في رحاب الفكر النيّر واللغز المحيّر

يطالعنا صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بين الحين والآخر ببعض القصائد التي تشتمل على لغزٍ غامض اهتدى إليه بنظراتِ فكره النيّرة، ولَعَمْرُ الحقّ إنّ اللغز في سياق الشعر يكتسب نوعاً من الطرافة والجمال يختلف عن سياقه في النثر، وذلك بسبب ما توفّر له من الصور البلاغية، والإيقاع الموسيقي الجميل، والحكمة العالية، والخفاء المدروس، ليكون ذلك كله أكثر إثارةً للمتذوّق وشحذاً لهمّته، فإن اهتدى إلى معنى اللغز فقد حصل المقصود، وفاز بالبُغية، وإلا فيكفيه شرف المقاربة الجمالية لهذا النص الجميل الشاهد بكفاءة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ورهافة حسّه الشعري، وجمال تشكيله للفكرة داخل الصورة، وهو مما يمتاز به في جميع المجالات الشعرية التي يطرقها بكفاءة واقتدار.

بـادَرَتـني وفــي يـديها الـكتابُ

عَــنْ سُــؤالٍ لا يـعـتريهِ جَـوابُ

بَــضَّـةٌ كَـفُّـهـا كـمـلـمَسِ طـفـلٍ

ومـنَ العيدِ بانَ فيها الخِضابُ

وتُـغَـنِّـي الــعـود شَـــدوٌ ولَـحـنٌ

وتُــهَـنِّـي ولـلـعـطورِ إنـسـكـابُ

من التقاليد الفنية الراسخة في شعر صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أنه يفتتح معظم قصائده بمطالع تكون تمهيداً للغرض الأساس في القصيدة، وهذه هي عادة الشعراء الكبار منذ امرئ القيس إلى يوم الناس هذا.

ودائماً ما يكون طيف الحبيبة هو سيد المطالع، فهي مِلح القصيدة وعسلها المصفّى، وحين تقوم القصيدة على هذا الإحساس الرائع بالجمال تندفع بعد ذلك نحو بنائها الفني والمضموني بكل سلاسة وعذوبة وارتياح.

وفي هذا المطلع يستحضر صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم صورة امرأة جميلة قد غُذّيت بالنعمة وعاشت في أكناف النعيم، فإذا هي مجلوّة كالعروس البضّة البيضاء التي تزهو بها العين، وترتاح لها النفس، ويلوح على يديها آثار الخضاب احتفاءً بالعيد وتكميلاً للدلال، وهي تجمع إلى ذلك براعة الغيد الحسان كما هو معروف في قصور الأمراء والخلفاء من إتقان الضرب على العود والشدوِ بأعذب الألحان، فهذه الصفات من علامات البراعة في جاذبية المرأة، وهي مع ذلك كله قد فاح منها العبير والشذا، وتعطّر المجلس بمرورها وانسكب العطر من أردانها، فإذا هي تسأله سؤالاً لا يعتريه أدنى شكّ بضرورة الجواب عليه، وصياغة قصيدة كاملة تعبيراً عن الاهتمام والحفاوة به.

لا يــزالُ الـورىَ بـخيرٍ إذا هُـمْ

جَـعَلوا الـخيرَ منهجاً فيهِ ذابوا

يـزرَعُ الوَردَ راغبُ الجَنْيِ ورداً

كـلُّ شَـيْءٍ لَـهُ يـكونُ إحـتسابُ

ونــتـاجُ الأشــيـاءِ يـنـتُجُ مـنـها

مـنـطِقٌ لـيسَ فـي مَـداهُ عِـتابُ

في هذا المقطع تندفع القصيدة نحو شريحة الحكمة في النص تمهيداً للحديث عن اللغز، فيقرر سموه قيمة أخلاقية مغروزة في الفطرة السليمة هي: أن الناس ستظل رافلة بثياب الخير والسعادة ما دامت تتخذ الخير وفعله منهجاً لها، تحبه من القلب وتقتنع به في العقل والوجدان، وتكاد تذوب فيه من شدة تعلُّقها بقيَمه ومقتضياته فقد وجدت فيه ما يرتقي بإنسانيتها، ويهذّب ملكاتها وطباعها، ويمنح طبيعتها بُعداً آخر يختلف عن الإنسان المجبول على فعل الشر والناكص عن فعل الخيرات، ثم يستلهم صاحب السمو مقولة ومثلاً مستقرّاً في الوجدان العميق للروح الإنسانية حين قالت الأمم في أمثالها: «إنك لا تجني من الشوك العنب»، وههنا يصوغه صاحب السموّ على نحوٍ مختلف، لكن الثمرة الأخلاقية واحدة، وهي أن مَن يرغب في اجتناء الورد فعليه أن يزرع الورد، لا أن يغرس الأشواك في طريق الحياة، ثم يتوقّع أن تكون الورود الزاهية ثمرة لفعله الرديء المشين، وهذا مما يعود صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم إلى تأكيده حين يقرر وبلغة جازمة حاسمة: أن نتاج الأشياء ينتج منها، وأن هذا هو المنطق الصحيح للعقل المنطقي الصحيح.

ومـــنَ الـــذَّاتِ والـمَـلَذَّاتِ رَجْــعٌ

فـيهما يَـعذِلُ الـمُصابَ المُصابُ

وتَــرَىَ الـنـاسَ كـالمعادنِ أمْـراً

ذَهَـــبٌ مـــنْ نـفـوسـهِمْ وتُــرابُ

وعَـجـيـبٌ أخـــوُ غـريـبٍ ولـكـنْ

لايُـحاكي مشيَ القَطاةِ الغُرابُ

وتتوغّل القصيدة في اقتناص الحكمة من معطيات الحياة ومجرياتها، وهذا هو ثمرةُ البصيرة المستنيرة التي تتبصّر في طبيعة الحياة وتستلهم منها أعمق الدروس والعِبَر، فإذا مصائب الذات وأفراح الملذات ترجع في النهاية إلى نتيجة واحدة هي استواء الفرح والمصيبة، ليتشكل بعد هذا البيت خليط عجيب من متناقضات الحياة التي يرصدها صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ويستلهم منها حكمة الآباء والأجداد ويصوغها بهذا الشعر الذي ستحفظه الأجيال وتجد فيه خزانة الحكمة ومستودع الأسرار، فليس كل الناس مثل «بو راشد» الذي ينظر في بواطن الأمور ويكتشف منها ما ينير الطريق أمام الأجيال القادمة، فالناس في نظره معادنُ شتّى تختلف بحسب نفسية الإنسان، فمنهم الثمين الرصين الذي تعلو قيمته على الذهب والألماس، ومنهم الخفيف الوزن القليل القدر الذي يَرجح به التراب، وكما قال رسولنا المصطفى، صلوات ربي وسلامه عليه: «تجدون الناس معادن، فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقُهوا»، في إشارة منه -صلى الله عليه وسلّم- إلى أصالة المحتوى الأخلاقي للإنسان، وأنه هو المعيار الثابت في تحولات الحياة، الحياة التي وصفها صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بأنه يتجاور فيها العجيب مع الغريب، والنفيس مع الرخيص، والأصيل مع المقلد، لكنه يقرر في النهاية أن الأصالة هي الهدف الأسمى والعنصر الثابت الراسخ، وأن هناك فرقاً عميقاً وجوهرياً بين إنسان وإنسان، تماماً كالفرق الذي لن يزول بين القطاة والغراب.

جُــعِـلَ الـعَـقـلُ حُــجَّـةً ودلــيـلاً

وإلــىَ الـعَقلِ لـلعقولِ إنـتسابُ

وحـجـابانِ عَــنْ كـثـيفٍ لـطيفٍ

طــابَ مـنْ طـيبِهِ الـمِلا والـمَلابُ

وإنـكشافُ الأمـورِ عـنْ عبقَريٍّ

فـي سـرابٍ يقفو خُطاهُ سَرابُ

في هذا المقطع تنحو القصيدة نحو رؤية فلسفية تشير إلى الأشياء باقتضاب وإيحاء كما هو شأن العقل الفلسفي، حيث يكتفي بالرمزيةِ الدالة والإشارة الخاطفة، فيجزم صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بأنّ العقل الصحيح كما خلقه الله على فطرته الأصلية قبل تلويثه بالموبقات هو حجةٌ ودليل يقوم عليه التكليف وتلزم به الحجة البالغة التي يتحمل الإنسان بسببها تكاليف الشريعة، فإلى هذه الجوهرة الثمينة التي امتنّ بها الخالق على الإنسان تنتسب العقول الرجيحة، والفطرة الصحيحة، ولكن العقل قد يكتنفه أحياناً حجابان كثيفٌ ولطيف تطيب بهما مساحة العقل الرحيبة ويزكو بهما عطر الفكر فيه، وتنكشف بنوره عبقرية الإنسان المركوزة في قواه العقلية، لكنه في لحظة غفلة قد ينسى هذا كله، وما منحه الله من فضيلة العقل، ويسير خلف نداء الهوى ويخطف بصيرته البرقُ الخُلّبُ والسرابُ اللامعُ الذي يُسلمه إلى سراب بعد سراب.

فــي تـلابـيبه مـن الـعلم حـشو

ومــن الـفـهم والـضـياء إهــاب

وسـؤالـي عــن مـستظل بـغيب

ذي شـمـول لــه الـمدى يـنساب

ومــن الـخـيل إن فـهمت فـخبر

ولــه فــي حـوادث الـدهر نـاب

وفي ثنايا هذا العقل هناك مساحة جليلة للعلم والفهم والنور والضياء، والإنسان بجهله يُطفئ نور الله الذي أودعه في عقله السامي، وبعد هذا الثناء المستحق على العقل يتوجّه صاحب السموّ بسؤاله عن شيءٍ مكنون في مكانٍ ما، ويشمل المدى بأثره، ويكون قريباً من الخيل ويعضّ الدهر بنابه القوية، فهل يتحدث سموّه عن السيف وكونه قريناً للخيل كما قال أبو الطيب ذات يوم:

الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني

والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ

ثم تزداد القصيدة إيضاحاً لهذا اللغز الخفي، فإذا هو فاتح للخير بسبب ما يجري بسببه من الفتوح والمغانم، وما يُحفظ به من الدماء والأعراض، ولكنه أيضاً يفتح الباب مُشرعاً للمنايا بسبب خوض المعارك به.

فـاتـحـا لـلـحياة والـخـير بـابـا

وعـلـى الـمـوت مـنـه يـفتح بـاب

وعـــمــود لـــــه وثـــــم عـــمــاد

وإعــتـمـاد وصــحـبـة أغـــراب

ولــــه أخـــوة بـأسـمـاء شــتـى

مـــن تـراهـم يـاأيـها الأحـبـاب

هنا تبلغ القصيدة ذروة الخفاء ويبدو أنّ معرفة اللغز في هذه النقطة ليس بالأمر السهل، فتنزيل هذه الصفات على السيف يحتاج إلى نوع من المجاز كي يظل المعنى منسجماً مع فكرة القصيدة، التي تقوم على اختبار ذكاء القارئ وفطنته وخبرته بالحياة وأشيائها.

ثم كانت الخاتمة التي يلتمس فيها صاحب السموّ العذر لقارئه، الذي ربما عجز عن الاهتداء إلى الجواب الصواب، ليقول له: إنّ هذا اللغز لا يخلو من خفاء على الرغم من جميع ما تم تقديمه من إيضاحات، ليظل هذا اللغز في دائرة الخفاء والتجلي وتزداد به القصيدة جاذبية وسحراً وغموضاً واكتمالاً.

هــــو لــغــز مــوضــح وخــفـي

حــاضـر غـائـب وفـيـه إرتـيـاب

هل عرفتم قصدي إذا خبروني

ومـــن الــلـب كــانـت الألــبـاب

سيدي صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: إذا عجز الفكر عن كشف اللغز، فقد قدّم القلب قُربان المحبة، فتقبّلوا هذه القراءة المتواضعة عسى أن تلحظوها بعين المحبة والاحترام الذي هو طبعكم الأصيل وخُلُقكم الطيبُ النبيل.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات