50 قصة في 50 عاماً

وصفة عربي للعرب

لا يسع المتابع لتجربة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، إلا أن يلاحظ أن قلمه بات يميل على نحو متزايد إلى نص الحكمة والتجربة والخبرة، الذي تجسد في أعماله الموسومة بعناوين: «ومضات من فكر» و«في السعادة والإيجابية»، وذلك في مسيرة ابتدأت برؤية، تجسدت في كتاب «رؤيتي» الشهير.

لم يتخل صاحب السمو عن الشعر، الذي هو نصه الأول. ولكن المحمولات التي بات قلمه يميل إليها، ويعطيها الأولوية، اقتضت حبراً آخر، وأوزاناً وقوافي تأملية، تُعمل العقل والفكر، وتستعيد التجارب، وتستخلص الدروس والعبر منها.

وفي هذا السياق، قدم سموه خلال الأيام القليلة الماضية نصين محكمين، يتجاوز الإحكام فيهما البناء النصي إلى إحكام المضامين، وعمق الاستخلاصات التي استنبطها من تجربة دبي، وخبرته الخاصة، ورؤيته لتجربة الوالد واضع أسس وأركان دبي، المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، الذي كان له ما كان من أثر وتأثير على سموه.

هذان النصان، «مبادئ دبي الثمانية» و«وثيقة الخمسين»، توزعا الثقل، وتقاسما الأحمال؛ فالأول، جاء ليضع تجربة دبي الفريدة في مبادئ محددة، وواضحة، تشكل وصفة للحفاظ على هوية دبي وشخصيتها، وضمانة لتنميتها، وتعزيز حضورها. والثاني، حمل برنامج عمل مقبل، يبني على ما تم إنجازه، ويروي عطش الإنجاز إلى المزيد، بالطموحات التي تطرق باب المستقبل، وتستشرف الغد.

واليوم، ها نحن نعرف أن بانتظارنا كتاباً جديداً بعنوان «قصتي»، يقدم فيه سموه خمسين قصة من خمسين عاماً، في ما يشكل سيرة ذاتية؛ وهو ما يشكل إضافة إلى ما سبق أن جاد به فكر سموه.

في الواقع، فإن المقتطفات التي نشرها سموه من كتابه الجديد، تضعنا فوراً، وبقوة المنطق، وواقعية الرؤية، أمام إجابات ملهمة للأسئلة التي نواجهها في واقعنا العربي اليوم، الذي غرق لسنوات في دوامة من العنف، والأفكار الظلامية، والإرادات المتعسفة، التي حطمت الآمال، وقضت على كل قبس من أمل أو بذرة تفاؤل.

ذلك شيء يخطر في البال بقوة حينما نقرأ كلمات سموه التي يوازن فيها بين الخيارات الاستراتيجية، التي يتخذها كل إنسان ومجتمع ودولة؛ أي، تلك المقاربة المفعمة بالتجربة حول الاستثمار بالسياسة والاستثمار بالاقتصاد، التي جاء ذكرها في المبدأ الثالث من وثيقة المبادئ، «نحن عاصمة الاقتصاد»، الذي ينص على أن هدف حكومة دبي وغايتها تحسين حياة الناس بتحسين الاقتصاد.

دبي لا تدخل في السياسة، ولا تستثمر فيها، ولا تعوِّل عليها لضمان تفوقها. دبي صديقة لكل من يحمل لها ولدولة الإمارات الخير، وصديقة للمال والأعمال، ومحطة عالمية لخلق الفرص الاقتصادية.

في المقتطفات التي نشرها سموه من كتابه الجديد، «قصتي»، يضعنا أمام رؤية تنفذ إلى ما وراء سطح الأشياء وإلى عمق الحقائق، وتؤكد أولوية الاقتصاد، الذي يحرك الواقع ويقود السياسة، رغم ما لهذه الأخيرة من ضجيج وضوضاء.

وفي الواقع، إن أية سياسة لا تبرر نفسها بالاقتصاد وبمحدداته ومتطلباته، هي خبط عشواء، لا نتيجة له سوى الهباء. وبهذا فإن الاختيار بين الاقتصاد والسياسة هو اختيار بين بناء المستقبل والانتماء إليه، وبين البقاء عالقاً في الحاضر، والغرق معه في الماضي، وتدميرهما معاً.

وليس من باب المصادفة أن يعطف سموه على التجربة الصينية كمثال على ذلك؛ فهذا البلد العملاق غرق في الانعزالية وانكفأ حضارياً حينما تبنى المقاربة السياسية في تعاطيه مع العالم، ولكنه تحول إلى قوة دولية حضارية قيادية حينما التفت إلى المقاربة الاقتصادية، واعتمدها في البناء، وفي علاقاته مع العالم.

وكذلك المثال الأمريكي الواضح، الذي لم يغب عن بال سموه، حيث يذكرنا أن الولايات المتحدة أنها القوة الأولى عالمياً ليس بسبب قوتها العسكرية، ولكن بفضل قوتها الاقتصادية.

يشدد سموه مجدداً في هذا الباب على أفكاره الراسخة، بضرورة الابتعاد عن ضوضاء السياسة وتشابكاتها ومعاركها الصفرية، لصالح ادخار الجهد للعمل الذي لا يمكن أن يكون مجدياً دون مقاربة اقتصادية، تؤطره، وترسم ضروراته، وتحدد غاياته.

من أبلغ ما يورده سموه في هذا هو استذكار خيارات العام 1979، ففي حين اختارت بعض البلدان المقاربة السياسية لمستقبلها، اختارت دبي المقاربة الاقتصادية؛ وهكذا، بالنتيجة، سارت إيران في درب «الثورة» وتغيير نظام الحكم، فيما عاش العراق ذروة الصراع على الحكم، الذي انتهى بتولي صدام حسين الرئاسة.

وتالياً، وجد الطرفان، الإيراني والعراقي، المقاربة السياسية تقودهما إلى حرب طاحنة، لا تزال آثارها المدمرة وتداعياتها الكارثية، ماثلة إلى اليوم. فيما المقاربة السياسية، نفسها، لا تزال تضع البلدين على خط الخطر.

في حين تحصد دبي، من جهتها، ثمار اختيارها المقاربة الاقتصادية التي تجسدت في ذلك العام المفصلي، بتشييد ثلاثة من أهم مشاريعها هي جبل علي، ومصهر دبي للألمنيوم الذي أنشأته شركة دبي للألمنيوم «دوبال»، ومركز دبي التجاري العالمي. وكل من هذه المشاريع، هو اليوم عنوان ريادة عالمية.

إن الاختيار بين المقاربة الاقتصادية والسياسية، هو خيار ماثل اليوم. وجدير بالعالم العربي الذي انحاز في هذا العقد إلى المقاربة السياسية على نحو مفرط، ورأى النتائج الكارثية التي قادت إليها هذه المقاربة التي جاءت تحت عنوان براق، أن يعقل، وأن يستمع إلى صوت العقل، ويجرب المقاربة الأخرى، التي تأتي في وصفة مجربة، يقدمها سموه في خلاصة فكرية تأملية، تستند إلى التجربة والخبرة والسيرة، التي تتضافر فيها قصة سموه مع قصة دبي، النموذج التنموي الفريد.

والأمر بسيط، إن كان العالم العربي لديه هذه الجرأة على المغامرة في ميدان السياسة، فعليه ألا يتردد بعد كل ما جرى أن يخوض غمار المغامرة في ميدان التنمية. هذه، تماماً، وصفة عربي للعرب.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات