#حكايات_لكبار_المواطنين

«غنيمة الحياة» موزة الزيودي 68 سنة.. ربة منزل

هذه الهدية نسميها غنيمة. يرمي لنا البحر بها. أنا لست من أهل البحر. أنا من أهل الوادي، لذلك ربما البحر يظن أنني غريبة وأنه يتوجب عليه أن يكرمني. كنت أنا أكثر طفلة على شاطئ دبا أعثر على الغنيمة. صدف المحار نفلقه ونستمتع بما فيه، رخو وطازج ومالح ومنعش، ثم أعود إلى الوادي. أبي ينتظرني، يعود من عمله في «الأوقاف» ويذهب إلى النخل، أهرع إلى أبي.

شمس اليوم باتت عامودية، وها هو ظله بات يستطيل حين يتحرك في المزرعة ومرات يصبح أبي عملاقاً وأطول من النخلة. وحين قلت له ببراءة إنه بات الآن قادراً على أن يغلبها ويواجه الجبل لأنه ضخم وطويل.. ضحك وقال لي شيئاً ما زلت أتذكره إلى اليوم: يجب على القوي أن يكون متسامحاً ومسالماً، وألا يستخدم قوته إلا في الحق، والحق أن ما ترينه كبيراً الآن ما هو إلا ظل. وهْمٌ يعود إلى حجمه الطبيعي إن غيرت أنت الزاوية.

مرت أربعون سنة، ربما أكثر، ستون سنة، وما زلت أتعامل مع الناس جميعهم بهذه القاعدة. أستجمع قوتي من أجل أن أهب الفرح للجميع. أيام الجمعة يحتشد في هذا البيت أكثر من 200 إنسان من الكبار والصغار والرجال والنساء، أطبخ لكل أفراد العائلة، عائلتي وعوائل زوجي. على ذمته ثلاث نساء.

أنا المرأة «العود» (الأكبر سناً) والجميع ينظر إلي على أنني الأم الكبرى. أتعب في مرات وأفكر في مرات أخرى، كم كانت قاسية الأيام، لكنني سرعان ما أتذكر كلمات أبي، وأعرف أننا مهما كنا كباراً سنظل صغاراً في حجم عطائنا مقارنةً بآخرين يبذلون حياتهم من أجل الخير.

أنظر إلى بلادي، إلى تضحيات شعبها في الدفاع عنا في كل الميادين، وأحمد الله على نعمة الحياة في هذا الزمن، حيث يهتم بنا شيوخنا، بل يرسلون لنا رسائل للاطمئنان، ونحن ندعو لهم بدوام الصحة والعافية.

لقد تغيرت حياتنا كثيراً. أنا اليوم أقطن في الحلاة (بين مسافي ودبا الفجيرة) وفي شعبيتنا منازل كثيرة، نحتاج ربما إلى بضعة مرافق إضافية مثل حديقة للأطفال، وأيضاً نحتاج جسراً صغيراً في مدخل الحي، كي يعيننا وقت المطر، لكن معيشتنا الآن لا تقارن بزمن مضى. أتعرف؟ لقد تربيت حين كان المستوصف والمدرسة يتشاركان الحيز ذاته.

أنا لم أذهب إلى المدرسة، لكنني تعلمت من أبي كل شيء، علمني الحروف وعلمني الحساب وعلمني أيضاً احترام الناس وإكرام الضيف.

حين كنت أذهب إلى البحر وأعود محملةً بالغنيمة، كان أبي يقول لي: بنت الوادي عادت من بلاد الحضر، ولم أكن أفهم، وحين كبرت عرفت أن أهل البحر وأهل الوادي لديهم طباع وعادات مختلفة، لكننا جميعاً متفقون على حب الخير.

علمتني الحياة

القوة تأتي من الداخل وليس من الخارج

المرأة قدرها أن تتحمل مسؤوليات أكبر

الطبيعة تشحن طاقتنا وروحنا

لا معلم في الحياة كما الأب

لا شيء يضاهي أن ينام الإنسان مطمئناً

يأتي في حلمي

مائدة كبيرة الكل مدعوّ إليها وأنا أطبخ المحار.

ظل النخلة يبتلعني فأغوص في دهليز أرى فيه أبي يضحك.

مدرس يعلمنا الحروف العربية لكنه يرتدي زي الطبيب.

عسل وزهور ياسمين أجدها في فلق المحار.

تائهة في سوق دبا أسأل عن أبي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات