كلمات من أعماق القلب

في بداية قراءتي لقصيدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الموسومة «كنوز»، أقول: «لا فُضّ فوك ولا عاش حاسدوك، يا صاحب السمو. ولا عدمتك من شاعر كبير يزرع في نفوس أفراد شعبه الأمل، ويلبسهم حلل السعادة والسكينة واليمن، في ساعة القنوط واليأس والإحباط والملل.. أحببتك يا سيدي في الماضي وأحبك في الحاضر، كما أحبك في المستقبل».

لا يأس

يقول الله تعالى في كتابه العزيز: «فلا تكن من القانطين» الآية 55 من سورة الحجر.

قال الواحدي في تفسير الآية: أي لا تكن من الآيسين، والقنوط هو اليأس من الخير، وقال الماوردي: «القنوط اليأس من الرحمة والفرج»، وفي كتاب «العجاب في بيان الأسباب» لابن حجر العسقلاني: «لا تيأس فتقنط فلا تعمل».

نعم.. تعودنا أن نصبح ونمسي على ابتسامتك في السراء والضراء، ففي حال السراء تبث فينا روح التفاؤل والجد في العمل، وفي حال الضراء تزرع فينا روح الطمأنينة والشعور بالأمل.

أحبك يا سيدي عندما تبادر فتغامر، وفرق بين مغامرة من يملك رؤية ثاقبة، وينطلق من استراتيجية واضحة، وينظر إلى الأفق البعيد المفتوح أمامه من غير نهاية. وبين مغامرة من يندفع عن طيش وجهالة، ويخرج من غير هدف ولا غاية، سوى إلقاء نفسه في المهالك، بل إلقاء غيره في المهالك أيضاً.

اسمح لي يا سيدي أن أقول لك: إن الشاعر الملهم أبا الطيب المتنبي عندما قال:

إذا غامَرْتَ في شَرَفٍ مَرُومِ

فَلا تَقنَعْ بما دونَ النّجومِ

يرَى الجُبَناءُ أنّ العَجزَ عَقْلٌ

وتِلكَ خَديعَةُ الطّبعِ اللّئيمِ

وكلّ شَجاعَةٍ في المَرْءِ تُغني

ولا مِثلَ الشّجاعَةِ في الحَكيمِ

وكمْ من عائِبٍ قوْلاً صَحيحاً

وآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السّقيمِ

ولكِنْ تأخُذُ الآذانُ مِنْهُ

على قَدَرِ القَرائحِ والفهومِ

أؤكد لك يا صاحب السمو أن المتنبي عندما قال ذلك، أشار إليك من طرف خفي وصدق حدسه، ولو كان حكيم الشعراء حيّاً الآن لما وسعه إلا اتباعك.

نعم.. مهّدتُ بهذا القول وأنا على مشارف الدخول في باحة قصيدتكم الجديدة التي تزخر بمعاني التفاؤل والأمل، والفخر والحماسة، والكبرياء من غير كبر، والتعالي عن سفاسف الأمور من غير احتقار البشر.

مصطلحات خاصة

وبما أنك ابن البادية يا سيدي فقد تغلغلت في صفات لا يتصف بها إلا «الحر» الأصيل من الطيور، واستخدمت من تلك المصطلحات الخاصة جداً، ما فيه الكفاية لإفهام الأذكياء وإفهام أنصاف الأذكياء.

افتتحت يا سيدي القصيدة بعنوان في مبناه كبير، وفي معناه عميق وغزير ألا وهو (كنوز)، وهذا العنوان يلخص القصيدة، ويبشر بالخير الوفير، لأن الإنسان على كل حال لا يريد شيئاً إلا الحصول على الكنز المفقود، ومتى وجده استراح قلبه.

لغة شعرية

يــا مـرحـبا يـا عـريب الـجد مـاحر طـار

ولأحـــرار بـأفـعـالها تـــدرك مـطـامـيحها

وإذا تـعلت تـسامت فـوق شـمس الـنهار

فــــلا تـنـزلـهـا مــــن الـعـلـيا تـلاويـحـها

أهـديـتـنا م الـمـعـاني مــن لـجـوم غــزار

كــنـوز شــعـر وفـــي يـديـنـك مـفـاتيحها

ولـــي عــهـدي وذخــري لـلأمـور الـكـبار

مـع إخـوتك وإنـتوالها الـدنيا مصابيحها

مــن بـيـت عـالـي مـقامه مـايجيه الـعثار

مــكـتـوم ونــهـيـان جــدانـك رجـاجـيـحها

في بداية القصيدة التي نبعت كلماتها من أعماق قلبك، تخاطب الساكن في سويداء قلبك، سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي رئيس المجلس التنفيذي، في المقام الأول، باعتباره ولي عهدك، وتخاطب أصحاب السمو إخوته باعتبارهم سنداً لك وله.

سيدي لغتك الشعرية في هذه القصيدة، لغة القنّاص الماهر الخبير بعالم الطيور ومواصفات الشواهين والصقور، ولا أغلى من الشواهين والصقور، باعتراف كل الصقارين ومربي أحرار الطيور على مر العصور.

بين ثنايا هذه الأبيات نقرأ المعاني الكثيرة الخفية، فالشمس إذا ارتفعت إلى كبد السماء انكشف كل مستور، والصقور إذا حلقت في فضاءات الأعالي لم يخف عليها أي طير من الطيور، إن أنجالك النجباء الذين حنكتهم مدرستك، بعد أن انحدروا من سلالتين حملتا كل الفخر، لا ينخدعون بأقاويل قلم مأجور، ولا بوهم واهم.

إنك يا سيدي وأنجالك تشرَّبتم الحكمة وتدرعتم البيان، وتذوقتم اللغة العربية التي تشرفت بلغة القرآن، وامتطيتم جياد الخيول في مضامير السباق في الميدان، وإنك واثق أولاً وأخيراً بأن اليد التي امتدت إلى الناس بالبر والإحسان، لن يهينها الواحد الديان، وأن القلب الذي امتلأ بالحب والعاطفة والحنان، صاحبه لن يذل ولن يهان.

مغامرة ومثابرة

وما أجمل الأبيات التالية في قصيدتك يا سيدي الشيخ محمد بن راشد، وقد قلت في النصف الأخير من قصيدتك:

أنــــا حـلـبـت الـلـيـالي حـلـوهـا والــمـرار

وآعـــرف تـصـريـحها وآعـــرف تـلـميحها

ولا غــتـرنـي مـخـبـا ولا مـنـعـني جـــدار

والأرض الـصـعيبه أذلـلها مـتى آطـيحها

والشجره اللي بداها م الخريف إصفرار

هـــي ســنـة والــوقـت والأيــام بـتـزيحها

مـتـعود آعـسـف وآذلــل صـعـاب الـمـهار

يـالـين تـهـدا وتـسـكن بـالـغصب ريـحـها

عـندي لـكل وقـت نـاسه وإنـتقيت الخيار

هــذا أنــا وخـيـل تـفـكيري فــلا آريـحها

أقول لله درك من شاعر مغامر ومثابر، وحاكم حكيم صابر، ومزلزل للجبابرة وكل مكابر، ومروّض لخيول عزم جهزتها للمبارزة، فلا تواجه الخصم إلا على كل ضامر.

إن هذه الشجاعة في القول والفعل ليست نتيجة تخبط وعشوائية حياة، بل خميرة بيت رفع أركانه آل مكتوم وآل نهيان منذ قديم الزمان، فمن مثل أبيك المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، ومن مثل أمك المغفور لها الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان:

أولئك آبائي فجئني بمثلهم

إذا جمعتنا يا جرير المجامعُ

فخر

إن هذه القصيدة من غرر القصائد التي قرأتها في الفخر بالنفس المطمئنة بالإيمان، التي ترفض الاستسلام لحوادث الزمان، وقد ذكّرتني بقصيدة السموأل بن عاديا التي منها:

صفونا فلم نَكدر وأخلص سرّنا

إناث أطابت حملنا وفحولُ

فنحن كماء المزن ما في نصابنا

كَهام ولا فينا يُعدُّ بخيلُ

إذا سيّد منّا خلا قام سيّدٌ

قؤول لِما قال الكرام فعولُ

وأيامنا مشهورة في عدونا

لها غرر معلومة وحجولُ

وتذكرني أيضاً بقصيدة عنترة التي منها:

هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ مِنْ مُتَـرَدَّمِ

أمْ هَلْ عَرَفْتَ الدَّارَ بَعْدَ تَوَهُّمِ

يَا دَارَ عَبْلَـةَ بِالجَوَاءِ تَكَلَّمِي

وَعِمِي صَبَاحَاً دَارَ عَبْلَةَ وَاسْلَمِي

إِنْ تُغْدِقي دُونِي القِنَاعَ فإِنَّنِي

طِبٌّ بأخذِ الفَارسِ الْمتلثمِ

أَثْنِي عَلَيَّ بِمَا عَلِمْتِ فَإِنَّنِـي

سَمْحٌ مُخَالَقَتِي إِذَا لَمْ أُظْلَـمِ

وِإذَا ظُلِمْتُ فَإِنَّ ظُلْمِي بَاسِـلٌ

مُـرٌّ مَذَاقَتُـهُ كَطَعْــــــمِ العَلْقَـمِ

إشارات بليغة

أحسنت وأحكمت وأبدعت يا سيدي في المُفتتح وفي المُختتم، وأرسلت إشارات بليغة، وبرقيات سريعة إلى القاصي والداني، محمّلة بأوجز العبارات وأغزر المعاني، فلم يبقَ لي إلا أن أرفع إلى سموك أرفع آيات التهاني.

وإني أسأل الله تعالى أن يديمك لتحقق لشعبك كبريات الأماني، وأنت من أنت رعاك الله، وثبّت دائماً على الخير خطاك، لقد أنشأت جائزة لمسابقة القرآن، وأطلقت مبادرات عالجت الصمّ والعميان، وأوجدت في عمق البراري وفير الماء للظمآن، ووفرت العمل للشابات والشبان، وأنشأت.. وأنشأت.. وأنشأت، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان.

حفظك الله وأسرتك يا فخر آل مكتوم، ما دام الملوان، وحفظ معك عضيدك «فخر آل نهيان»، صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وحفظ الله دولة الإمارات العربية المتحدة، حاضنة أعمال الخير، وساحة الأمن ومهد السلام والأمان.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات