فما بين الأمس واليوم، تبدّل المشهد، لكنّه أبقى في إصبعها أغلى ما لديها، خاتم صلاتها، الذي جلبته لها أمها الراحلة هديةً من حريصا، حيث تمثال السيّدة العذراء مريم (عليها السلام).. باتت الصبيّة داخل منزلٍ «لها» في محلّة الدورة في بيروت، لا يبعد عن منزلها القديم سوى أمتار، بناءً لرغبتها في البقاء مع الذاكرة المتعلّقة بوالدتها..

والأهمّ، فقد بات لديها كرسيّ نقّال آخر: الأوّل من الماضي وذكرياته الأليمة، والثاني للمستقبل الذي خطّت حروفه الأولى المبادرة الإنسانيّة التي أتت ضمن «رسالة دولة الإمارات، الهادفة إلى دمج أصحاب الهمم بالمجتمع وإعطائهم الأمل»، وفق تعبير سفير الإمارات لدى لبنان الدكتور حمد بن سعيد الشامسي.
ريتا إدوار حجّار. وفي الأسماء تكمن حكاية أليمة مثقلة بالعذاب، عمرها من عمر الحرب الأهليّة في لبنان (1975- 1990)، والتي كادت أن تمحو بياناتها لولا رحمة الخالق، وإنْ رسمت لها خطّ حياة خطرة من دون سقف أو حقوق، وتركت في ملامحها بؤس فئة مهمّشة من الناس اعتادت أن تبحث عن بقايا عيش بالحدّ الأدنى، وأن تروي تفاصيل حكايات هي أكثر إيلاماً من الأرقام.
فصول الحكاية

يومها، حقّقت «رصاصة طائشة» هدفها: جورجيت، المرأة الحامل بابنتها في شهرها السابع، ما اضطرّها للولادة المبكرة، الأمر الذي استلزم وضع ريتا في الحاضنة، والأمر الذي لم يحصل لضيق الأحوال المادية لذويها.. وعندما بلغت الطفلة من العمر 40 يوماً، تعرّضت لأزمة صحيّة أُدخِلت على أثرها إلى المستشفى، وأبلغ الطبيب أهلها حينها بإمكانية موتها في اليوم نفسه..
لكن الإرادة الإلهية أنقذتها، إنّما انعكست على حركتها، ما حرمها قدرة المشي مبكراً كأبناء جيلها. وعندما مشت، كانت تعاني صعوبات كثيرة، وبدأت رحلة علاجها مع عمليةٍ لتطويل الأوتار في رجليها، لم تنجح. وبعد عامين، أجريت لها عملية أخرى، خضعت بعدها لعلاج فيزيائي مكنّها من السير، إنّما بصعوبة..
بعد ذلك، شاء القدر أن تقع يوماً، وأصيبت بنزيفٍ داخلي في رأسها، الأمر الذي أبقاها في المستشفى لأيام عصيبة بين الموت والحياة، لتنتصر أخيراً دقات القلب على خيوط الكفن الذي تسبّب لها بشللٍ كلّي، حكّم عليها البقاء 31 عاماً سجينة غرفة باردة الجدران، من دون أن ترى الشارع، لعدم وجود مصعد في المبنى المستأجر الذي كانت تقطنه مع والديها.
ولكي تكتمل فصول المأساة «المجبولة» بكلّ العذاب، كان رحيل الوالدة في 18 يوليو 2017، نتيجة «انفجار بالرأس، من القهر»، و«طلعت عالسما بتيابها قدّ ما تعذّبت معي»، تاركة وراءها فراغاً قاتلاً في حياة ريتا، ووالدها المسنّ إدوار (مواليد عام 1945/ جديدة المتن)، الذي يعاني بدوره من متاعب إصابته، منذ سنوات، بجلطة دماغية أجبرته على ترك عمله وملازمة البيت، وتركت للأيام أن تتابع مسيرتها على وجهه.
«الأعجوبة»

«ضجرت منّي الحيطان، ومستحيّة تقول».. كلمات ربّما ردّدتها يوماً مع السيدة فيروز، وتقول بغصّة:
«لم أعشْ طفولتي ولا شبابي، لم أعرف سوى الإذلال والفقر والتعتير». وبعيداً من ضوضاء الشوارع، طوت 31 عاماً من عمرها بين أربعة جدران في مساحة صغيرة لم تبارحها يوماً واحداً، منصرفة لصلاتها وحبيسة منزلٍ لم يملّ مالكه من تهديدها ووالدها بالطرد، لعدم قدرتهما على تسديد بدل الإيجار أخيراً، إلى أن حصلت «الأعجوبة»، وفق تعبيرها، في 22 يناير الفائت، إثر ظهورها «اليتيم» على إحدى محطات التلفزة، بهمّة صديقها روي الذي استمع لشكواها من الوحدة القاتلة بعد رحيل والدتها.
وما تبعه من ظروف مسكنها. وبعد أن تمّ التعرّف على حالتها عن طريق لجنة الألعاب العالمية للأولمبياد الخاص «أبوظبي 2019»، كانت المبادرة الإنسانيّة، بتوجيه مباشر من صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلّحة، والتي أخرجتها من الدائرة المفرغة التي كانت أسيرة ضبابيّتها.تتبدّل ملامحها فرحاً، ولا همّ لأرقام السنوات في حساباتها.
وتقول: «إجا السفير الإماراتي وقدّملي هالهديّة. لقيت حالي بين عجقة وسائل الإعلام، لأوّل مرة بحياتي.. الله استجاب لصلواتي وصلوات أمّي، وحلمي تحقّق: بيت مِلْك مجهّز بكلّ شي والبناية فيها أسونسور (مصعد)»، وهي «المعاقة جسدياً»، وفق تعبيرها، التي لم تألف يوماً أيّ عطاء، وهي التي لم يكن لديها همّ سوى الصلاة «من الفجر حتّى النجْر» لتعينها على ما تبقّى من عمرها البائس.. تستدرك: «البيت أكبر من أحلامي حتّى»..

هو منزلٌ مطابق للمواصفات الإنسانيّة، لكونه قدِّم لمن لم يلتفت إليها أحد أو حتى يقدّم لها رغيف خبز، ما أضفى على وجهها سعادة «وِصلت للسما»، وفق قولها، وإنْ كانت سعادة منقوصة «أمّي مش معنا، بس أكيد مبسوطة كتير وصارت مرتاحة بقبرها وعم تصلّليلي».
والدتها الغائبة
«قويّة بالله»، وبصور والدتها الغائبة التي تملأ عليها حضورها.. تتطلّع إلى البعيد كمن يلملم أفكاره، وتسألني: «وفاء، إنتِ مسيحيّة؟».. أجيبها: «أنا مسلمة لربّ العالمين».. نظرة اطمئنان، مرفقة بدعوة مفتوحة لزيارتها في أيّ وقت.
ومن منطلق إيمانها، لا بدّ من توجيه كلمات الشكر إلى كلّ من ساعدها، بدءاً من صديقها روي «اللي فتحلي بواب السما، بعد ما كانت حياتي كلها دموع»، مروراً بلجنة أولمبياد «أبوظبي 2019» التي ستستضيفها ووالدها ضيفَي شرف في الألعاب التي تعقد بين 14 و21 مارس المقبل، والتي تمثل أكبر حدث رياضي وإنساني على مستوى العالم في العام الجاري.
والسفير المصري نزيه النجاري الذي وجّه لها دعوة لـ«شمّ الهوا والكزدرة» في مصر، ووصولاً إلى كلّ الإمارات «بلدي الثاني».
أما شكرها الأكبر والدائم، الذي تعجز عن اختصاره بالكلمات وحدها، فهو لسعادة السفير الإماراتي الذي بات اسمه مرادفاً عندها لكلّ ما تعرفه عن قيم الحقّ والعطاء، «قلبو كبير. متواضع. حنون. ما عندو تعصّب ديني.. ما بنسى جميلو، ورح ضلّ صلّليلو من الصبح للمسا، والله يكافيه (يكافئه)».. ومن ذاكرتها الملأى بتفاصيل ذاك النهار، تسأل: «مين أنا حتى يترك حضرة السفير أشغالو ويهتمّ بأموري؟».
تلتقط أنفاسها بصعوبة، ترتشف قهوتها، ثم تميل إلى الأمام كمن لديها سرّ خطير: «والله، تعبت كتير صحياً من الحكي مع وسائل الإعلام.. بس كرمال عيون السفير وكلّ شعب الإمارات، رح ضلّ إحكي عن اللي صار لآخر لحظة بحياتي».

في منزل العمر الذي حصلت عليه الفتاة اللبنانية من أصحاب الهمم ريتا إدوار حجّار بتوجيهات من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، زارتها «البيان» ونقلت عنها أعظم مشاعر الامتنان والشكر لسموه على هذه اللفتة الكريمة.
وكان تقرير تلفزيوني قد بث عن حالتها، وحالة والدها، على أثر إصرار صاحب المنزل الذي يقطنان به على إخلائه بعد تراكم أقساط الإيجار.
وتم تنفيذ توجيهات سموه بشكل فوري، وقام سفير الدولة في لبنان حمد الشامسي بزيارة الفتاة ريتا البالغ عمرها 30 عاماً في منزلها القديم، وقام شخصياً بنقلها ووالدها إلى منزلها «الملك» والذي جرى تجهيزه ليناسب إعاقتها، وتم تعيين مدبرة منزلية لتقوم على شؤونها.
اطمئنان
بعد رشفة من فنجان القهوة.. التفت ريتا إلى والدها الذي حفر الزمان حزناً أصيلاً في عينيه، وتمازحه: «القهوة حلوة»، وذلك بعد أن آلمتها دموعه الصامتة فيما يبدو منغمساً في «مجّ» سيجارته. «هلأ ما بقا تبكي، كرمال يسوع المخلّص». دموع امتزجت فيها كلّ مشاعر التعب والعجز والتحسّر والفرح والاطمئنان والامتنان في آنٍ واحدٍ. أقعده المرض، بعد أن كان سائقاً عمومياً على خطّ بيروت - دمشق .
ومن ثم تفرّغه لمهنة صناعة الأحذية. أما اليوم، فقد بات مطمئناً إلى أنّ ابنته الوحيدة، وبفضل من أسماهم «ملائكة السماء»، لن تُجبر على أن تكون يوماً في مأوى تكرهه وتخشى واقعه في لبنان، ولا بدّ يوماً من أن تكون ناشطة في مجال المطالبة بتطبيق «قانون المعوّقين» الذي حرمها من حقوقها. وتبقى أمنيته المعلّقة لأجل غير مسمّى، يختصرها بعبارة واحدة: «بتمنّى تتعافى وتتزوج، وأنا صير جدّو».
أما هي، فقد باتت روزنامة حياتها خالية من الأسى، و«تضجّ» بكلّ ما كانت تتمنّاه: زيارة الكنيسة يومياً، زيارة قبر والدتها، تقوية مهاراتها في القراءة والكتابة، تعلّم مبادئ الرسم، وإجبار من يعنيهم الأمر على الاعتراف بمواطنيّتها، كاملة غير منقوصة، والبداية من حقّها في الاقتراع للمرّة الأولى في حياتها «ولا مرة انتخبت، وما بعرف شي عن هالموضوع.. ما كان في أسونسور. وما كان فيّي روح دبْدَبة».. وضحكة «وسْع المدى»، تختزن في طيّاتها الكثير من التحدّي والأمل، والكثير من الحضور والبقاء.
ريتا حجّار؛ قصة معاناة في عتمة المأساة؛ يأتيها أمل يسطع من #الإمارات يغيّر حياتها بالكامل.. شاهدوا قصتها وماذا ستفعل في #الأولمبياد_الخاص_للألعاب_العالميةhttps://t.co/s3a43aG4mu@WorldGamesAD@UAEEmbBeirut#الأولمبياد_الخاص#أبوظبي_2019#شوف_البيان#البيان_المشاهد_دائما pic.twitter.com/khrySD4eab
— شوف البيان (@ShoofAlBayan) February 26, 2019
