب آخر، هام، فإن الساعات الطويلة بين أعضاء المهمة الفضائية، تخلق بينهم تواصلاً إنسانياً فريداً. وكثيراً ما كان يشهد هذا التواصل حالات من الفضول إلى الاحتكاك بثقافة الزملاء ومعرفة لغاتهم.

وهو أمر يبدأ، عادة، منذ فترة التواصل في «مركز يوري غاغارين لتدريب رواد الفضاء» في «مدينة النجوم»، التابعة لوكالة الفضاء الروسية «روسكوسموس» خلال فترة خضوع الرواد للتدريبات.

وعليه، من المؤكد أن الرحلة التي تضم إلى جانب المنصوري، الروسي أوليغ سكريبوشكا، والأمريكية جيسيكا مير، ستشهد احتكاك ثلاث ثقافات ولغات في واحدة من أرقى سيمفونيات التواصل الإنساني. إضافة إلى أن المنصوري سيصطحب الجمهور العربي في جولة تعريفية، يشرح خلالها أقسام ومكونات محطة الفضاء الدولية باللغة العربية.

المحطة الدولية

جدير بالذكر أن محطة الفضاء الدولية عبارة عن مختبر عملاق يسبح في الفضاء. وقد تم بناؤها عام 1998 بموجب تعاون دولي ضم روسيا والولايات المتحدة وتمويل من كندا واليابان و10 دول أوروبية، لتحل محل المحطة الفضائية الروسية «مير»، وهدفها الأساسي تحضير الإنسان لتمضية أوقات طويلة في الفضاء، وإجراء التجارب خارج منطقة الجاذبية الأرضية.

تدور المحطة على ارتفاع 390 كيلومتراً عن سطح كوكب الأرض، وتسير في الفضاء بسرعة 27,600 كيلومتراً في الساعة، أي حوالي 7.66 كيلومترات في الثانية الواحدة. وهذا يعني أنها تدور حول كوكب الأرض بأسره كل 90 دقيقة فقط.

تمتد المحطة على طول المحطة على 109 أمتار، وهي بعرض نحو 73 متراً. ما يوزاي مساحة استاد كرة قدم كبير. وتوفر بالتالي لرواد الفضاء الكثير من الغرف المريحة لفترات الأكل والنوم.

تعتبر المحطة مختبراً للأبحاث والتجارب، وتستخدم لاختبار أنظمة وعمليات استكشاف الفضاء في المستقبل، كما تعمل على تحسين نوعية الحياة على الأرض عن طريق زيادة المعرفة العلمية من خلال الأبحاث التي أجريت خارج الأرض.

وقد استقبلت إلى اليوم ما يزيد على 230 باحثاً ورائد فضاء، قضى معظمهم الجزء الأكبر من وقت المهمة على متنها في إجراء أبحاث علمية متعمقة في مختلف التخصصات العلمية الفضائية والفيزيائية والبيولوجية وعلوم الأرض.

قيادة إماراتية

رحلة «سويوز إم إس 15» هي في الواقع رحلة مع المشروع والبرنامج الفضائي الإماراتي، ورحلة مع الإلهام والإرادة التي قادت إلى هذا الإنجاز الكبير، وحققته على أرض الواقع، ووضعت الأسس لنقل العالم العربي من جفاف الأرض، على الفضاء الرحب الأزرق بكل ما فيه من طموحات وبشائر.