اليوم تحتضن دولة الإمارات العربية المتحدة الدورة الجديدة لكأس دبي العالمي لسباق الخيول لعام 2019، وقد تزينت أرض «ميدان» في دبي بـِشِيات تلك الخيول المتحمسة للفوز، واخلولق الفرسان أن يحتلوا المراكز الأولى في هذا السباق، وواسطة العقد من يحتل المركز الأول. لكن قبل ذلك يسعدني أن أقول: استطاع المكتب الإعلامي لحكومة دبي، أن يقيم أصبوحة أدبية (جلسة شعرية) بنجاح، في فندق «ميدان» على مقربة من الحدث زماناً ومكاناً، وقد دعا إليها نخبة من الشعراء والمثقفين وقيادات العمل الإعلامي.

مفاجأة شعرية

ولا أنسى أن أقول أيضاً: إن الديوان الشعري الجديد لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، كان مفاجأة الأصبوحة، لأنني في الصباح كنت قرأت خبراً في الصحف بأن ديواناً جديداً سيصدر، وكعادتي حلمت بأن أكون أول من يقرأ ذلك الإصدار الجديد. وفي الجلسة فوجئت بالديوان عندما رأيته أمامي فعلاً، فعلمت حينئذ أن حلم النهار يمكن أن يتحقق، وفي دبي كل حلم يتحقق بفضل الله ثم بفضل رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.

والآن دعوني قبل أن أتحدث عن الديوان أشكر المكتب الإعلامي لحكومة دبي وعلى رأس المكتب منى غانم المري المدير العام للمكتب، وكذلك الطاقم الذي يعمل معه بتميز. كما أشكر من البداية الرسامين الذين لخصوا فحوى القصائد في صور صاحب السمو مع الخيل، فالصور جاءت معبرة جداً ودقيقة جداً، وبالأخص صورة الغلاف التي وحدها تكاد تكون ملخص قصائد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في حب الخيل.

أما الديوان فقد تميز بإخراج فني رائع، ويكفيني منه اسمه: «قصائدي في حب الخيل»، حيث نلاحظ أن سموه لم يقل قصائدي في الخيل، لأن الذين قالوا قصائدهم في الخيل ربما هم خلق كثير، ولكن الذي أحبَّ الخيل والخيل أحبّته، ربما ينفرد في هذه السمة واحد هو صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.

توقيت مثالي

وسموه عندما يحب يختلف عن غيره، فهو يخلص في حبه، وعندما يعِد يفي بوعده، وعندما يقول يصدُق في قوله والفعل عنده يسبق القول، وقلما تجد زعيماً آخر اتصف بمثل هذه الصفات القيادية المـُثلى في مثل هذا الزمن وهو زمن التحدي.

إن المكتب الإعلامي لحكومة دبي اختار توقيتاً مثالياً جداً لإصدار هذا الديوان في مثل هذا الوقت، الذي تستعد فيه دبي لخوض سباق عالمي كثير التحدي، وكان المكتب ذا حس مرهف جداً عندما أصدره باللغتين العربية والإنجليزية، إذ سوف يمتلئ المضمار بعشرات اللغات والأمزجة، وسوف يقول بملء فيه:

سلوا كؤوس الطلا هل لامستْ فاها

                                واستخبروا الراح هل مسّت ثناياها

باتت على الروض تسقيني بصافية

                                 لا للســــــُـــــــلاف ولا للورد ريّاها

ما ضرّ لو جعلتْ كأسي مراشفها

                                  ولو سقتــني بصافٍ من حُمياها

نعم.. نعم.. بدأ الفوز يداعب أحلام الفرسان، وطفقت عيون السمراوات والشقراوات اللاتي أتين من كل فجّ، تترقب وترقب صوت سنابك الخيول التي بدأت تقترب من العدّ النهائي.

 

فلسفة عميقة

ومثل هذا السباق الذي يحدد المصير، كم يسهر عليه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بنفسه في كل عام، وسموه هو الذي علّمنا أن نكون أو لا نكون، وهو الذي قال في كتاب قصتي: «علمتني خيلي الأولى أن الإنجاز لا يأتي على طبق من ذهب، وعلمتني أنه عندما تحب أنت شيئاً واصل فيه حتى النهاية، وعندما تريد إنجازاً أعطه كلك، لا تعطه بعضك إلا إذا كنت تريد نصف إنجاز أو نصف انتصار».

أجل وبهذا المنطق الفلسفي العميق استهل سموه ديوانه الجديد: «قصائدي في حب الخيل»، وهذا الديوان احتوى بين دُفـّتيه على ثماني عشرة قصيدة بدأت بكأس دبي العالمي 2، وانتهت بكأس دبي العالمي 1، وكلها من القصائد التي نشرها سموه في حينها.

لكن ما يلفت النظر أن أشعار سموه في الخيل من القديم الذي يتجدد كل صباح وكل مساء، لأن كلماتها تنبض بمعاني الحب والحياة التي لا تتوقف، فمن تفاؤل إلى تحدّ، ومن نجاح إلى فوز، ومن إبداع إلى ابتكار، ومن محلية إلى عالمية وهكذا.

 

لون جديد

والحق يقال، استطاع المكتب الإعلامي أن يبتكر لوناً جديداً في العرض، حيث عرض بعض القصائد النبطية على غرار قصائد التفعيلة، ما جعل الكثيرين يقرأونها قصيدة تفعيلة فعلاً.

ثم إن عرض الصور هكذا قائمة على أصولها واحدة تلو أخرى، بدلاً من أن تكون أشباحاً مستلقية على ظهورها في بطون الصفحات، أضفتْ على الديوان طعماً جديداً للصور، ونكهة حداثةٍ مبتكرة، لأن القارئ يتلمس بيده تلك الصور وكأنها مجسمات.

والصور أجملها كانت تلك الصور المرسومة التي وفق فيها الرسامون الإماراتيون في بلوغ الغاية، ولولا أن شعورهم امتزج بشعور صاحب السمو في حب الخيل، لما استطاعوا أن يعبروا هذا التعبير الدقيق الموحي بأن الحصان إنسان.

انظر على سبيل المثال إلى صورة الغلاف كيف يقترب فيها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد برأسه وحنوه من رأس الحصان، والحصان مُقدّر ذلك الشعور من سموه، مُستمتع بكلمات الحب والوفاء التي تنساب في أذنه كالشلالات أو كالجداول.

ثم انظر كيف يتناجيان في صمت مدهش، وهما غارقان في التفكير العاطفي والحب الذي لا انفكاك منه، كيف لا وهما متفاهمان تماماً منذ زمن بعيد، فسموّه يفهم الخيل والخيل تفهمه ولا تكلّف بينهما في تبادل المشاعر وقراءة الأفكار، ومن شدة وثوق سموه من هذه العلاقة فإنه عبر في أكثر من قصيدة عنه قائلاً:

حبْ الرِّمَكْ يجري بشراييني

                         آحبِها وآحبْ طاريها

إظهورها عِزْ وشرَفْ تالدْ

                          وبطونها كَنْزْ إلمِحبّيِها

إتْعَرفِني وإتعَرفْ أسلوبي

                         والخيلْ تِفْهَمْ طِبْعْ راعيها

عطيتها لي مَرْ منْ عمري

                      واللي بقىَ منْ العمرْ بَعْطيها

وقال أيضاً:

مِـــنْ عَــلَّـمْ الخيلْ أنْ بإسـمي تـنـاديـني

                    وأنِّــــي إذا جــيــتْ مِ الــبِـعـدْ إتِّـلَـقَّـاني

تــفـرَحْ بـقـربـي وتـمـازحـني وتـحَـيِّيني

                    وَإنْ غــبـتْ عـنـهـا عــلـىَ نــارْ إتِّـرَيَّـاني

 

أقول إن مثل هذه العواطف الجياشة لا تكون إلا بين إنسان وإنسان، وهل الشيخ محمد بن راشد كان يعبر بمثل هذه التعابير لولا أنه وجد في الخيل إنساناً غير مرئي، وعشقاً غير مسبوق إليه؟

 

ترجمة السماحة

هذا ولقد أحسن المكتب الإعلامي عندما ترجم هذه القصائد إلى لغة عالمية، فمن المهم أن تطلع الغرب على ثقافة الإنسان الإماراتي أولاً والعربي ثانياً، وتفهم مدى رقيّ إحساس هذا الإنسان الشرقي، ولقد أخطأ من قال إن الرفق بالحيوان موطنه الغرب فقط، ففي الإمارات نعامل الحيوان معاملة إنسانية.

كلا ثم كلا فالصحيح أن إرهافية الحس نعمة من الله يضعها في قلب من يشاء من عباده، ومن لا يحترم الخيل لا يحترم الإنسان، وإن ديننا الإسلامي جاء ليؤكد هذا المعنى.

أو بعبارة أخرى، إن الأريحية والسماحة والاحترام وتبادل الإحساس والشعور من صميم تعاليم الأديان السماوية كلها، فاليهودية والمسيحية والإسلام كلها تنهل من منهل واحد، إلا أن المتطرفين في هذه وتلك شوهوا سمعة الدين الخالص.

ولو لم تكن هذه السماحة في العرب وغير العرب، لما تبادلت الديانتان المسيحية والإسلام الشعور الأخلاقي الراقي بحضور شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان على أرض أبوظبي عاصمة السماحة.

 

لغة عالمية

نعم.. نعم والخيل وإن كانت في الأصل عربية المنشأ والمولد، وقبل أن تكون عنصر اقتصاد أو رياضة أو زينة، فإنها لغة إنسانية عالمية تجمع الشرق بالغرب، وأكبر شاهد على صحة ما أقول هو وجود هذه النخبة العالمية للملاك والمدربين والفرسان العالميين على أرض الإمارات في جو من الحب والإخاء والتسامح، الذين يمنحهم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أعلى الجوائز وأغلاها.

فلا غرابة إذن أن تلتقي دول العالم على أرض الإمارات وفي مضمار دبي العالمي، لتنشد التنافس الشريف على كأس البطولة، وفي المقابل لا غرابة من دبي أن ترحب بهذا التجمع السنوي وتقول:

هو شعار المهرجان

                  مرحبا بالعالم

بالسعادة والأمان

                  كل ضيف مسالم

له على هذا ضمان

                  ومن يجينا غانم

وتقول أيضاً:

يا مَرحِبا بالخيلْ واللِّي مَعْ الخيلْ

                   أهلْ الشَّرَفْ والمرجلِهْ والمعالي

 

قدرات إبداعية

وعوداً إلى ديوان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، فإن الباحث والأديب سلطان العميمي مدير أكاديمية الشعر في أبوظبي، تناول في الجلسة التمهيدية بعض قصائد الديوان بالعرض والشرح، وأبرز جوانب الجمال والحكمة والحنكة فيها، ولفت أنظارنا إلى قدرة الشاعر الإبداعية من خلال بعض القصائد منها قصيدة اليمامة، وانتصار، وتحدي، وكأس دبي العالمي رقم 1 التي منها هذان البيتان:

فيهنْ صفاتْ الإنسْ فهمْ المعاضيلْ

                            وفيهنْ صفاتْ الجنْ في الإحتمالي

إكرامهنْ فعلْ الكرامْ الرِّجاجيلْ

                            ومنْ هانهنْ جاهلْ منْ الفهمْ خالي

وقصيدة انتصار التي منها:

وْخَيْلي هِيْ الخَيْل وَآنَا لْعَوْقهـا دِكْتَـــوْر

                          أفْهَمْ عَلَيْها وْ تِفْهَـــمْ لِيْ وْ تِقْــــــرا لي

دَرَسْتها عِلْم خَذْتِهْ مِنْ لِجُــوْج بْحُـــوْر

                           وْوَرَّدْتها مَوْرِدْ الأمْجَــــادْ بَافعـــالي

من فوقْ خَمْسِيْن دَوْلِهْ فِعْلها مَخْطُوْر

                          وِامْيِهْ وْ سِتِّيْن كِيْلو ما لهِـنْ والـــي

 

هذه الأبيات وتلك تدل على مدى ارتباط الشيخ محمد بن راشد بالخيل وأهل الخيل، وقدرته على تحمل الصعاب في سبيل الحصول على الفوز والمركز الأول الذي أصبح شعاره وشعار شعبه، وفي سباقاته العالمية «غودلفين» تعلن التحدي دائماً.

 

أجمل الحوارات

والحقيقة أن قصائد سموه كلها تستحق منا وقفة تأمل وإعجاب، وتحتاج إلى دراسة أدبية وافية، لأنها تلخص لنا حياة الخيل والخيّال، وقد أشار سلطان العميمي إلى قيم كثيرة موجودة في الخيل تكاد تكون هي قيم إنسانية، فبين الخيل والإنسان أكثر من علاقة وأكثر من تشابه في الإحساس والخلق الكريم.

ثم ما أجمل الحوارات التي تكون بين الشيخ محمد ونجله الفارس الشيخ حمدان بن محمد، الذي أخذ الكثير من صفات والده، والخيل والفروسية والشعر هي حلبة الالتقاء والتحاور بينهما، وخذ على سبيل المثال قصيدة يا سهمي الرابح التي يقول فيها:

إنته على ذوقي رسمتك معاني

                        وعوّدتني (حمدان) تحقيق الامال

إنته عليك إذا أراهن رهاني

                        يا سهمي الرابح على كل الاحوال

مبروك يا (حمدان) أغلى التهاني

                       والخيل بك تفرَحْ وتفخَرْ وتختال

 

على كل ففي قصائد الديوان الكثير من الجماليات والرمزيات والوطنيات والمثاليات التي يفتخر بها عالم الخيل والفروسية، لكن لضيق المساحة المخصصة للنشر نكتفي بهذا القدر، وإلا فإن:

القلب قد أضناه عشق الجمال

                        والصدر قد ضاق بما لا يقال

وإنني إذ أشكر في الختام صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد على هذه الباقة المنتقاة من غرر قصائده، أشكر مكتبه الإعلامي الذي يعدّ اليوم الوجه المشرق لدبي.

كما أشكر معالي سارة بنت يوسف الأميري وزيرة دولة التي تميزت في الجلسة التمهيدية، وقدمت باللغة الإنجليزية، ما أثلج صدور الحاضرين والحاضرات من الجنسيات غير العربية، فأوصلت إليهم في تلك الجلسة، ما أرادت الإمارات ودبي أن توصل إليهم، من أصالة هذا الشعب ومن ثقافته المستوعبة لكل حضارات العالم، وخاصة في حب الخيل وما في فكر الشيخ محمد بن راشد.

كما أشكر ثانية الأديب سلطان العميمي، وسعيد بن حميد الطاير الذي استضاف الجلسة في فندق «ميدان» المتميز. وإنني إذ أبارك لدولة الإمارات العربية وكل الدول المشاركة في هذا السباق كل إنجازاتهم، أتمنى لهم الفوز والتألق والنجاح، وأسأل الله أن يجعل الفوز بالمركز الأول حليفنا، وليس ذلك بغريب على امبراطورية «غودلفين» العالمية.