الشعرُ هو أرقى تجليات التعبير الإنساني عن قيمة الأشياء، وبقدر ما تكون الأشياء ذات قيمة بقدر ما يأتي التعبير عنها راقياً وجميلاً، ولو بذلت كل وسائل الإعلام أقصى طاقاتها لتسجيل روعةِ حدَثٍ ما، فإنّ الشعر سيظلّ هو الأعلى صوتاً والأعمق تأثيراً في النفس الإنسانية بسبب ما يشتمل عليه من العاطفة الصادقة، والكلمة المُشرقة، والإيقاع الموسيقي الخلّاب، التي تطوف مجتمعة بالقلب الإنساني، وتُعمّق إحساسه بالحدث ويشعر بمتعته الوجدانية التي تتجاوز مجرد الخبر والتقرير.
في هذه القصيدة الفائقة الروعة تُحلّق روح صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبيّ، رعاه الله، في سماء الصفاء والحفاوة الصادقة بواحد من أروع الأحداث التي تحتفي بها دبيّ في سياق رؤيتها العالمية للتميز والحضور على خارطة العالم من خلال (كأس دبيّ العالمي)، الذي غدا واحداً من أشهر السباقات العالمية التي يتطلع إلى شرف المسابقة فيها كبار الدول بسبب ما توفّر له من معايير الاحتراف ودقة التنظيم، فضلاً عن النزاهة والتنافس الحر الشريف الذي يكشف عن رغبة صاحب السمو في أن تظل دبيّ مثل اللؤلؤة اللامعة لا يخبو لها بريق، ولا تنكسف لها شمس تحت سماء المجد والإبداع.
جذور الأصالة
وتأكيداً على عراقة دبيّ وعمق جذورها في الأصالة يرجع بنا صاحب السموّ إلى تاريخها القديم العريق حين كانت تُسمّى «الوصل» قبل أن تأخذ اسمها الجديد لكي يقول لنا إنّ اسمها القديم لا يخلو من ملامح الرمزية المتجددة، فهي في جميع أطوار تقدمها لا تتخلى عن فكرة التواصل بين الشعوب والثقافات، وها هي اليوم وبفضل نجاحها الباهر في إقامة هذا السباق العالمي ستظل محتفظة برمزية اسمها القديم وستظل جسراً متيناً للتواصل، ونافذة مفتوحة لجميع الملامح الإنسانية التي تحتفي بعبقرية الإنسان ونشاطه الخلّاق.
طــابـتِ الـوَصـلُ فـالـمدىَ أفــراحُ
وهَــفَـتْ صَــوْبَ أرضـهـا الأرواحُ
وكـذا الـوصلُ كـانَ إسـماً قـديماً
لـــدبــيٍّ فــيــه الــعُــلا والــفــلاحُ
بهذا المطلع الرقيق الرهيف الذي يترقرق مثل نسمة الصباح، وبهذا الإيقاع الفريد الذي يرتكز على حرف الحاء يفتتح صاحب السموّ هذه القصيدة البديعة التي تتلاحم أجزاؤها على نحوٍ باهر يشهد بصدق الإحساس وروعة التجربة، وتقع نهاية البيت في حرف الحاء المضموم ليشكّل قيمة فنية موسيقية رائعة لا يهتدي إليها إلا شاعر فنّان يتذوق الموسيقى في تجلياتها الصعبة الساحرة، فإذا أُضيف إلى ذلك رقة الألفاظ اللائقة بهذه المناسبة ونعومة حروفها لم يشكّ القارئ المتذوّق للقصيدة أنه أمامَ لوحة فنية زاخرة بالمعنى الرفيع للفن، وانظر معي إلى طبيعة الألفاظ الرائعة التي تشكّل منها هذا المطلع البديع لتلمس ببصيرتك طبيعة الإحساس الفني الباهر الذي انبثقت من خلاله هذه القصيدة المتفردة (طابت - الوصل - المدى - الأفراح - وهفت - الأرواح - العلا - الفلاح) فنحن أمام معجم شعري رفيع المستوى الدلالي على عمق هذه التجربة وصدورها عن مشكاة الحب والحفاوة والتكريم.
فدبي الحديثة التي كانت تحمل اسماً لا يقلّ روعة عن اسمها الحديث قد طابت بالمجد والتنافس، واتسع مداها لكي يحتضن واحدة من أروع التجليات الحضارية لعبقرية الإنسان، وبسبب هذه الطبيعة المتميزة لدبي في الكرم والعطاء فقد هفت إليها الأرواح وأقبلت عليها بشوق وحنين، ولأنّ ذلك كذلك فإنّ دبي قديماً وحديثاً هي أرض العلا ومعدن المجد والفلاح.
تجمعُ الناسَ تجمعُ الخيرَ تُعطي
وإلـــيــهــا تــــوافَـــدَ الــسُّــيَّــاحُ
مـنْ جـميعِ الـبُلدانِ جـاءوا إلـيها
ثُـمَّ هـاموا فـي حُـبِّها واستراحوا
آفاق عالمية
إنّ أصالة دبي الثقافية والحضارية لم تكن عائقاً بينها وبين ارتياد الآفاق العالمية في التنافس الحرّ، فهي تعرف ماذا تفعل حين تجمع الناس على الخير والإبداع واستخراج أفضل ما في الروح الإنسانية من المواهب، لذلك توافد إليها السيّاح من كل حدب وصوب نظراً لما تتمتع به من تقدم حضاري ونظرة إنسانية رحبة تستوعب اختلاف الشعوب وتصهر هذا الاختلاف لصالح التعاون والتفاهم وإبداع صيغة متحضرة من العلاقات الإنسانية الراقية التي تحتفي بالإنسان وتُطلق قدراته وتساعده على اكتشاف ذاته المبدعة، ولأن دبي كذلك فقد توافد إليها الناس من جميع البلدان ومنحوها ما تستحق من الحب والمجد واستراحوا في ظلالها الوارفة وأمكنتها الساحرة، حيث غدت دبيّ اليوم مدينة عالمية إنسانية تهفو إليها الشعوب من شتى الأجناس والثقافات اعترافاً برؤيتها المتحضرة للحياة وحفاوتها بالإنسان كإنسان أولاً وأخيراً.
عــزَّتِ الـخـيلُ فـي ثـراها وفـازتْ
وبـــهــا لــلـخـيـولِ عــــزٌّ مُــبــاحُ
فـهـوَ عـيـدٌ يـعـودُ فــي كُــلِّ عـامٍ
يـلـتقي فـيـهِ مــنَ إلـيها أشـاحوا
مدينة الأصالة
في هذا المقطع تُفصحُ القصيدة عن السرّ في توافد أحباب دبيّ إلى مدينتهم اللامعة، إنها مدينة الأصالة والحفاوة بالخيل الأصايل، فعلى ثراها وجدت الخيل عزّها وجلالها، وفي مضمارها «ميدان» فازت الجُردُ المضمّرة التي تنتظر هذا اليوم على أحرّ من الجمر، فللخيل في جنبات هذه المدينة الكبرى عزّ وصهيلٌ وحفاوةٌ وإكرام، وكيف لا يكون ذلك كذلك وفارس دبيّ وشيخها وسيّدها هو أشهر فرسان العالم، وخيله ما زالت وستبقى في طليعة الخيول العالمية التي تحصد الجائزة تِلْوَ الجائزة عن براعة وخبرة واقتدار، ولذلك أصبحت هذه المناسبة العالمية يوماً سعيداً ينتظره الناس بشوقٍ ولهفةٍ ويتقاطرون من أجل الحفاوة به على دبي من كل مكان مهما تناءت الديار وتباعدت الأقطار.
كـاسُـهـا الـعـالـميُّ كـــأسٌ فـريـدٌ
عــرفَـتـهُ الـدُّنـيـا وفــيـهِ الـنَّـجـاحُ
غـيـرَ أنَّــا نـفـوزُ فــي كــلِّ عــامٍ
فـاجـتـماعُ الــمُـلاَّكِ فـــوزٌ مــتـاحُ
منزلة متفردة
وتزدادُ القصيدة إفصاحاً عن مغزى الاحتفاء بهذه المناسبة الفريدة، فإذا السرّ في ذلك هو أنّ دبيّ تحتفي في كل عام بتنظيم كأس عالمي لسباق الخيل غَدَا واحداً من أشهر السباقات العالمية، وهو واحد من ملامح دبي الكبرى التي منحتها هذه المنزلة العالمية المتفردة بين المدن، حيث يندفع للاشتراك فيه معظم الدول الكبرى بسبب ضخامة فعاليته وشهرته وقيمته المعنوية والمادية الكبيرة التي جعلت من هذا السباق رمزاً ثقافياً للوطن كله، عرفته الدنيا واحترمته وأسهمت في نجاحه من خلال مشاركة فاعلة في مجرياته، لكن التصميم والإرادة جعلت خيل صاحب السموّ هي الفائزة دائماً لأن الفوز الرصين ليس من باب المجاملات بل هو ثمرة التحضير الحثيث والاستعداد المكثف والتدريب المستمر.
لا أرىَ الــفـوزَ أنْ نـفـوزَ بـكـأسٍ
مــعَ أنِّــي خـيلي مـداها الـرِّياحُ
فـحـضورُ الـضُّـيوفُ فــوزٌ كـبـيرٌ
هُــــوَ فــــوزٌ قـلـبـي لـــهُ يــرتـاحُ
وبأخلاق الفرسان العرب الكبار ينعطف صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم إلى المغزى الإنساني العميق لهذا السياق، فهو لا يبحث عن الفوز لمجرد الفوز بل يرى أنّ في حضور الضيوف واجتماع السواعد القوية والخيول الأصيلة لشهود هذا الحدث العالمي فوزاً كبيراً يرتاح له قلب صاحب السموّ وتلتمع بسببه عيناه بالسعادة والنشاط والسرور، وإلا فإنّ خيل صاحب السموّ قد بلغت من الاحتراف والتدريب ما يجعلها تسابق الريح، لكن كرم أخلاقه يجعله يمنح الفوز معنى إنسانياً أكثر رحابة ونبلاً وأصالة.
وبِـــهِ كـــانَ لـــي ســرورٌ عـظـيمٌ
وبِـــهِ مــلـؤُ صـــدريَ الإنــشـراحُ
وغــرامـي بـالـخـيلِ حـــبٌ قــديـمٌ
فـهـيَ عـنـدي شــوقٌ ورَوْحٌ وراحٌ
ملامح الإنسانية
وبهذه الخاتمة البديعة يعبّر صاحب السموّ عن أعمق ملامح الإنسانية التي هي طبيعته الصادقة، فهو صادق الحب للخيل وعلاقته بها هي تلخيص لحياته الرائعة التي تحتاج إلى دراسة متكاملة تكشف عن تغلغل حسّ الفروسية في وجدان صاحب السموّ واستيلاء حب الخيل على شغاف قلبه، لكن المقام لا يسمح بغير هذه الإشارة، فالخيل عنده هي هذه الثلاثية التي ختم بها هذه القصيدة الباهرة: (شوقٌ ورَوْحٌ وراحٌ) لتذكرنا هذه الألفاظ المرهفة، وهذه القافية النادرة بقصيدة شهيرة طارت في الآفاق لشهاب الدين السَّهْرَوَرْديِّ على الرغم من اختلاف البحر إلا أنّ هناك صدى عجيباً لذلك الصوت القديم، حيث يقول:
أبداً تحنُّ إليكمُ الأرواحُ
ووصالكم ريحانُها والراح
وقلوبُ أهل ودادكم تشتاقكم
وإلى لذيذ لقائكم ترتاح
لا يطربون بغير ذكر حبيبهم
أبدا فكلّ زمانهم أفراح
فتشبّهوا إن لم تكونوا مثلهم
إنّ التشبّه بالكرام فلاحُ
وأنت يا صاحب السموّ معدن الأصالة والكرم الذي نقتدي به ونتشبّه بأخلاقه وشمائله الرفيعة العالية.
