روح المجد وفخامة العزّ والشرف

من مقام الفرسان الماجدين يكتب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، هذه القصيدة الفخمة الجليلة، الفوّاحة بعطر المجد وشرف الأصل، يردّ بها على قصيدة «هامة المجد» التي سطّرتها يَراعةُ نجله سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، وليّ عهد دبي رئيس المجلس التنفيذي، في تخليد مجد والده،.

وتَعداد بعض مناقبه التي أضحت هادياً ونبراساً لكل مَن أراد أن يسلك طريق العُلا والمجد والسؤدد، ومن نظر في القصيدتين لاح له كيف يتكامل الفرع مع الأصل، وكيف يظلّ الأصلُ الفارعُ الجليلُ يحنو على فروعه ويرعاها ويَحدِب عليها، وينفخ فيها روحَ المجد وفخامةَ العزّ والشرف.

حفاوة

يــا مـرحـبا يـا عـريب الـجد مـا حر طـار

ولأحـــرار بـأفـعـالها تـــدرك مـطـامـيحها

وإذا تـعلت تـسامت فـوق شـمس الـنهار

فــــلا تـنـزلـهـا مــــن الـعـلـيا تـلاويـحـها

بهذه الحفاوة البادية على مطلع القصيدة «يا مرحبا» يفتتح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، هذه القصيدة البديعة مُرحّباً بتلك القصيدة التي سبقت الإشارة إليها، ومُنوّهاً بمحتواها الأخلاقي الرجولي الذي لا يصدر إلا عن فارس كريم الطباع عربيّ الأصل والجد، كناية عن أصالته وشرف حسبه، جامعاً بين شرف النسب وأخلاق الأحرار التي تُعرف بأفعالها البيضاء ومواقفها الصادقة.

وتُحقق بشهامتها ما تطمح إليه النفس من منازل العزّ والكرم، فهي أبداً في ارتفاع، وتتسامى في الأفق مثل الشمس الصادقة التي لا تعرف الكسوف، بل تظل متوهجة بالنور، ولا تنزل من أوجها الرفيع، فهكذا هي الأخلاق الصحيحة الثابتة لا تتلون مع الأيام، ولكنها راسخة في الطبيعة النبيلة لا تفارق صاحبها مهما كانت الظروف والأحوال، وهكذا هو الإنسان الحرّ الشريف لا يغرّه البرق اللائح ولا الطيف اللامح، بل هو يعرف كيف يوفّي الناس الكرام حقوقهم، وكيف يُنزلهم منازلهم التي تليق بهم.

هدية

أهـديـتـنا م الـمـعـاني مــن لـجـوم غــزار

كــنـوز شــعـر وفـــي يـديـنـك مـفـاتيحها

ولـــي عــهـدي وذخــري لـلأمـور الـكـبار

مـع إخـوتك وإنـتوالها الـدنيا مصابيحها

في هذا المقطع يشير صاحب السموّ إلى قصيدة «هامة المجد» التي سبقت الإشارة إليها، وأنها كانت هدية فارس إلى فارس، ضمّنها ناظمها من المعاني الشريفة ما يدلّ على صدورها من نفس حرّة شريفة مثل نبع غزير بالماء العذب الصافي، فكانت تلكم القصيدة كنزاً شعرياً دونه في القيمة والشرف كنوز الذهب والفضة، وكيف لا تكون بهذه المثابة .

وهذه المنزلة وسمو الشيخ حمدان بن محمد من فرسان الشعر وأمراء القريض الذين يمتلكون مفاتيح أسراره وطرائق إبداعه، وكيف لا يكون ذلك كذلك وهو سليل شيخ شعراء الجزيرة وفارس قوافيها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، الذي يصدق فيه وفي نجله كلمة زُهير بن أبي سُلمى الخالدة:

وهل يُنبتُ الخطّيُّ إلا وشيجه

وتُغرس إلا في منابتها النخل

قرَّة عين

وتزداد نبرة الفخر وضوحاً وارتفاعاً في شعر صاحب السموّ حين يثني على وليّ عهده الذي يرى فيه ذُخراً للأمور الكبيرة التي لا تحمل أثقالها إلا النفوس الكبيرة والهامات العالية والقامات المديدة، فيفتخر به وبإخوته الذين يرى فيهم مصابيح الدنيا وأقمارها الزاهيات، فهم قُرّة عينه ومعقد فخره، وحاملو مجده والحافظون لعهده والسائرون بعزيمة وثقة على نهجه ودربه..

مــن بـيـت عـالـي مـقامه مـا يجيه الـعثار

مــكـتـوم ونــهـيـان جــدانـك رجـاجـيـحها

أنــــا حـلـبـت الـلـيـالي حـلـوهـا والــمـرار

وآعـــرف تـصـريـحها وآعـــرف تـلـميحها

إن هذا المجد الذي يكتنف جنبات هذا البيت العالي المقام ليس مجداً طارئاً بل هو أصيل عريق عتيق تحدّر إليهم من جبال الشرف والعزّ من عهد أجدادهم من الطرفين؛ آل مكتوم وآل نهيّان، حيث يتحدّر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد من هذه الأصلاب الكريمة، فوالده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، غادر الدنيا وهو كلمة إجماع واحترام وهيبة ومجد.

ووالدته المغفور لها الشيخة لطيفة بنت الشيخ حمدان بن زايد آل نهيّان، حاكم أبوظبي في الفترة من 1912 إلى 1922، وابنة عمّ المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيّان، سيّد الشيوخ وحكيم الجزيرة وباني الوطن، فأين من يظفر بمثل هذا الشرف العالي الرفيع ولا يرفع رأسه إلى عنان السماء، فهم بيت شرف وسيادة وسياسة ومحبة، قد اجتمع الناس على حبهم، وأعطوهم المقادة من أنفسهم حين رأوا من كريم أخلاقهم وباهر شمائلهم ما جمع القلوب حولهم، ووحّد السواعد حول راية العمل والإنجاز، وظهر للوجود هذا الوطن الجميل الحبيب المهيب.

ينابيع حكمة

ثم يترنّم بوراشد على عادته حين يلتفت إلى ترانيم قلبه وينابيع حكمته، فيقول لولده ولكل قارئٍ لشعره: إن أباك يا ولدي قد جرّب الليالي والأيام، وعركها وعركته، واختبر حلوها ومُرّها حتى انكشف له خبيئها وسرّها، فخذ منه ما ينفعك، فكلامه كلامُ مجرّبٍ خبير يعرف تلميح الحياة قبل تصريحها، وما أروع ما أشار به صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد، في هذا البيت إلى قول العرب حين تصف رجلاً بالحكمة والخبرة فتقول: «فلانٌ حلب الدهر أشطره»، كناية عن عُمق خبرته بالحياة، وشدة مِراسه في مواجهة صعوباتها وتذليل الشامس من ظروفها، تماماً كما قال المتنبي في لحظة بوح وطرب:

أُطاعنُ خيلاً من فوارسها الدهرُ

وحيداً وما قولي كذا ومعيَ الصبرُ

وههنا يؤكد صاحب السموّ على قيمة الخبرة في مواجهة الحياة، وأن أعمق الدروس هي التي نعرفها من خلال الصعوبات، وليس التي نتلقاها ونحن جالسون نتسامر حول النار ونتناشد القوافي والأشعار.

بصيرة قائد

ولا غــتـرنـي مـخـبـا ولا مـنـعـني جـــدار

والأرض الـصـعيبه أذلـلها مـتى آطـيحها

والشجره اللي بداها م الخريف إصفرار

هـــي ســنـة والــوقـت والأيــام بـتـزيحها

ولأن الحكمة ليست كلاماً يُقال، ولا قافيةً تُنشد، فقد جزم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد على ثمرة هذه الحكمة التي لا يخدعها الخادع، ولا يغرّها الثناء الكاذب، ولا الأمور المخفية وراء الستور، فهو ينظر بعين بصيرته إلى ما وراء الستور وتخترق بصيرته الجدار فيرى ما وراءه ويعرف كيف يتعامل مع الظروف؛ لأن الحكمة التي لا تهدي صاحبها في المُلمّات فأي شيء قيمتها؟

وتأكيداً على كل ما تقدّم يؤكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أن عزيمته لا تعرف النكوص ولا التراجع بل يعمد إلى الأرض الصعبة فيذللها بسيف العزم، ويخضد شوكها بإرادة الرجال، أما الشجرة التي آلت إلى السقوط والاصفرار فهو لا يشغل نفسه بها، فقد وصلت هي إلى نهايتها الطبيعية، وآن لها أن تستريح وتذهب مع دورة الأقدار والأيام.

منهج الفارس

مـتـعود آعـسـف وآذلــل صـعـاب الـمـهار

يـالـين تـهـدا وتـسـكن بـالـغصب ريـحـها

عـندي لـكل وقـت نـاسه وإنـتقيت الخيار

هــذا أنــا وخـيـل تـفـكيري فــلا آريـحها

هذا هو صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، وهذا هو منهجه الذي لا يحيد عنه؛ المواجهة وتذليل الشامس الصعب في كل شيء، ثم ضرب مثلاً لذلك بأحب الأشياء إلى قلبه (الخيل) التي يجد متعته في ترويضها وتذليلها حين تكون نافرة عصيّة فلا يزال بها حتى تهدأ وتلين ويسكن ريح الجنون والجموح في عروقها الثائرة وحوافرها النافرة.

ثم يختم هذه القصيدة الفخمة بهذه الحكمة الخالدة الدالة على عمق بصيرته وسداد خبرته حين يقول إنه قد أعدّ لكل ظرف ووقت رجاله القادرين على القيام بواجباتهم في أحلك الظروف، فهم النُّقاوة والصفوة التي انتقاها سموه عن وعيٍ وبصيرة، ليكون ذلك كله تأكيداً لشخصيته المتفردة التي تجمح في العزيمة جموح الخيل حين تندفع في السباق؛ لا تتغيّا إلا الفوز المظفّر وتحقيق الذات في أصدق لحظات التحدي والعاصفات.

سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، عاجزة هي الكلمات في حضرة إبداعك، وخجولةٌ هي المعاني حين تحاول إيفاءك بعض حقك، فنحن نقتبس من نارك، ونهتدي بمنارك، والسلام على وجهك الأصيل وحرفك الحرّ النبيل.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات