أولياء أمور: اقتحام لخصوصيات الأبناء

مراقبة هاتف الطفل.. «تجسس» رحيم

صورة

تتسارع وتيرة الثورة الرقمية، بما تحمله من أشكال وأوجه عبر الأجهزة الإلكترونية والهواتف الذكية، وتتسارع معها فرص امتلاكها من شرائح المجتمع كافة، بمن فيهم الأطفال، الذين باتوا يفضلونها عن النمط التقليدي للألعاب واللهو مع الأهل والأصدقاء، فابتت تلازمهم ليل نهار، في حلّهم وترحالهم، جعلوها صنو حياتهم، وكنز أسرارهم، من خلال تسجيل بياناتهم على مختلف حسابات مواقع التواصل الاجتماعي، يرسمون على جدارياتهم الافتراضية، ما تجود به أحلامهم من هوايات ومشاركات وردود، يبنون من خلالها كينونتهم في العالم الافتراضي، بحيث يصعب اختراقه بقوة «الأنا»، الذي حجزوه لأنفسهم بـ «كلمة سر»، يصعب فك رموزها، حتى على ذويهم وأوليائهم، الذين وجدوا صعوبة في التعامل مع هذه المعادلة، أنترك أبناءنا يخوضون في هذا العالم الافتراضي، تحقيقاً لاستقلاليتهم التي ينشدونها، أم نراقبهم ونتجسس عليهم، لما يحمله هذا العالم من مخاطر تؤثر في سلوكهم، بحكم الرعاية والتوجيه؟

خصوصية

إشكالية حاولت «البيان» أن تحدد معالمها، من خلال هذا الاستطلاع، للخروج بنتيجة تُطمئن ولي الأمر، ولا تزعج خصوصية الطفل، لا سيما مع تأكيد بعض الدراسات التربوية، أن الأبناء من سن العاشرة يتحسسون من تفتيش هواتفهم أو أغراضهم الشخصية، وأنه لا بد أن ندرك أن هناك فرقاً في التعامل بين الأبناء بحسب حالاتهم العمرية، فالأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم العاشرة، قد يجوز للأب والأم الاطلاع على خصوصياتهم الإلكترونية بشكل غير مباشر، والتعامل معهم برفق ولين، أما الأبناء في سن المراهقة، فيفضل عدم تفتيش خصوصياتهم تماماً، لأن في هذه السن، يحب الشاب والفتاة أن يشعرا بالذاتيَة والاستقلالية وتحمل المسؤولية، ولا يقبلون أن تنتهك خصوصيتهم، بدافع الخوف والاطمئنان.

التربية السليمة

وأجمعت الدراسات أن الحل في حماية الأبناء في التربية السليمة، وليس التجسس عليهم وانتهاك خصوصياتهم، وأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال، في ظل تداعيات العصر، وضغوط الحياة، السيطرة الكاملة على علاقاتهم واختياراتهم، فأغلب الأبناء لديهم حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، ويتعاملون مع الغرباء بطريقة ما، كما أن هواتفهم غالباً ما تكون بكلمة سر غير معروفة للآباء، لذا، لا يجدي نفعاً التجسس عليهم، وإنما يكمن الحل في تأصيل مبادئ التربية السليمة منذ الصغر.

وقد انقسم أولياء الأمور بين مؤيد ومعارض لفكرة تفتيش هواتف الأبناء، فيما ذهب رأي الوسطية إلى ضرورة القيام بذلك بين فترة وأخرى، مفضلين أن يتم الأمر دون علمهم، حتى لا يكون هناك صدام، وحتى لا يلجأ الأبناء إلى طرق احتيالية في هذا الأمر، مثل إخفاء بعض المعلومات، أو عمل حسابات بأسماء وهمية وغيرها.

مراقبة

من ناحية أخرى، طالب معلمو مدارس أهالي الطلاب في الدولة، بضرورة تفحص حسابات الأبناء على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد انتشار صفحات غير أخلاقية على تلك المواقع، وتحايل طلاب مراهقين بعد إغلاق تلك المواقع عبر الإنترنت، من خلال مشاهدتها عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، وحذروا من مخاطر تلك المواقع، على المستوى الأكاديمي للطلبة، مشيرين إلى أن ارتياد مثل تلك المواقع يومياً، يؤثر في مستوى الطلبة.

متابعة

من جانبها، ترفض مونيكا تشرشر، ترك الحبل على الغارب للأبناء والبنات، باسم الحرية واحترام الخصوصية، لأنهم يفتقدون الرشد والحكمة في التعامل مع الحياة، ولهذا، لا بد من أن يراقب الوالدان تصرفاتهم، ويخبرانهم بضرورة الاستخدام الصحيح لوسائل التواصل الاجتماعي بشكل مستمر، خاصة أن الأبناء لا يمتلكون الأهلية والخبرة الكاملة في التعامل مع الإنترنت.

خطر محدق

بدورها، أوضحت كرستينا سمير فخري، أنه يجب على الوالدين مراقبة الأبناء منذ الصغر، وفي حالة حصولهم على هواتف ذكية أو أجهزة مرتبطة بالإنترنت، فإن الخطر المحدق بهم يزيد، في ظل العالم الافتراضي المفتوح، وأنه يجب أن يقي الوالدان الأبناء من المواقع غير الآمنة، أو التعرف إلى غرباء عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يستهدفون التغرير بهم.

تعامل

من جهته، قال عماد زاهر (مهندس): إن الوضع يختلف باختلاف سن الأولاد ومرحلة نضجهم، فإن المعاملة تختلف وفق سن الأبناء والبنات، ومدى نضجهم ومسؤوليتهم عن أفعالهم، وان الأطفال في السن الصغيرة، يجوز لولي الأمر الاطلاع على خصوصياتهم الإلكترونية، بشكل مباشر أو غير مباشر، مع التعامل برفق مع الابن والابنة، إذا وجد ما يستدعي التقويم والإصلاح.

حوار

ويؤكد عماد أن التربية منذ سن صغيرة، ومشاركة الوالدين أكثر، وإجراء محادثات مفتوحة مع الأولاد حول مشاعرهم، قد تساعد على منع التعرض للمواد غير المرغوب فيها، وعلى الكشف المسبق عن المحتويات التي يتعرض لها الأولاد، وذلك عبر متابعة المواقع التي يختارونها.

ويوضح عماد أن طبيعة العلاقة بين الأبناء والوالدين منذ الصغر، واعتماد أساليب التربية الحديثة مع هذا الجيل، القائم على المشاركة، وعدم القمع وإعطاء الأوامر فقط، تخلق نوعاً من الوازع الأخلاقي لدى الأبناء منذ الصغر، كذلك قد يفضل بعض الآباء، الاطلاع على محتويات هواتف الأبناء، بسبب اعتمادهم الرقم السري أو التطبيقات الذكية التي تخفي بعض محتويات الهاتف، خاصة في ظل عدم قدرة الأهل على اكتشاف أو التعامل مع تلك التطبيقات.

أسباب

من ناحيتها، تؤكد ياسمين سمير، أن مراقبة الوالدين الخصوصيات، الإلكترونية وغير الإلكترونية، لأبنائهما وبناتهما، أمر ليس فيه تجسس أو تلصص، خاصة إذا تم الاطلاع عليها في وجودهم وأمامهم، حتى يشعروا بالخوف من أي تجاوز، وأن بعض الأبناء والبنات قد يضطرون آباءهم وأمهاتهم إلى تفتيش خصوصياتهم، نتيجة انحرافهم، وعدم استماعهم إلى النصائح والتوجيهات. ولهذا، لا بد من تدخل القاضي الأسري، أي الأب أو الأم، لضبط الأمور، بدلاً من تركها فوضى باسم الحرية والخصوصية، وقد تتولد عنها كوارث.

ثقة وأمان

وترفض الدكتورة أماني حسن أستاذ علم الاجتماع، التدخل في خصوصيات الأبناء، ومنها تفتيش هواتفهم، والاطلاع على محادثتهم مع الآخرين، والتي قد تحدث نوعاً من الشجار والقطيعة بين الطرفين، وأنه يجب منح الأبناء مساحة كافية من الحرية.

وتقول الدكتورة أماني، أول الأشياء التي يجب أن أربي ابني عليها، هي حريته الشخصية، مع وجود الضوابط اللازمة والتوجيه الدائم، ومعنى كلمة حرية، أي وجود خصوصيات لا بد من احترامها، حتى وإن كان ابني هذا صغيراً، وخصوصياته صغيرة، ويجب منح الثقة والأمان تماماً للأبناء، وأن التلصص والتجسس على هواتفهم، يأتي بثمار عكسية، ويخلق لدى الأبناء الرغبة في إخفاء تلك المعلومات أو المراوغة.

71 %

أظهر تقرير نشرته اليونيسيف أن الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 سنة إلى 24 سنة هم الفئة العمرية الأكثر وصولاً إلى الإنترنت، فعلى مستوى العالم 71% من تلك الفئة موصلون بالإنترنت مقابل 48% بالنسبة إلى مجموع السكان، ويشكّل الأطفال والمراهقون الذين تقل أعمارهم عن 18 سنة ما يُقدّر بنحو ثلث مستخدمي الإنترنت في مختلف أنحاء العالم.

انطواء

لفت تقرير نشرته اليونيسيف إلى أن الهواتف الذكية تكرس ثقافة الانطواء في «غرفة النوم»، إذ أصبح الوصول إلى الإنترنت بالنسبة إلى كثير من الأطفال أمراً شخصياً وخصوصياً بصورة أكبر، كما أصبح أقل خضوعاً للإشراف.

15

يتنامى كمّ من الأدلة على أن الأطفال يدخلون على الإنترنت في أعمار أصغر بشكل متزايد، وفي بعض البلدان يكون معدل استخدام الإنترنت بين الأطفال دون 15 عاماً مماثلاً للمعدل عند البالغين فوق 25 سنة.

المحتويات غير اللائقة الأكثر قلقاً للآباء على الأجهزة الذكية

أشارت إحصاءات حديثة في بريطانيا إلى أن المحادثات ذات المحتوى غير الأخلاقي على الإنترنت تمثل أكبر مصدر لقلق الآباء على أبنائهم، وباتت ظاهرة مشاهدة الأطفال للمواد غير الأخلاقية ورؤيتها آخذة بالازدياد، وأصبح الأطفال يتعرضون في سن أصغر لها ويقلدونها، وبات الوالدان قلقين، وبينت دراسة حديثة أجريت عام 2016، أنه طرأت زيادة ملحوظة على عدد توجهات الوالدين إلى مركز جمعية «نتيفي ريشت» التي تساعد على التغلب على تأثيرات التعرض للمواد غير الأخلاقية في الإنترنت، ونشرت تقارير صحفية توضح أن التوجهات تشهد زيادة في عدد الأولاد الذين يتعرّضون للمواد غير الأخلاقية في الإنترنت، وانخفاضاً ملحوظاً في الجيل الذي يبدأ الأولاد فيه بالتعرض لها، وأن الأولاد قد بدأوا بتجربة ومحاكاة ما يشاهدونه فيها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات