الوطنـية علاقة من نوع خاص، العــلاقة بيــن الإنســـان وبين الوطن علاقــة ولاء وانتــماء، وعــلاقة حب ووفاء، وعلاقة تضحية وفداء.
ومثل هــذه الصــفات الحميدة قلما تجــدها اليوم في أناس غرتـــهم المناصب أو ألهتهم الـــدنيا وحــب المال، أو صنــعتهم تقـــلبات الأحوال فمالوا كلما مال الزمن وتبدلت الحال، والشاعر العربي قديما يقول:
ولا خير في وُد امرئ متلون
إذا الريح مالت مال حيث تميل
وفي دولة الإمارات لنا أن نفتخر بقيادتنا الرشيدة ابتداء من المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراهما، الزعيمين المؤسسين الخالدين في قلوبنا، وليس انتهاء بصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان.
بل ولنا أن نفتخر بأصحاب السمو حكام الإمارات جميعهم، لأنهم قدموا لنا أروع الأمثلة في حب الخير والتواضع وكرم الأخلاق، والتفاني في سبيل رفعة شأن الوطن وإسعاد المواطن.
نعم.. ووجود هذه النوعية من القيادة المشرفة والحكيمة على أرض هذه البقعة المباركة، عرّضنا لحسد الحاسدين وكيد الحاقدين، والمثل يقول: كل ذي نعمة محسود. شدني بالأمس مشهد التقاء صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة.
وليس بغريب علينا نحن شعب دولة الإمارات أن يلتقي هذان الزعيمان في أبوظبي أو دبي، بل وليس بجديد أيضاً لأن الزعيمين على تواصل تام ببعض دائماً، وعلى توافق تام في كل ما يخص الوطن ويهم المواطن.
وهذا التوافق في الرأي والرؤية ليس وليد اليوم، بل سنة حسنة سنها المؤسسان الراحلان المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراهما، منذ أن وضعا أول لبنة لاتحاد الإمارات المجيد.
والدولة بخير إن شاء الله ما دام الرأيان متفقين، والقلبان متحدين، ولن يكون غير ذلك بإذن الله، لأن الاتحاد وُضع أساسه على قاعدة الإخلاص والحب والوفاء، ورُفع علم الاتحاد بأيد أمينة.
إذن فعندما يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بأن الشيخ محمد بن زايد آل نهيان فخر الوطن لا يبالغ سموه في ذلك ولا يجامل.
بل وما يميز شيوخنا في دولة الإمارات هو أنهم يقولون ما يفعلونه بالفعل ويحققونه للوطن والمواطن بالفعل، وبإمكان كل من يعيش على أرض الإمارات أن يلمس هذا ويلاحظ هذه الخصوصية، فسموه فخر الوطن حقاً، والوطن يجمعهما ببعض في ساعات الليل والنهار. وما اجتمع هذان القائدان في دبي أو أبوظبي إلا وكان الشعر حاضراً.
وفارس الشعر الفصيح والنبطي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أعرفنا بالوطنية وأبعادها، وأقدرنا على التعبير، فهو عندما يتحدث عن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، يتحدث عن زعيم اجتمعت فيه مجموعة القيم الوطنية والإنسانية التي هي ركائز الحكم والقيادة الحقة.
لذلك فإن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بدلاً من أن يتحدث بشكل مفصل عن القضايا والأمور الكثيرة التي تناولها في هذا اللقاء مع صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بأسلوب الناثر، فإنه لخص ذلك كله بأسلوب جزل وببلاغة الشاعر في بيتين من الشعر فقال سموه:
فـخرْ الـوطَنْ شـرَّفْ وسَلَّمْ وحَيَّا
زيــارتِـهْ فـيـها لـلأمـجادِ مـيـلادْ
لـشـوفـتِهْ دايِــمْ بـشـوقْ إنـتـريَّا
لنا الوطَنْ يجمَعْ ونفرحْ بالأعيادْ
هذا الشعر الرصين وهذا القول الموجز المعبر رغم اقتصاره على بيتين، حملا الكثير من الرسائل المفرحات والمبشرات، وانطويا على الكثير من الرموز والدلالات التي يفهمها الخواص من الناس، فأقل ما يقال عنه كما قال الشاعر:
قليلٌ منك يكفيني ولكن
قليلك لا يقال له قليـــل
وإنني على يقين بأن «زيارة للأمجاد ميلاد» تحمل معنى الاستعراض التاريخي والجغرافي والاقتصادي والأمني للمسيرة الاتحادية. وبالمناسبة، فإن هذا التقارب الأخوي واللقاء الحميمي بين دبي وأبوظبي دائم ومتواصل، فهما بمنزلة الرأس والقلب لهذا الجسد الذي هو دولة الإمارات العربية المتحدة، فلا غنى للرأس عن القلب، ولا غنى للقلب عن الرأس، والله تعالى خلق الإنسان وميزه بهذا العقل، فالعقل يجعل الإنسان يفكر ويفهم ما يحدث حوله.
ومع أهمية العقل أنعم الله على الإنسان بنعمة القلب، والقلب مصدر المشاعر والأحاسيس، وبهما تتم لنا نعمة العافية، فما أحوج البشرية اليوم إلى نعمتي القلب السليم والفكر السليم اللذين بهما ندرك معنى الجمال والكمال، وبهما نميز الخير عن الشر، وبهما نتخذ القرار المناسب في الوقت المناسب.
وقد كان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، صاحب الفكر المنير والقلب الكبير الذي حوى على أجمل ما في الوجود، ألا وهو التفاؤل بالحياة، وعلى أنبل ما في الحياة وهو أن نحب كل الناس، وأن نقدم الخير لكل الناس، والخير كثير لو نظرنا إلى الناس بعين الرضا والمحبة.
ومما يروى عن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، في بداية الاتحاد أن صحفياً وجه إليه سؤالاً يقول: طويل العمر أنت أقمت دولة الاتحاد، وتجلس على آبار من البترول، لكن شعبك 85% منهم ليسوا من أبنائك، فهل أنت سعيد؟ فأجابه سموه على البديهة: "الرزق رزق الله، والمال مال الله، والفضل فضل الله، والخلق خلق الله، والأرض أرض الله، واللي يجينا حياه الله".
أقول هذه الفطرة السليمة لا تزال جزءاً من دستور دولة الإمارات، فلا يجتمع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلا على حب الوطن ومصلحة المواطن والمقيم، أسأل الله أن يجمعهما دائماً على الخير، وأن يكف عنهما شر طوارق الليل والنهار، وأن يبقي حكام الإمارات سنداً ودعماً لهما في المنشط والمكره، وأن يكتب الله لهذه الدولة المحبة للسلام ما نحب لا ما نكره.
