#حكايات_لكبار_المواطنين

«خرّوفة» ليوم غائم.. أحمدية عبد الواحد 64 سنة ربة منزل

«بياحو بياحو، لا ريقونيه، ولا غدونيه، ولا عشونيه».. حين كنت أصل إلى هذه الجملة، كنت ألمح مشاعر الهلع في عيون ابنتي. كانت تحب الطعام، وتحب الاستماع إلى «خروفة: بديح بديحوه»، التي تتحدث عن طفلة يتيمة تتواصل مع جنية البحر وتطلب منها العطايا والحظ السعيد والثراء. ربما لأن ابنتي كانت مثل بطلة القصة يتيمة أيضاً. كانت الخروفة هي التسلية الوحيدة التي بوسعي أن ألهي بها أبنائي وبناتي عن السؤال الصعب: أين أبي؟.

أصبحت أرملة قبل أن أتم العقد الثالث من عمري. شعور لا يمكن وصفه، ولا أتمنى لأي امرأة أن تشعر بمرارته. إنه يشبه ذلك الإحساس الذي يتولد لديك في يوم غائم وحزين، لكنّ هواءه ليس بارداً أو منعشاً، بل مغبراً ومخلطاً، يجعلك تشعر أن كل ما حولك فارغ وخاوٍ وكأن الطرقات أصبحت خالية وعنوان بيتك مجهولاً، وحتى لو عرفته، ليس لديك أي رغبة بأن تتوجه إليه. هذا هو الترمّل. هذا معناه. أن يكون لديك بيت لكنك تشعر أنك في العراء. لكن أولادي هم دوماً من أعادوني إلى البيت. صرخاتهم وضحكاتهم وأسئلتهم التي لا تنتهي: أين أبي؟.

قلت ذات يوم ذهب مع «البياحة الأنسية» (الجنية). كذبت. ويا ليتني لم أفعل. لقد تعلقت ابنتي بشكل خاص بهذه «الخروفة» وباتت تحلم كما بطلة الحكاية بالطعام الذي سيرمى لها من «سيف البحر» (الشاطئ) وفتى الأحلام الذي سوف يتزوّجها، وفي ليلة العرس يفتح لها كفه فتنهمر النعم عليه ويصيبه الثراء. لكن الواقع ليس في الخراريف. إنه أكثر قسوة وأقل حلماً وخيالاً. بل قد يكون في كثير من المرات مضجراً. لكن الترياق الوحيد هو الصبر والتوكل.

كانت حياتي صعبة. امرأة وأرملة تربي خمسة أبناء وبنات ولا معيل. لكنني استمريت، لم أحقق لهم الأماني، ربما، التي يختمون بها الخراريف، لكنني عبرت بهم إلى بر الأمان.

الأيام تتوالى. وكنت أصحو قبل الديك لأرسم خطة اليوم: أين أذهب؟ ماذا أعمل؟ من سيعينني اليوم؟ كيف بوسعي أن أدبر الطعام؟ حذاء البنت وكتب الولد؟ في بعض المرات تمنيت لو يقف أحدهم إلى جانبي، أي كان، مهما كان. لا أنسى ذلك المشهد مطلقاً: ذات يوم، نظرت من طرف الباب إلى ديك كان يسرح في خربة قرب بيت جارتي. حدقت فيه. وحدق فيّ. ظننته لوهلة أنه يتحدث إلي. لم أكن مجنونة، ربما تأثرت بعض الشيء بالديم في قصة «بديح بديحوه» الذي يكشف الحقيقة ويتكلم عن بنت جميلة حبسوها في التنور. اشتهيت أن أكون أنا تلك البنت. لمرة واحدة فقط شعرت أنني لا أريد أن أخرج من التنور إلى العالم الواسع الشاق والقاسي.

تغيرت الأمور بطريقة جوهرية. تطورت البلاد. اليتم والترمّل لا يتطوران، ولا يختلف الإحساس بمرارتهما، لكنّ الداعمين باتوا كثر، والخير موجود ويهوّن الفقدان.

علمتني الحياة

الوحدة مرّة لكنّ الأمرّ أن تشعر بها وحولك مئات

الصبر هو العلاج الوحيد لمرارة الأيام

الأمل بغد أفضل ضروري لكي تستمر

الترمّل يحوّل المرأة إلى أم وأب أي إلى حياة كاملة

ما تزرعه تحصده لذلك ازرع دوماً وفي كل مكان

يأتي في حلمي

أحضن ابنتي وتبكي وديك يصيح

سور حديقة موشى بلون الذهب وورد عليه

ملح ترشه امرأة مسنة على كفي

عنقود عنب ملفوف بوشاح أبيض

ابنتي الصغيرة تأتي لي بسمكة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات