«البيان » تستطلع آراء الخبراء بشأن كيفية مواجهة الأزمات المالية:

إجراءات أمام الحكومات لتفادي تكرار أزمة 2008 العالمية

تزداد المخاوف من وقوع أزمة مالية عالمية جديدة، بعد مرور أكثر من عشر سنوات على الأزمة التي عصفت بالعالم في 2008، وباتت تعتبر أطول وأشد الأزمات منذ الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن العشرين، وذلك على الرغم من التخلص من آثارها وتوابعها إلا أن الوضع المالي الدولي لا يزال ضعيفاً بما لا يجعله يتحمل أزمة مالية أخرى.

«البيان» استطلعت آراء عدد من الخبراء والاقتصاديين لمعرفة مدى إمكانية اندلاع أزمة مالية أو اقتصادية عالمية جديدة، والآليات والإجراءات الواجب على الحكومات اتباعها لمنع تكرار أزمة 2008، في ظل الجدل الدائر عما إذا كانت الجهود التي بُذلت كافية لمنع حدوث أزمة محتملة وتخفيف الضرر الذي ما زال مستمراً.

وحدد هؤلاء 10 إجراءات رئيسة أمام الحكومات لتفادي تكرار أزمة 2008 منها إصلاح النظام المالي وحسن إدارة الدين العام، والتعاون بين جهات الإشراف المالي والبنوك المركزية، بالإضافة إلى تعزيز الثقة ببيئة الأعمال من خلال زيادة الإنفاق الحكومي علاوة على ترشيد النفقات العامة.

ومضى الآن أكثر من عقد من الزمن على بدء الأزمة في الولايات المتحدة، التي استمرت رسمياً من ديسمبر 2007 وحتى يونيو 2009. وخلال هذه الفترة، أثّر الركود الاقتصادي على معظم مناطق أوروبا، في حين شهدت كل من الصين والهند تباطؤاً في النمو الاقتصادي وعلى الرغم من أن الاقتصاد الأمريكي قد يبدو بحال جيدة، لكن آثار الركود الاقتصادي لا تزال واضحة بالتأكيد.

وتعود جذور الركود الاقتصادي إلى أسواق الرهن العقاري في الولايات المتحدة، حيث تبين أن المقرضين راكموا كميات كبيرة من الديون المستحقة التي من غير المرجح أن يتم سدادها، وأدى عدم المعرفة بالمصارف صاحبة «الديون المعدومة» إلى حالة من الخوف وسحب الأموال، ومن ثم الذعر، حينها، انهار مصرفان كبيران يتمتعان بسمعة حسنة، أولهما «بير ستيرنز».

ومن ثم «ليمان براذرز» في سبتمبر 2008، وتدخلت الحكومات بسرعة لحماية مصارفها ومؤسساتها المالية التي كانت ضعيفة أمام آثار العدوى.

وجاءت تحذيرات صندوق النقد الدولي في أواخر العام الماضي من ظهور علامات لبوادر أزمة مالية جديدة تلوح في الأفق رغم عدم استعداد الحكومات والبنوك المركزية للتصدي لها، كما حذر البنك الدولي أيضاً من أن العالم ليس في انتظار عاصفة مالية وحسب، بل لا يبدو أنه يقف على استعداد لاستقبالها.

وحذر خبراء الاقتصاد، من أن عبء الدين العام العالمي حالياً يمثل مشكلة متنامية في مختلف أنحاء العالم، حيث وصل لمستويات غير مسبوقة في الاقتصادات المتقدمة منذ الحرب العالمية الثانية، حيث بلغ حجم الدين حول العالم نحو 225% من الناتج المحلّي العالمي، تتوزّع بين: دين للقطاع الخاص (شركات وأفراد) توازي 150% من الناتج المحلّي العالمي، ودين للقطاع العام بنحو 75% من الناتج المحلّي، وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي.

ويتوزع هذا الحجم المقلق من ارتفاع الدين العالمي ونسبته إلى الناتج المحلي، بين الدول النامية والمتقدّمة وبين القطاعين العام والخاص. وأحد العوامل التي دفعت بهذه المعدلات صعوداً، كان ارتفاع مديونية حكومات الدول النامية، بشكل كبير، خلال السنوات التي تلت الأزمة المالية عام 2008.

فيما أظهر تقرير صادر عن معهد التمويل الدولي التابع للبنك الدولي أن الدين العالمي يقترب من مستوى قياسي جديد يناهز 244 تريليون دولار رغم التراجع قليلاً من مستوى بداية عام 2018 الذي سجّل ديناً بنحو 247.7 تريليون دولار، ما يثير المخاوف حيال قفزة وتراكم الديون وتأثيره على نمو الاقتصاد العالمي، حيث إن تقديرات المعهد الدولي تشير إلى أن هذا الحجم يفوق ثلاثة أضعاف حجم الاقتصاد العالمي.

وأشار التقرير أيضاً إلى أن الدين العالمي تجاوز 318 % من الناتج المحلي الإجمالي – بالقرب من أعلى مستوى على الإطلاق سجّله منتصف عام 2016 عند 320%.

ديون الشركات

يشكل نمو ديون الشركات خاصة في الدول النامية خطراً، خاصة مع ارتفاع أسعار الفائدة عندما يقيم الدين بالعملة المحلية، إذا تراجعت قيمة العملات المحلية وقد تقع الشركات في دائرة مفرغة تجعل من السداد أو إعادة التمويل أمراً صعباً، كما أن تراجع أسعار العملة التركية يبعث بهزات في الأسواق، مما يجعل بنوكاً أوروبية وغير أوروبية في خطر.

وسيحل سداد عدد من السندات التي تدين بها الشركات في السنوات الأربع المقبلة، وسوف يكون هناك حاجة سنوية لإعادة التمويل ما بين 1.6 تريليون إلى 2.1 تريليون دولار. وفي الولايات المتحدة، هناك خطر جديد يظهر هو القروض من المؤسسات غير المالية، حيق أثبتت الأرقام أن هذه الجهات المقرضة، وهي غير مصرفية، تزيد قروضها على نصف الرهونات العقارية حسب أرقام 2016.

وبحسب خبراء اقتصاديين، فإنه في حال وقوع أزمة مالية بالفعل فإن تأثيرها لن يكون محدوداً على الاستثمارات الصغيرة والأفراد فقط، بل سيطال المؤسسات الاستثمارية الكبيرة.

وفي تقرير حديث نشرته مجلة فورين بوليسي الأمريكية، جاءت الإجابة عن السؤال: هل العالم أكثر حصانة مقارنة بالوضع الذي كان سائداً في 2008؟ إيجابية ولكن ليس بشكل كافٍ، فرغم التقدم الملحوظ في الأنظمة المالية منذ الأزمة السابقة، لا تزال هناك مخاطر جديدة محتملة تنبثق من المشهد المالي المتطور سريعاً.

مواجهة

ومن جهته طالب الدكتور محمود محيي الدين، النائب الأول لرئيس البنك الدولي، الحكومات بضرورة العمل على مواجهة أي احتمالات لحدوث أزمة مالية عالمية جديدة نظراً لأن الآثار السلبية لها ستكون أصعب على الاقتصادات والأفراد من الأزمة السابقة، مرجعاً ذلك إلى أن ظروف التعاون الدولي والرغبة الجماعية في احتواء أية أزمة عالمية أقل مما كانت عليه في 2008.

وقال في تصريحات لـ «البيان» إن إصلاح النظام المالي وحسن إدارة الدين العام واتخاذ التدابير الاحترازية من الممكن أن يخفف من تأثيرات أي أزمة محتملة.

وأكد أن التعاون بين جهات الإشراف المالي والبنوك المركزية علاوة على وجود احتياطات مالية تعتبر ضوابط مانعة للبنوك من الانخراط في أنشطة مالية مرتفعة المخاطرة، مشيراً إلى أن هناك قوانين وقواعد رقابية جديدة صدرت بعد الأزمة المالية ولكن المشكلة ليست في صدور القواعد والقوانين ولكن في إمكانية تطبيقها على أرض الواقع.

وبين أن الإجراءات الاحترازية، منها إدارة الدين العام سواء داخلياً أو خارجياً من الممكن أن يكون أثره جيداً لتجنب حدوث أزمة لدي بعض الدول وانتقالها إلى دول آخرى، ولا سيما أن الكثير من الدول شهدت ارتفاعاً ملموساً في حجم الدين العام.

عدم اليقين

وقال الدكتور فخري الفقي، أستاذ الاقتصاد والمستشار السابق لصندوق النقد الدولي، إن العالم يواجه حالياً مزيداً من عدم اليقين مقارنة بعقد مضى فضلاً عن ارتفاع درجة المخاطر لا سيما مع الاتجاه نحو السياسات الحمائية والحرب التجارية المتصاعدة بين الصين والولايات المتحدة التي تهدد مسار نمو الاقتصاد العالمي.

وأضاف في تصريحات عبر الهاتف لـ«البيان» أن هناك نظاماً جديداً للاقتصاد العالمي لم تظهر ملامحه بعد، حيث سيولد من رحم اقتصاد السوق الحالي وهو نظام إدارة المخاطر والذي يتطلب المزيد من التنسيق في السياسات النقدية والمالية للدول وتبرز معه أهمية المؤسسات المالية العالمية.

وعلى رأسها صندوق النقد الدولي الذي يضع إدارة المخاطر في عين الاعتبار وقام بتحسين قدرته على تحليل ومراقبة مصادر المخاطر وتطوير أدوات لكبح جماح تلك المخاطر، وتعزيز قراءة وتحليل الأنظمة المالية.

كما دخل أيضاً في شراكات مع السلطات الوطنية من خلال مشاورات المادة الرابعة لمساعدتها على صناعة برامج الإصلاح الاقتصادي بنفسها وتحديد نقاط الضعف المحتملة كالديون الكبيرة على المستهلكين والشركات.

واستبعد أن يشهد الاقتصاد العالمي أزمة في القريب العاجل وذلك في ضوء بيانات النمو الاقتصادي ومعدلات التوظيف والتضخم الحالية، حيث لا يزال هناك تحسن في الاقتصاد الأمريكي كما أن الاقتصاد الصيني لم يتدهور نتيجة الإصلاحات الهيكلية علاوة على أن البلدين اللذين يمثلان معاً نحو نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي لديهما قدرة على التعامل مع ديونهما.

وقال أستاذ الاقتصاد والمستشار السابق لصندوق النقد الدولي، إن الحكومات تعلمت الدرس جيداً من أزمة 2008 حيث اتخذت خطوات مهمة وغير مسبوقة شملت العديد من الإصلاحات والتغييرات الهيكلية التي تجعل من انفجار الأزمة بذات الصورة التي وقعت قبل عقد من الزمان أمراً مستبعداً.

مؤكداً أن صانعي السياسات المالية أصبحوا أكثر حرصاً وتحوطاً وانصب اهتمامهم على مراقبة الاستقرار المالي، فضلاً عن قيامهم باختيارات للتحقق من سلامة الإجراءات المصرفية، وتحويل جزء كبير من المتاجرة بالمشتقات كالذهب والسندات والأسهم إلى أنظمة أكثر أماناً تخضع لرقابة البنوك المركزية.

زيادة الثقة

وقال علي الحمودي، الخبير والمحلل الاقتصادي، إنه على الحكومات زيادة الثقة ببيئة الأعمال على النحو الذي يشجع الاستثمار ويساهم في جذب المزيد من رؤوس الأموال الأجنبية مع زيادة الإنفاق الحكومي خصوصاً المرتبطة بمشروعات البنية التحتية، مع ضرورة ترشيد النفقات العامة.

كما أن عليها أيضاً العمل لدعم النمو المستدام من خلال تواصل التنفيذ المتسق للسياسات لدعم صلابة المالية العامة، بما في ذلك احتواء التضخم، وتعزيز مرونة سعر الصرف التي تمتص الصدمات والحد من الدين العام على مسار يمكن الاستمرار في تحمله.

وأضاف في تصريحات لـ«البيان» أن من بين أحد المحفزات التي يجب على الحكومات تبنيها تخفيض الرسوم والضرائب والتأكيد على عدم وجود ضرائب مستقبلية للعمل على جذب رؤوس الأموال التي تتوقف عليها إقامة مشروعات تنموية واعدة ترفد الاقتصاد الوطني وتفتح مجالات فرص العمل الجديدة، ليس للباحثين عن عمل فحسب، وإنما للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

وطالب الحمودي صانعي السياسات المالية بالعمل على إصلاحات مستمرة بالأنظمة المالية تواكب التغييرات التي تفرضها الأوضاع الراهنة، والإجراءات الأنسب لتشكيل نموذج اقتصادي شامل ومتطور ومستدام، وكذا العمل الجدي الدؤوب من أجل تخفيض عجز الميزانية، وإعادة معدلات الفائدة تدريجياً لمستوياتها الطبيعية حسبما تسمح به الظروف الاقتصادية وزيادة معدلات التشغيل وخفض معدلات البطالة وذلك لتفادي أزمة مستقبلاً.

وشدد على ضرورة قيام الحكومات بالعمل على تنمية الثروة البشرية من خلال زيادة الاستثمار والتدريب المستمر في الموارد البشرية من جهة وتوظيف التقنيات الحديثة لتحقيق التطوير الوظيفي المستمر ومواكبة أفضل الممارسات العالمية، لافتاً إلى أن هناك حاجة ملحة أمام الحكومات لزيادة معدلات الشفافية والمعاجلة المستمرة لتعارض المصالح والنفوذ المفرط للقطاع الخاص.

مخاوف وتحذيرات من تكرار السيناريو مجدداً

زادت مخاوف وتحذيرات البعض من أزمة مالية جديدة تعيد سيناريو 2008 مرة أخرى، لا سيما التراجعات القياسية التي تشهدها الأسواق المالية وفي ظل التدهور الكبير في أسعار النفط، وهو ما بات يثير الهلع لدى أوساط عدة في الولايات المتحدة.

حيث أعرب الملياردير الأمريكي جورج سورس في وقت سابق عن مخاوفه من أن يؤدي ارتفاع الدولار وخروج رأس المال من الأسواق الناشئة إلى أزمة مالية كبيرة أخرى، إلا أنه لم يرقَ بها إلى حد أزمة 2008.

لكنه حذر في الوقت ذاته من أن تكرار الأزمات الحادة وإن كانت صغيرة ومحدودة، يمكن أن يكوِّن وضعاً اقتصادياً عاماً وضاغطاً، تشعر معها رؤوس الأموال بأن الاستثمار بات عملية محفوفة بالمخاطر، ما يمكن أن يؤدي إلى الإحجام عن الاستثمار، وهو ما يمثل طعنة نجلاء في قلب الاقتصاد العالمي، يمكن بالفعل أن تؤدي إلى هزة تعصف تماماً بهيكل الاقتصاد الدولي.

تضاؤل السيولة

ويتوقع محللون لدي جي. بي. مورجان الأمريكي، أحد أكبر البنوك العالمية، أن الأزمة المالية المقبلة ستكون في 2020، معتبرين أن الجانب الإيجابي في هذا الصدد هو أن الأزمة الجديدة من المحتمل أن تسبب قليلاً من الآلام عن التي خلفتها الأزمات السابقة، أما الجانب السيئ يتمثل في تضاؤل السيولة في الأسواق المالية منذ 2008 سيكون شيئاً غير متوقع السيطرة عليه وقت الأزمة.

واستند التقرير على نتائج معتمدة على طول التوسع الاقتصادي المحتمل، ودرجة التحوط وتقييمات أسعار الأصول ومستوى رفع القيود والابتكار المالي قبل الأزمة.

وبحسب تقرير «10 سنوات منذ الأزمة المالية العالمية:

التقدم المتفاوت والانقطاعات الهيكلية»، الصادر عن برنامج الاقتصاد العالمي والتنمية التابع لمعهد بروكنجز، شهد الاقتصاد العالمي انتعاشة قوية تدريجية في السنوات العشر الأخيرة، إلا أن ذلك لا يعدو كونه مرحلةً من الهدوء النسبي، لإجراء الإصلاحات الهيكلية، التي من شأنها إكساب اقتصادات الحكومات الوطنية المناعة ضد الصدمات، وتحقيق معدلات مرتفعة من النمو الاقتصادي، للحيلولة دون تكرار اندلاع الأزمات المالية العالمية، التي يزخر بها النظام الرأسمالي العالمي.

إصلاح الأسواق

ووفق التقرير، قطع الاقتصاد العالمي أشواطاً طويلة في السنوات العشر الأخيرة، بعد أن حققت الاقتصادات الأكثر تطوراً معدلات نمو مستقرة، وحافظت الصين والهند على معدلات نمو متزايدة وقوية، وتم احتواء مخاطر الانكماش والتضخم. لكن إجمالاً.

وعلى الرغم من إحراز تقدم كبير في إصلاح الأسواق المالية، فإن الطبيعة المحدودة وغير المكتملة للإصلاحات الهيكلية في عديد من الاقتصادات تترك المجال مفتوحاً أمام التقلبات المالية والاقتصادية المرتقبة، خصوصاً في ظل ضعف الإنتاجية، ما يمثل تحدياً لنمو الناتج القومي الإجمالي على المدى الطويل.

فتظل الاقتصادات المتقدمة عُرضة لمخاطر التدفقات المالية والنقدية، بجانب الدين العام الذي تزايد بشدة عقب الأزمة المالية العالمية. أما اقتصادات السوق الصاعدة، فتتشارك جميعها في تراجع مستويات الدين العام، وتزايد احتياطيات النقد الأجنبي، وتكييف سياسات للتعامل مع الصدمات الداخلية والخارجية.

وعلى النقيض، تعاني بعض تلك الدول مستويات ضخمة وغير مسبوقة من الديون الأجنبية، ما يجعلها رهناً بالتقلبات النقدية العالمية، كما توقفت الإصلاحات الاقتصادية في مجالات العمل، والإنتاج، والأسواق المالية في بعض الدول، ما يجعلها معرضة لحزمة من الأزمات والضغوط الاقتصادية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات