لو كان الإدمان رجلاً لقتلته وبارزته بالسيف، بهذه العبارة بدأ الشاب (م. خ) ذو الـ24 عاماً حديثه مع «البيان»، الذي بمجرد أن تنظر إلى وجهه تجد عينيه مليئتين بالحزن على الماضي، ونظرات للمستقبل يائسة، بعدما ضاعت أجمل أيام عمره بسبب تعاطيه المخدرات، وفقد تعليمه، ووأد حلمه بالوظيفة بسبب انزلاقه في وحل الإدمان.

رغم علامات البؤس والغم والحزن، التي بدت واضحة على ملامحه حين التقيناه في عنبر عونك خلال زيارة للمؤسسات العقابية والإصلاحية بدبي، إلا أنها لم تخلُ من الإصرار على إنهاء معاناته ومعاناة ذويه، بعد أن عقد العزم على الخروج من هذا المكان بروح جديدة نظيفة، على ألا يعود لها مرة أخرى مهما كلفه الثمن.

سأقاتل بكل ما أوتيت من قوة لأنسف المخدر من جسدي وحياتي بعد أن طمس هويتي سنوات، وسأقهره كما تسبب في قهر عائلتي وسأنقل رسالتي لكل شاب وفتاة على وشك الانهيار أو ممن انجرفوا في وحل الإدمان وخانوا ثقة ذويهم وخسروا حياتهم، لأوعيهم بخطورة هذه الآفة، لقد حانت ساعة الصفر لأبدأ حياتي من جديد بعد أن تسببت في عنوسة أختيّ اللتين طالهما الأثر السيئ لسمعتي فلم يقترب منهما خاطب، لتصبح الخسائر بالجملة، هذا ما عبر عنه الشاب بعد تجربته المريرة.

الشاب (م. خ) قاده طموحه وحماسه عندما كان عمره 16 سنة للسفر إلى إحدى الدول الأوروبية لتطوير مهاراته اللغوية مدة 6 أشهر، كان من المقرر أن يعود بعدها إلى وطنه ليستأنف دراسته، ولكن حب التجربة ونقص التوعية قاداه إلى الإدمان بتشجيع طبعاً من شلة السوء، فاختل حاله بعد أن كان مرشحاً ليصبح ضابطاً في الدفاع المدني وفي طيران الإمارات، ووأد حلم والديه في أن يروه شاباً ناجحاً ذا منصب ووضع مشرف، ورجلاً مسؤولاً عن بيت وأسرة ولا سيما أنه الولد الوحيد بين أختين.

تعاطيه المخدر أدى إلى سجنه ثلاث مرات، تم الحكم عليه في المرة الثالثة بقضاء عامين أنهى منهما 5 أشهر، ثم اتخذ قراره الصائب بالخضوع لبرنامج التعافي الذي توفره هيئة تنمية المجتمع عبر عنبر عونك، وبدأ يحفظ 5 أجزاء من القرآن الكريم ليقلص مدة محكوميته ويخرج ليصلح ما أفسدته رحلة إدمانه، وتأكيداً على عزمه على التغيير للأفضل فقد كتب نثراً يرثي فيه حاله ويشرح مرارة وقسوة تلك الفترة التي غاب فيها عقله بسبب هذا البلاء، رغبة منه في توعية الشباب بخطورة الآفة اللعينة.

ويقول الشاب، مطأطئاً رأسه: لعن الله هذا المسار وهذا الوهم الذي سلبني هويتي وتملكني سنوات، فحين يغيب كنت انطلق مهرولاً للقائه وأصول وأجول لأستعيده بأي ثمن، ولم يكن لي هم في الدنيا سوى توفيره لدرجة أنني كنت أعيش في قلق مستمر وهم وغم ووحدانية دفعتني لتجاوز كل الخطوط الحمراء من دون مبالاة فقط لأحصل عليه بأي ثمن.

مضيفاً: حين آل بي المطاف إلى السجن، نظرت إلى نفسي فلم أعرفها فقد تبدل حالي وسلبتني المؤثرات العقلية تفكيري وحياتي لأعوام وحطمت علاقاتي الأسرية والاجتماعية، بل إنها حطمت فؤاد والدي اللذين كانا بالأمس يهفوان ليريا فلذة كبدهما في مقام مرموق، غير أنه وقع في براثن المخدرات وأضحى مرتهن الكيف، مسلوب الحرية والحياة التي أنعم بها الله عليه كأنني شخص آخر.

برنامج عونك الذي انبثق قوياً من هيئة تنمية المجتمع ليحقق الغاية التي وجد من أجلها مجتمع محصن من الإدمان، كان فرصة له ولكل من وقع فريسة في براثن الإدمان، ليبدأ فعلياً رحلة العلاج، ويترك ويطرق أبواب التأهيل والتعافي من الإدمان ويذوق حلاوته من خلال الأخذ بيد المتعافين عبر برامج التوعية والرعاية لمنع الانتكاسة، مع الالتزام بالسرية والمكاشفة والاحترام، وتوحيد الجهود والهدف الأسمى هو حماية المتعافي وإعادة دمجه في المجتمع ليعود مواطناً صالحاً يخدم نفسه وأسرته ووطنه.