مراح وأصدقاؤه ينعشون تاريخ تلمسان

تعلّم في المدرسة صغيراً أن مدينته الوادعة، الواقعة بين الجبال شمال غربي الجزائر، لها أسماء كبيرة كثيرة، منحها إياها التاريخ لفائق جمالها وعبقرية زخرفها وأناقة معمارها الذي يبدو كقطعة من حواضر الأندلس ونسخة من قصور قرطبة وقصباتها وحدائقها.

كما لو أن الريح حملتها فوق البحر لتستريح جوهرة في أكناف سلاسل الأطلس الذهبية، حتى غدت تُعرف باسم «لؤلؤة المغرب الكبير» و«مدينة الفن والتاريخ» و«غرناطة إفريقيا». لكنّ الفنان الثلاثيني الشاب مراح محمد جمال الدين، الذي تخصص في الآداب، واشتغل بالثقافة والفنون والموسيقى والرسم.

وعمل في قطاع التربية والتعليم والتوجيه المدرسي لتحفيز مهارات الطلاب الفنية والإبداعية، وأنجز الأفلام الوثائقية التوعوية، وأطلق المبادرات المجتمعية التي دعمت تحقيق أهداف التنمية المستدامة في وطنه الجزائر، فحاز جائزة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لأهداف التنمية المستدامة عام 2017، أراد أن يفعل المزيد لمدينته المتميزة تلمسان التي شغف بحبها أكثر فأكثر كلما حطّ الرحال في مدن العالم بشرقه وغربه.

لمعت الفكرة في ذهنه ذات صباح، فسارع إلى البدء بتنفيذها، تواصل مع أصدقائه ومعارفه الكثر من الوسط الثقافي من فنانين ومبدعين ومعماريين، واقترح عليهم مبادرة تسهم في إحياء القلب التاريخي لمدينة تلمسان، الذي يعود تاريخه إلى أكثر من 700 عام، ويشكّل إرثاً ثقافياً وتراثياً وعمرانياً إنسانياً مهماً لسكانه ولأهل المدينة وللجزائر والعالم.

وبعد أن اجتمع المتطوعون، وانتخبوا من أدواتهم أجودها، وباشروا شراء المواد الأولية، وانطلقوا للعمل في الحي التاريخي، رحّب بهم السكان أجمل ترحيب لأنهم يحيون الأمل داخلهم ويعيدون الضوء واللون والزخرف إلى بيوتهم وجدرانهم وساحات حيهم. وتداعى الجميع إلى تقديم العون والمساعدة والمشاركة في المبادرة الجماعية بالوقت والجهد والمال، وقدّمت العديد من الجهات والفعاليات الاقتصادية إسهامات سخية لشراء مواد البناء والأصباغ والجص والفسيفساء وقوالب الأقواس والمقرنصات.

إلهام

ويرى الفنان مراح محمد أن المبادرة تعدّت كونها خطوة لإحياء تحفة معمارية تاريخية وإعادتها إلى سابق ألقها وتأهيل حي عتيق لاستعادة مجده، لتصبح اليوم صورة ملهمة لتكاتف الأفراد وتضافر الجهود وبناء الجسور بين شرائح المجتمع المختلفة، باستنهاضها لورشة عمل مجتمعية متكاملة تعمل معاً لهدف واحد، كخلية نحل تمنح حلاوة الأمل للقلوب وتغرس المحبة والألفة في النفوس وترسم في العقول صورة مشرقة للمستقبل.

ويأمل المبادر المثقف، الذي أطلق مع أصدقائه والمتطوعين معه اسم «غيّر العالم إلى مكان أفضل» على مبادرتهم، أن تتسع المبادرة لتنجز حياً تاريخياً متكاملاً يضع المدينة على خريطة أهم المعالم الثقافية والسياحية في وطنه الجزائر والمنطقة العربية والعالم، وأن تصبح نموذجاً يحتذى لتعاون الأفراد والمؤسسات والهيئات الحكومية والخاصة والأهالي لإحياء المدن التاريخية والحفاظ على التراث الإنساني الملموس وغير الملموس من معمار وفن وثقافة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات