الإمارات.. دولة مدت جسور التسامح وبسطت يد السلام لأمم الأرض كافة

يعد التسامح والاعتدال ثقافة متجذرة تسكن وجدان الشعب الإماراتي منذ القدم وهو نتيجة طبيعية لما عايشه أهل الإمارات بين الانفتاح على البحر وسحره الذي يدفع السكان إلى محاولة الغوص في مجاهله واكتشاف الغموض الذي يحيط به والصحراء ذات الأفق الممتد بلا نهاية الأمر الذي يدفع سكانها إلى كثرة التنقل والترحال بحثا عن مصادر الأمن الغذائي والاجتماعي مما يجعل سكانها أكثر ميلا إلى إعانة الآخرين وإكرامهم .

ولأن دولة الإمارات دائما سباقة في ميدان التميز ورائدة في تبني الأفكار والمبادرات الملهمة انصب فكر وجهد القيادة الرشيدة في الآونة الأخيرة على مأسسة موروث التسامح فقد أعلن صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة "حفظه الله" عام 2019 عاما للتسامح في دولة الإمارات وسبق هذه المبادرة التاريخية الإنسانية الفريدة استحداث وزارة للتسامح هي الأولى من نوعها عالميا.

ويدرك كل باحث أو متخصص دون عناء أن المجتمع الإماراتي الذي مارس الصيد وركوب البحر وتجارة اللؤلؤ منذ قديم الأزل لابد وأن يتسم بشكل عام بالانفتاح وامتلاك القدرة على التعايش والتواصل وقبول الآخر ومن ثم كان انتقاله إلى مجتمع التطور والحداثة من خلال بوابة التسامح والتعايش وقبول الآخر أكثر سهولة ويسر من غيره مما جعل الإمارات اليوم بيئة مفضلة للعيش والإقامة وبؤرة جذب للاستثمارات العالمية من مختلف أرجاء المعمورة خلال سنوات قليلة.

وأضحت الإمارات اليوم مجتمعا عالميا تلتقي فيه ثقافات العالم حيث تحتضن على أرضها أكثر من 200 جنسية من مختلف دول العالم وتسود المودة بين الجميع في دولة تعد نموذجا رائدا في التسامح والتعددية.

ومن يستعرض تاريخ دولة الإمارات وشعبها قبيل تأسيس اتحادها المجيد على يد المؤسس والباني المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "طيب الله ثراه" وإخوانه القادة المؤسسين الأوائل في الثاني من ديسمبر عام 1971 يدرك أنه منذ بدايات التأسيس الأولى قبل أكثر من أربعة عقود ونيف نادى الشيخ زايد بإقامة اتحاد الإمارات كي تكون قادرة على مواجهة التحديات المرتقبة مؤكدا بذلك إيمانه الشديد بقيم التعايش والتكامل.

ونجح بحنكته وحكمته السياسية في بناء توافق الآراء من خلال التشاور وإقناع جيرانه بأن قوتهم المستقبلية تكمن في وحدتهم وتوجت جهوده القيمة وجهود إخوانه حكام الإمارات بالإعلان عن ميلاد دولة المحبة والسلام والتسامح .. وطن يتعايش فيه المواطنون والمقيمون من مختلف الأجناس والأديان في بيئة مثالية للعيش الكريم والسعادة للجميع.

ومنذ تولى المؤسس الراحل مقاليد الحكم سعى إلى جعل الإمارات "دولة سلام وتسامح" بكل ما تحمله الكلمة من معنى حيث تمكن من مد جسور المودة والصداقة مع كثير من شعوب المنطقة والعالم من حوله شرقا وغربا وفي كل اتجاه.

وأرسى "رحمه الله" دعائم تربية التسامح للشعب عامة إذ تجلت في العديد من خطبه وكلماته التي دعا من خلالها الإنسان الإماراتي إلى الالتزام بروح التسامح والمحبة والألفة وشدد على أن البعد عن التسامح في المجتمع هو في الحقيقة بعيد كل البعد عن الفكر الإسلامي .. فقد قال: "التسامح واجب.

إذا كان أعظم العظماء الخالق عز وجل يسامح. نحن بشر كلنا إخوة، المصيب أخ والمخطئ أخ. لا نترك المخطئ ولا ننبذه، بل نساعده وننجده ليصل للطريق الصحيح." .

ولقد آمن الشيخ زايد "رحمه الله" أن السلام والتسامح هو الطريق لتحقيق التقدم والتنمية في دول العالم قاطبة فكان له إسهام كبير في مجال تعزيز وتعميق أسس السلام في العالم منطلقا من رؤية إنسانية للعلاقات الدولية..

فكانت دعوته المتكررة إلى نبذ الحروب والصراعات المسلحة والحرص على حل أي خلاف مهما كانت درجة تعقيده بالطرق السلمية حتى وصفه وزير الثقافة الفرنسي السابق فريديريك ميتران: " إن الشيخ زايد "رحمه الله" كان مثالا عالميا لرجل السلام الذى يمتلك رؤية واقعية قائمة على أساس تعزيز روح التعايش السلمي من خلال ترقية المصالحة ونبذ الخلاف والنزاع وكذلك بتعزيز موقف دولة الإمارات العربية المتحدة في العالم ما جعل بلاده تحقق نجاحا باهرا على صعيد الدبلوماسية الدولية".

وعمل المؤسس الراحل على إرساء قواعد العدل والمساواة بين المواطنين كافة فرسخ مبادئ التسامح والإخاء والتكافل المتجذرة في ثقافة المجتمع الإماراتي ودعم ذلك بسلسلة من القوانين والإجراءات لإقرار الحقوق الأساسية للجميع بدون تمييز.

والملاحظ أن فكر الشيخ زايد دائما يضع الإنسانية قبل القانون ويقدم قيمة الإنسان على قيمة المادة مهما عظمت حتى أن مفهوم التوفيق والمصالحة قد صار "وما زال" قيمة أساسية من قيم ميزان العدل والقانون في الدولة بل هو مفهوم قد صار قانونا معمولا به وانطبق بالتالي على آلية التفاوض في مختلف القضايا الإقليمية والدولية من خلال الخطاب السياسي والأداء الدبلوماسي الإماراتي الذي أحرز منجزات ظاهرة وباطنة عادت على الإمارات بالسلام والوئام والتصالح.

ولأن برامج التنمية لا بد لها من مناخ آمن وعادل كي تستمر عجلاتها في الدوران جاءت أهمية شبكة العلاقات بين الإمارات وجميع الأصدقاء والأشقاء في ظل عصر يأخذ بمفاهيم العولمة والانفتاح بين كل الشعوب وانسياب التجارة العالمية وتشابك المصالح.

ومن هذا المنطلق وفي إطار تجربتها الرائدة والملهمة عالميا في العمل الحكومي أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي "رعاه الله" خلال فبراير 2016 عن استحداث أول وزارة للتسامح لم يضمها أي تشكيل حكومي في العالم.

ويعتبر استحداث وزارة للتسامح هي الأولى من نوعها في العالم الخطوة الأولى من أجل أن تكون الإمارات واحة للتسامح ولمكافحة التمييز والكراهية والقضاء على الإرهاب.. إنه امتداد للعهد الذي بدأه زايد الخير ونتاج الحب الأبوي الذي أعطاه لأبناء الإمارات فأصبحوا يلقبون بأبناء زايد.

وتكريسا لهذا النهج أعلن صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة "حفظه الله" في منتصف شهر ديسمبر الماضي أن عام 2019 سيكون "عاما للتسامح" وليرسخ دولة الإمارات كعاصمة عالمية للتسامح ويؤكد قيمة التسامح باعتبارها عملا مؤسسيا مستداما من خلال مجموعة من التشريعات والسياسات الهادفة إلى تعميق قيم التسامح والحوار وتقبل الآخر والانفتاح على الثقافات المختلفة.

واعتبر أن عام التسامح هو امتداد لـ "عام زايد" كونه يحمل أسمى القيم التي عمل المؤسس الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان على ترسيخها لدى أبناء الإمارات.

ومن هذا المنطلق شدد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم على أهمية أن يكون عام 2019 عاما للتسامح في الإمارات قائلا: "التسامح هو عنوان المجتمعات المتقدمة فكريا وإنسانيا، تعزيز الدور العالمي الذي تلعبه الدولة كعاصمة للتعايش والتلاقي الحضاري من أدوات التمكين الحضاري، وضمان لاستقرار وازدهار الأمم.".

إن السماحة والتسامح التي بدأ بها الشيخ زايد واستمرت عليها القيادة الرشيدة في ترتيب شؤون الدولة الإماراتية الحديثة قد أثمرت وأينعت ودان قطافها عندما ترقب العالمان الإسلامي والمسيحي من أقصى مشارق الأرض إلى مغاربها زيارة قداسة البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية وفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر إلى دولة الإمارات الشهر الماضي.

وعلى مر السنين كانت الإمارات مهدا للتسامح والمحبة ومركزا لحوار الأديان ولكن زادت وتيرة نشاطها في مجال التسامح منذ إعلان عام 2019 عاما للتسامح ومنها أراد البابا فرنسيس وشيخ الأزهر التأكيد على رسائل السلام والتسامح وترسيخ قيم المحبة بين البشر وهو ما تؤمن به دولة الإمارات العربية المتحدة وتعتبره جزءا لا يتجزأ من رسالتها نحو العالم.

وتجسد تلك الزيارة التاريخية الدور الرائد الذي تؤديه الإمارات كعاصمة عالمية للتسامح والأخوة والإنسانية وهو أمر تتناقله الأجيال فيما بينها في دولة التسامح والمحبة.

لم يكن التسامح شعارا رفعه الإماراتيون مجردا عن الواقع بل هو ممارسة عملية للساسة والشعب اليوم وبالأمس مدوا جسور التسامح وبسطوا يد السلام لأمم الأرض كافة من خلال منظومتهم الفكرية والثقافية مما جعل الإمارات اليوم شريكا أساسيا في اتفاقيات ومعاهدات دولية عدة ترتبط بنبذ العنف والتطرف والتمييز وأضحت عاصمة عالمية تلتقي فيها حضارات الشرق والغرب لتعزيز السلام والتقارب بين الشعوب كافة.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات