الأب الغائب.. قِوامة ناقصة الحنان

صورة

لا يختلف اثنان على أن متطلبات الحياة باتت تأخذ النصيب الأوفر من حياة الإنسان على حساب تفاعله مع محيطه المجتمعي، كونه فرداً من ذلك النسيج الاجتماعي الذي يصقل شخصيته، ناهيك عن قاعدة التأثير والتأثر التي تحكم تلك العلاقات، لا سيما أسرته التي لا بدّ أن تأخذ ذلك النصيب من اهتماماته، وبخاصة إذا كان ربَّ الأسرة وعائلاً على أبنائه الذين لا ينتظرون إعالته المادية فحسب بقدر ما يحتاجونه من جرعة عاطفية تكتمل بها عهدة القوامة في أبهى معانيها لينال لقب «رب أسرة» عن جدارة واستحقاق.

وعندما يتحول الأب إلى مجرد آلة تضخ ما يحتاجه الأبناء من احتياجات بعيداً عن كيانه الروحي المتمثل في قربه من الأبناء، يداعبهم ويسمع إلى اهتماماتهم ويصغي إلى هواياتهم ورؤاهم، فعندئذ يصبح الغائبَ الأكبر في معادلة الأسرة السوية المبنية على الحب والعطف والحنان، بل يذهب هذا الصنف من الآباء إلى أن الأم هي الوحيدة لرعاية هذا الجانب، ناسين أو متناسين أن الأب عنصرٌ فعّال في تأسيس الكيان الأسري بالرعاية والاهتمام لا بالدراهم والدنانير فقط.

في هذه الأسرة حاولت «البيان» أن تبحث في دفاتر هذه الظاهرة التي باتت تتفشى وسط الأسر تاركة وراءها الكثير من الآلام الناطقة أحياناً والصامتة أحياناً أخرى تضمر جروحاً موغلة في فؤاد فلذات الأكباد.

مبادرة

من جهتها قالت مريم الشامسي، مديرة مدرسة ثانوية أم الإمارات في منطقة العين: «أطلقنا في بداية هذا العام مبادرة تربوية بعنوان «أبي.. أخي.. احضنّي قبل أن تفقدني»، وهي تهدف إلى دعم التواصل الأسري والتربوي، وتعميق العلاقات.

وأضافت أنه جرّاء التهاون في حمل مسؤولية الأبناء وغياب الدور الحقيقي للآباء، يعاني الكثير من الأبناء من التأخر الدراسي، أو الخلل في بعض مهاراتهم، مُنوهة إلى مسؤولية كل أب في رعاية أفراد أسرته، وهي مسؤولية اجتماعية وتربوية مهمة تنعكس عليها بتمامها نتائج إيجابية من تكامل التربية الأسرية وتعاضد الأسرة الواحدة وغياب الخلافات والانحرافات والمشكلات الأسرية. ودعت الآباء للالتفاف نحو أبنائهم وبناتهم بمحبة وحماية.

مسؤولية مشتركة

بدوره أوضح أيمن النقيب، تربوي، أن تكوين الأسرة يعد مسؤولية مشتركة بين شريكين أساسيين هما الزوج والزوجة، ويقع عليهما سوياً عبء نجاح هذه الشراكة القائمة على المودة والرحمة. وأضاف النقيب: «وقد يغيب الأب في كثير من الحالات لعديد من الأسباب، وقد تصبح الأم العائل الوحيد للأسرة في العديد من الحالات، ويتطلب منها ذلك العمل والإنفاق على الأسرة وتربية الأبناء أيضاً.

وقد يغيب الأب عن دوره الأساسي ودوره في التربية رغم حضوره جسداً لانشغاله خارج المنزل عن القيام بدوره التشاركي في الأسرة ويكتفي بدور الممول والمنفق، وهذا ليس فقط دور الأب، فالأب شريك في التربية أيضاً».

سلوك

من جهتها قالت الجدة موزة الشحي: «لا أعتبر الأب مجرد ممول يأتي بالمال لأبنائه فقط، ولكنه مسؤول عن كل ما يدور داخل جدران بيته، وما يكتسبه الأبناء من أفعال وقيم وسلوكيات تغرس في وجدانهم.

ومهما كانت ضغوط الحياة ومتاعبها ومسؤولياتها، فعلى الآباء أن يراعوا أن هذه الضغوط قد ترهق الأم، ومن ثم يفترض ألا يلقي الآباء بواجباتهم كلية عليها». وأكدت الشحي أن الأب والأم هما النبع الأصيل الذي يستقي منه الأبناء الأخلاقيات والأعراف.

وأشارت أسماء عوض، إدارية في مؤسسات الشيخ محمد بن خالد آل نهيان الثقافية والتعليمية في العين، إلى تجربتها الواقعية مع أب حرص كل الحرص على الغربة لتأمين لقمة العيش لعائلته، وقالت: «نعم، هناك عدة أسباب تدور حول سبب غياب رب الأسرة وبعده عن مهمته الأولى والأساسية، ويكمن السبب الرئيس في اجتهاده الحثيث لتوفير لقمة العيش، وتأمين مستقبل أفضل لأبنائه.

وربما في تجربتي الشخصية تمنيت أن يكون والدي موجوداً بيننا ونرضى بل نقنع منه ما يستطيع توفيره لنا، وألا يتغرب عنا، ويبقى بيننا».

وأضافت: «أرى أنه على الرغم من المسؤوليات التي تقع على كاهل الأب، فإنه ينبغي أن يتفهّم أحقية أبنائه في أن يكون لهم نصيب من وقته، للتعرف إلى التغيرات التي تطرأ عليهم، ومن ثم تعديل ما يظهر من الأخطاء السلوكية وتعزيز الجيد منها، فالأب هو من يستقي منه الأبناء القيم والأخلاق، ويقف كالحصن الحصين لهم من هجمات الزمن وكبواته».

دور حقيقي

من ناحيتها نوّهت بخيتة الظاهري، تربوية، إلى أن الدور الحقيقي للرجل هو السعي وتوفير متطلبات المعيشة والدخل المادي للأسرة بالعمل، إلا أن هذا الغياب لن تعوضه الأم مهما حرصت وحاولت.

وقالت الظاهري: «إن كان الأبناء والبنات يحتاجون لحنان الأم ورعايتها، فهم يحتاجون أيضا لتواجد الأب، لأن دوره لا يقل أهمية بأي حال من الأحوال عن دور الأم في استقرارهم، لا سيما من الناحية النفسية، ولا يمكن اختزاله أبداً في الدور المادي فحسب، وهذا هو الخطأ الذي يقع فيه بعض الآباء للأسف».

فيما قالت لطيفة الحوسني، تربوية: «يرفض البعض أن يتحول الأب إلى مجرد مصرف يؤمّن لزوجته وأبنائه سبل العيش، الأمر الذي يعني بلا شك أهمية دور الأب داخل أسرته في تطوير وارتقاء النمو الأخلاقي للأبناء، وإكسابهم مهارات التحدث بأسلوب جيد، وتعويدهم أيضاً على فن التعامل الجيد مع الكبار، لا سيما في المجالس.

ونرفض حتماً غياب الأب وعدم قيامه بدوره الحقيقي اتجاه أسرته لما في ذلك من تأثير شديد على الأبناء، بشكل خاص. وتكمن الخطورة أيضاً في حالة وجود الأب غير المؤثر».

وأضافت الحوسني: «إن الآباء الغائبين والمنشغلين عن أبنائهم بحياتهم الشخصية ربما يتصورون أن دورهم يتمثل في توفير بيت يحتضن الزوجة والأبناء، إضافة إلى تلبية حاجاتهم الأساسية، ويتجاهلون الكثير من الأمور التربوية والنفسية لأبنائهم الذين يحتاجون لقضاء وقت معهم، يتشبعون فيه من العطف ويكتسبون القيم، فهناك حالات واقعية لأبناء نجدهم منطوين، وغالبا يتعثرون دراسياً، لأنهم لا يجدون من يلجأ إليه ليعوضهم عن الإهمال المعنوي».

سُنة الحياة

من جانبها تطرّقت عدوة الهاجري، متطوعة في عدة جهات في الدولة، إلى أنّ تهرّب أو تملّص بعض الآباء تحت حجج مقنعة أو غير مقنعة فرض حالة من إعادة تقسيم الأدوار والمسؤوليات داخل الأسرة.

وشددت على ضرورة قيام الآباء بمراجعة موقفهم في إطار مفهوم الشراكة، والود، والتعاون، والمسؤولية المشتركة، لا سيما وإن كان عطاء الأم غير محدد فإنها في النهاية لها طاقة محدودة.

وقال الفنان إبراهيم سالم: «أستطيع القول إن لكل أسرة ظروفها الخاصة والمحيطة بها، وتلك الظروف تضطرها للتكيف معها راضية أو مكرهة لتسير عجلة الحياة.

وهناك الكثير من الأسباب التي تدفع الأب عن الغياب رغماً عنه، ويتمثل الغياب الرئيس في طلب الرزق، بل إن هناك الكثير من الآباء يضطرون للعمل في أكثر من جهة لسداد متطلبات الحياة الصعبة».

وأضاف: «إنه من المؤسف أيضاً وجود آباء يتفنّنون في سوء التدبير، فلا هُم في المنزل يتابعون أبناءهم، ولا هُم منشغلون حقاً في أعمالهم، وليس لهم علاقات اجتماعية أياً كان نوعها».

أسباب

وأكدت هدى الشحي أن غالبية الآباء يغيبون عن بيوتهم لظروف العمل، فعادة ما يرتبط الأب بأكثر من عمل، وهذا الغياب الذي له مبرراته يعين الأم على تحمل العبء وتقدير التعب والجهد الذي يبذله الأب.

وأردفت الشحي قائلة: «ولكن هناك آباء يغيبون لأسباب غير مقنعة وغير مجدية، فالأب إما أن يكون الرمز والمثال، وإما أن يكون قدوة سيئة تنعكس على سلوكيات أبنائه، حتى أن بعض الآباء يلجأون إلى تعويض غيابهم بإغداق المال على الأبناء، وبعضهم ينشغل لدرجة أنهم لا يعرفون شيئاً عن أبنائهم»، موضحة أنه من الممكن أن يخصص الأب يوماً أو يومين للأسرة، بحيث يُبهج فيها زوجته وأبناءه، ويكون أيضاً على إلمام بهم وباهتماماتهم.

ثقة

بعض الآباء لا يعلمون في أي صف يدرس أبناؤهم، معيدين السبب لكثرة الأبناء، ولهثه وراء لقمة العيش لتأمين حياة كريمة لأسرته، فرب الأسرة في نظرهم تحوّل إلى مصدر للمال، ليلبي احتياجات الأسرة والأبناء، وقد ذهب متخصصون في علم الاجتماع إلى ضرورة وجود الأب بالقرب من أبنائه، فمن شأنه أن يمنحهم الثقة والاعتماد على الذات، شريطة أن يكون أَباً ومراقباً جيداً، ودافعاً حقيقياً لما يقوم به الأبناء من أنشطة وسلوكيات جيدة.

في ظل غياب الأب تتحمّل الأم مسؤوليات مضاعفة، ومهما فعلت فإن الدور المهم والكبير يكون للأب، ولا يمكن الاستغناء عنه، وهناك حالات كثيرة تصبح الأم هي الأب والأم في آن واحد.

الأمر الذي يحتم عليها بأن تكون أمّاً واعية بكيفية تربية أولادها بصورة تعكس أخلاقيات المجتمع والأسرة، وتربي الأبناء على القيم والمبادئ النبيلة التي يجب أن يتحلى بها الأفراد الصالحون في المجتمع.

توجد الكثير من الدراسات النفسية والاجتماعية التي تتطرق إلى مشكلات نفسية يتعرض لها الأبناء نتيجة الغياب المعنوي للأب في حياتهم.

وتؤكد أن الطفل الذي يُحرم من الرعاية الكافية هو طفل ينقصه الكثير من تركيبته النفسية، وهذا النقص يسبب معاناة مكتومة للطفل وأحياناً الشكوى، وقد يتطوّر في الكثير من الحالات إلى ما لا يُحمد عقباه ليخرج للمجتمع أشخاص غير أسوياء، صنعهم الإهمال والتجاهل، وعدم الاحتواء المطلوب من الأب بشكل رئيسي.

أبي.. احضنّي قبل أن تفقدني

أطلقت مدرسة ثانوية «أم الإمارات للبنات» بالتعاون مع فريق واجب التطوعي في منطقة العين مبادرة «احضني أبي.. قبل أن تفقدني»، والتي تسلط الضوء على الكثير من المحاور، وتتمثل أبرزها في الحاجة إلى وجود الأب بين أفراد أسرته، الأمر الذي من شأنه أن يسهم في تماسكها وصحتها وسعادتها، وتعزيز الروح الإيجابية وروح الحوار في الأسرة، ودعم بناء أسر قوية متحابة تسهم في بناء المجتمع، وتحقيق رفعته وسعادته، والتأكيد على أن الأب هو الشخص رقم واحد الذي يعرف كيفية حماية الأسرة بطريقة سليمة، والحياة لا يمكن التنبؤ بها، أو بما تخفيه الأيام.

فالأبناء يحتاجون من الأب منحهم الرعاية والاهتمام، وإشعارهم بنوع من التوازن النفسي، والتنويه إلى أهمية الترابط الأسري، ودوره في حماية أفراد الأسرة من التفكك والضياع. وأن الأسرة هي النواة الأولى للمجتمع.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات