في جلسة رمضانية مضيئة جميلة في نادي الضباط بشرطة دبي جمعتنا أمسية سريعة باللواء متقاعد ناصر السيد عبدالرزاق الرزوقي «بوخالد» نائب رئيس الاتحاد الدولي للكاراتيه رئيس اتحاد الإمارات للكاراتيه استدعى فيها بوخالد جانباً من التاريخ في شرطة دبي، فكان الزمن الجميل عريس الأمسية زفه بوخالد إلينا بأسلوب الراوي المشوّق، وبمقام قصصي جديد، مضيفاً في الطنبورة نغمة وفي العود وتراً آخر.
يقول بوخالد: بدأت مشواري المهني في مراكز الشرطة ولم تكن مصادفة، وذلك أنني أثناء مراحل الدراسة وفي الفترة الصيفية كنت أذهب للعمل في مركز نايف في وظيفة كاتب في السجلات في المحكمة إلى جانب القاضي السقاف، رحمة الله عليه، ثم انتظمت في السلك العسكري بعد تخرجي في الثانوية العامة برتبة رقيب أول، ومن ثم ابتعثت إلى جمهورية مصر للدراسة في كلية الشرطة بالقاهرة، فكنا ندرس في الفترة الصباحية «علوم شرطية»، وفي الفترة المسائية ندرس «تنمية سياسية»، وكان ممن قام بتدريسنا في ذلك الوقت أذكر الكاتب والأديب يوسف السباعي.
فكان يدرسنا مادة الأدب العربي، ووزير الإعلام عبدالقادر حاتم كان يدرسنا مادة الإعلام، ونائب رئيس الوزراء وزير الداخلية ممدوح سالم كان يدرسنا الأمن العام، بعد التخرج في الكلية أصبحت ضابطاً برتبة ملازم فتم إلحاقي بمركز إعداد القادة كدورة أركان، ولم تكن عملية الانضمام سهلة لأن طلبة المركز كلهم برتبة عقيد، لكنّ الموافقة جاءت بعد اتصال سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بجامعة الدول العربية، حيث تم إصدار توصية من وزراء الداخلية بقبولي في مركز إعداد القادة.
بعد عودتي من الخارج في ذلك الوقت انتقلت القيادة العامة إلى منطقة الطوار حالياً، فتم تكليفي مديراً لمركز شرطة بر دبي، وهو أول مركز شرطة تأسس في دبي كمركز شرطة منفصل، وكنت أول مدير له وكان يقع أمام قلعة الفهيدي موقع متحف دبي الآن بالقرب من ديوان الحاكم الحالي في مبنى خاص بأحد أفراد الأسرة الحاكمة، ثم انتقل المركز بشكل أكثر حداثة إلى موقع مركز الرفاعة حالياً، ثم بعد ذلك انتقلت إلى مركز شرطة نايف، وبعدها إلى إدارة التحريات والمباحث الجنائية ثم إلى مركز شرطة المطار انتقلت إليه بتكليف من المغفور له الشيخ راشد بن سعيد، طيب الله ثراه، وذلك بسبب وجود مشكلة بين التجار والإنجليز الذين كانوا يديرون المطار آنذاك.
يتذكر بوخالد مركز نايف ويقول عنه، إنه كان مبنى شاملاً فيه القيادة العامة وفيه مركز الشرطة وفيه مدرسة التدريب، حيث كنا ندرب مرتب القوة على الضبط والربط العسكري والشغب في حوش المركز حتى إنشاء مدرسة تدريب مستقلة في منطقة الرأس أمام مدرسة الأحمدية القديمة، وفيه أيضاً الادعاء العام، فحينذاك لم تكن توجد نيابة وكان الادعاء العام يتبع الشرطة، وكانت المحكمة أيضاً في نايف، لكن كان لها استقلاليتها وتتبع الحاكم مباشرة بحكم أن القضاء ولاية، وكان قائد الشرطة آنذاك لوريمر وكان يتبع تعليمات المعتمد البريطاني في حينه.
من لطيف ما يذكر بوخالد، أنني كنت ممن اختار الأخ المستشار إبراهيم بوملحه للنيابة العامة، وكان في ذلك الوقت الأخ إبراهيم بوملحه الأمين العام للمجلس الوطني، وعند انتدابه للشرطة طالب بفصل النيابة العامة عن الشرطة فتم الفصل بناء على أمر المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد، طيب الله ثراه.
أثناء عملي في مراكز الشرطة، يتذكر بوخالد، كنت أستشعر بكبر المسؤولية وأنني أشرف على رقعة جغرافية كبيرة مأهولة بالسكان، وكان مدير المركز آنذاك بمثابة محافظ المنطقة، ولديه سلطة واسعة وكان رجال التحريات أو المباحث بالمعنى الدارج يتبعون مركز الشرطة، وكنت في صراع دائم في تلك الفترة مع الأخ محمد سعيد الغيث مساعد القائد للتحريات والمباحث الجنائية، والأخ عبدالله بالهول مساعد القائد العام للواجبات العامة قبل أن يصبح القائد العام لشرطة دبي خلفاً لجاك بركس بتبعية رجال البحث والتحري لمركز الشرطة إلى أن بدأ العمل التخصصي وأنشئت أقسام تخصصية في إدارة التحريات كقسم الجرائم الواقعة على النفس، وقسم الجرائم الواقعة على الأموال.. إلخ، فذهبت هذه الاختصاصات من مهام ومسؤوليات وإشراف مدير المركز.
ورغم انتقالي فيما بعد إلى القيادة ظل هناك حنين دفين يسكنني لمركز الشرطة وأراه هو أساس العمل في أي جهاز شرطي بحكم أن المركز واجهة المؤسسة الأمنية، وهو المدرسة التي يتعلم منها الضابط والفرد أساسيات العمل الشرطي، ولذلك أنصح كل شاب من لديه الرغبة في العمل في جهاز الشرطة أن يبدأ سلمه الوظيفي في أروقة المركز ليتعرف على حقيقة العمل الشرطي وعميق الخبرة التي سيكتسبها على ظلال القضايا التي يبت فيها المركز، واحتكاكه اليومي المستمر مع الناس بشتى أنماطهم وثقافاتهم.
يسترسل بوخالد في حديث القصة والخبرة، أنه وأثناء ما كنت على رأس عملي في القيادة العامة وكنت في منصب مساعد القائد العام مرت عليّ مواقف كثر وأزمات عصيبة، ولولا الخبرة والعمل في مراكز الشرطة ومعايشة الواقع الأمني وتطوير الذات لما كانت القرارات التي اتخذتها صائبة (نستسمح القارئ عن ذكر تفاصيل الوقائع والأزمات لأسباب أمنية).
يذكر بوخالد من الزمن الجميل في شرطة دبي، أنه وفي كل صباح يوم خميس من كل أسبوع كان هناك مارش أو طابور عسكري مصحوب بالموسيقى العسكرية يمشي مشياً عسكرياً من الملعب الرياضي الذي كان يقع خلف مدرسة ثانوية دبي موقع ميدان الاتحاد حالياً حتى القيادة العامة في مركز نايف، وكان غرض ذلك إظهار جانب القوة لجهاز الشرطة في نظر الناس، وفائدة أخرى أنه تمرين عسكري ورياضي لمرتب القوة، وكنت أقود الطابور العسكري وأحياناً كان يقود الطابور مساعد قائد الشرطة في حينه أوبري، وكان يصطف الناس على أرصفة الطريق لمشاهدة الطابور العسكري والاستمتاع بالموسيقى العسكرية التي كانت تطرب وتجذب انتباه الجميع.
الموروث الأمني في شرطة دبي المتمثل في المسافة القصيرة والخط المستقيم في العلاقة بين القيادة السياسية والإدارية التي مازالت حاضرة حتى الآن والضبط والربط العسكري، وتطبيق القانون ومكافحة الجريمة، والمتهم المجهول من الجريمة المقلقة صفر، وحسن التعامل مع الأزمة، ومساواة البعيد بالقريب، والقيام بأدوار مجتمعية مازال ممتداً إلى عصر الحداثة والتكنولوجيا، عصر التفاعل الرقمي، ومركز الشرطة الذكي والتقاضي عن بعد، وهو الفاعل الرئيسي بعد الله سبحانه وتعالى في جعل الأمن والأمان والشعور والإحساس به واقعاً يعيشه المواطن والمقيم والزائر في دبي.
ولا شك في أن طبيعة مدينة دبي والتفاعل الحضاري والحضري والثقافي في الحركة اليومية الذي تعيشه المدينة في جميع لحظاتها الزمنية من شروق شمسها إلى غسق ليلها سبب موضوعي في تمتع شرطة دبي بالخبرة الفنية الثرية التي جعلتها مصدر ثقة لجميع أطياف المجتمع الإماراتي وغير الإماراتي بالشعور بالأمن والطمأنينة.
ستظل شرطة دبي تطرب وتمتع طالما كان هناك امتداد لمثل اللواء متقاعد ناصر السيد عبدالرزاق الرزوقي ابن المعتمد السامي البريطاني أيام الانتداب البريطاني السيد الرزوقي في ما كان يسمى بالإمارات المتصالحة.
اللواء متقاعد ناصر عبدالرزاق الرزوقي مدرسة أمنية متنوعة، وفي جعبته الكثير من القصة والعبرة والمقالب أيضاً مع الضباط وغيرهم، وفي مجملها وفي مختصرها خبرة سنين تحمل التاريخ وتمتد إلى الجغرافيا في المجال الأمني والأمن السياسي، ولا شك في أن دولة الإمارات فيها الكثير من أمثال بوخالد نحتاج من يدوّن ويوثق هذه الخبرات والتجارب قبل أن تذهب عنا، وذلك لتمريرها لجيل الشباب والمستقبل الذي لم يلحق بتلك الأجيال ولديه رغبة في التعلم، فكما أن الثقافة لا يمكن شراؤها بالمال، فكذلك الخبرة فاكتسابها لا بدّ من الممارسة.

