زايد وقصر الحصن.. تباشير الوعد - البيان

من برج يحرس نبع ماء إلى صـرح يحفظ تاريخ الأمة والاتحاد"2- 4"

زايد وقصر الحصن.. تباشير الوعد

يعاود «قصر الحصن»، الصرح الذي يحفظ تاريخ الأمة والاتحاد، فتح أبوابه أمام الجمهور، يوم غدٍ، السابع من ديسمبر من «عام زايد»، ليستأنف تقليب صفحات ماض مجيد، وإرث تليد، شهدت عليهما جدرانه، وباحاته، وغرفه؛ وذلك بعد برنامج إعماري شامل، نفذته دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي، تضمن سلسلة واسعة من أعمال التجديد والصيانة والترميم لهذا المعلم التاريخي.

وبهذه المناسبة، نعود معكم إلى تلك الرحلة الطويلة التي قطعها الحصن، منذ أن كان مجرد برج وحيد على أرض جزيرة غير مأهولة، إلى أن أصبح ما هو عليه اليوم: صرح شامخ يحفظ تاريخ الأمة والاتحاد.

طويلة كأي رحلة تمتد من الأمل إلى الوعد!

وجاءت أول إشارات اقتراب تحقق الوعد، في العام 1918، الذي شهد ميلاد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان؛ الذي أراد به والده أن يحمل اسم جده «الكبير» «الأول»، الذي بقي سيداً للحصن مدة تزيد على نصف قرن. وكانت هذه الحاجة الإنسانية باستعادة اسم «الأب الكبير»، «زايد الأول»، ليعاود التردد بين جدران القصر، خطوة تحسم مسبقاً المسار الذي اختاره الوالد لطفله الجديد، وتحدد له مكانه في شجرة العائلة، والنهج الذي يريد له أن يتبناه، وينتهجه، ويسير عليه.

بطبيعة الحال، كان القصر بناءً متميزاً في أبوظبي، لا يعدله بناء آخر، لا من حيث حجمه، ولا من حيث طبيعته، ولا مكانته. ولا بد أنه أمر مميز أن يولد طفل في جنبات ذلك البناء الشامخ، الذي تبدأ منه كل شؤون الحياة في أبوظبي، وإليه يعود السكان جميعهم، مواطنين بسطاء وأعياناً ووجهاء، يعرضون مختلف الشؤون، ويناقشون كل جديد يعرض في حياتهم.

لذا، فإن كانت شخصية المغفور له الشيخ زايد بن سلطان قد تأثرت، خلال سنوات نشأته، بالمحتد الكريم لعائلته، فإنها تأثرت كذلك بعمق، بالمبنى الذي أبصر النور فيه، وتشرب منه المعاني للحياة؛ ومنه، كذلك، استقى الإحساس بالمسؤولية التاريخية الملقاة على كاهل أهل القصر، الذي هو واحد منهم، ويذكره اسمه بالجد «الكبير».. و«الأول»!

فما كان حال قصر الحصن لحظة أبصر المغفور له النور..؟

أركان المكان

وصولاً إلى ميلاد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، كان «برج» المراقبة والحراسة، الذي بني على جزيرة أبوظبي في منتصف القرن الثامن عشر قد تحول إلى «قصر الحصن»؛ وفي ذلك جانب أكثر وقعاً في النفس مما يمكن أن تثيره الأركان والجدران. فالإشارة المضمرة في تعبير «قصر الحصن» تقود إلى معنى واضح: «قصر الحكم». لذا، فالرسالة اليومية التي يبثها المكان، ويستقبلها سليل الأسرة في نشأته المبكرة والأولى، هي أنه سليل بيت قيادة وسياسة. وهو ما يساعد على الإدراك المبكر لموقعه من الحياة والناس والمسؤولية عنهم وعن شؤون حياتهم.

في الجانب المادي، كان البناء قد وصل في هيكله العام إلى الهيئة المكتملة التي يبدو عليها اليوم؛ وتم ذلك من خلال سلسلة التوسعات التي حدثت في عهود مختلفة، من أبرزها عهد الشيخ شخبوط بن ذياب (1793م – 1816م)؛ حيث تم تشييد برجين آخرين، إلى جانب البرج الأول، بالإضافة إلى جدار يصل بينهما ليتحول في النهاية إلى هذا البناء البارز، الذي يأخذ شكل القلعة، لكنه تطور سريعاً إلى معقل سياسي وتنموي.

وخلال هذه الفترة، نقل الشيخ شخبوط مقر الحكم من «ليوا» إلى جزيرة أبوظبي، واستخدم الحصن ليكون مقر الحكومة والقيادة العسكرية ومكان الإقامة الخاص به. وهي وظائف تكرست ورسخت في الوجدان العام، كما في وجدان ساكني الحصن نفسه.

وفي عهد الشيخ سعيد بن طحنون حاكم أبوظبي (1845-1855)، شهد الحصن أعمال توسعة وتطوير إضافية داخل الحصن. وهذه التوسعة، التي حدثت في العام 1850، زادت من قدرة المكان على تأدية وظائفه المتنوعة، وبالتالي تأكيد شخصيته باعتباره مقر قيادة وسياسة.

تكريس الرمزية

في مرحلة أخرى، هامة على نحو استثنائي، مر قصر الحصن بعملية تطوير من نوع خاص مختلف، خلال عهد «زايد الكبير» (1855 – 1909). ولكن هذه المرحلة من التطوير لم تكن مرحلة إنشائية؛ أي، لا تتعلق بتوسعة مبناه، ولا بزيادة مساحته، أو ترميمه، أو تغيير استخدامات مرافقه. ولكنها كانت تتعلق بترسيخ مكانته في وجدان السكان، الذين باتوا يرون فيه محوراً لأحداث يومهم، ومركزاً لآمالهم وتطلعاتهم.

والحال أن الفترة الطويلة التي أمضاها «زايد الكبير» في الحكم، كانت فترة سلام واستقرار. وخلال عهده بدأت وتكاملت نشأة المجتمع الذي كان قصر الحصن مركزه الرئيس، وشهد استقطاب السكان وتطور المنطقة واتساعها.

كان عهداً ضرورياً، لا بد منه، لتتحول «الزعامة القبلية» إلى «قيادة سياسية»، ولكي تتحول «المشيخة» إلى «إمارة». وكان النجاح في تحقيق هذه الضرورة شرطاً لا بد منه على طريق تأسيس دولة الاتحاد؛ إذ كان لا بد لقصر الحصن أن يكون راسخاً في العقول والقلوب مصدراً للحكم، وبانياً للثقة في أية علاقات مع الأشقاء. وقد كان!

وهذا حديث عن ترسيخ رمزية الحصن السياسية، في الأفق المحلي الإقليمي، وتأكيد مكانته لدى القوى الدولية الفاعلة، التي تتواجد وتهتم بشؤون المنطقة.

وببساطة، الانتقال من فكرة «الحصن» إلى فكرة «القصر»!

هذه الرمزية، التي اكتسبها قصر الحصن في عهد «زايد الكبير»، ستزداد في عهد حفيده الشيخ زايد بن سلطان، ولكنها ستأخذ منحى آخر؛ رغم أن «القصر» سيظل يستمد قيمة معنوية ورمزية من الدور الذي يقوم به كبيت للحكم، ومن الدور والنشاط السياسي والإداري الذي يقوم به ساكنه، الذي استهل عهده بخطوات وضحت استراتيجيته التي تتوخى الانتقال من الانشغال بقضايا الحاضر إلى التعامل مع استحقاقات المستقبل. وهي استراتيجية أثمرت تحولات جوهرية في وعي أهل المنطقة وتطلعاتهم. وبالتالي، في علاقة الحصن بالسياسة والإدارة، وقبل ذلك علاقته بالمجتمع.

الطفولة المبكرة

حينما ولد الشيخ زايد بن سلطان في واحدة من حجرات قصر الحصن، لم يكن والده المغفور له الشيخ سلطان بن زايد قد تولى الحكم بعد؛ وهذه الحقيقة تلفتنا إلى أن الحصن في داخله كان يضم مجتمعاً مصغراً، يضم على ما يبدو إلى جانب الحاكم أشقاءه وعوائلهم. وبالتالي، فإن الإقامة فيه هي معايشة اجتماعية، تنمي التواصل والإحساس بالانتماء إلى جماعة، تمثل جزءاً من مجتمع. ومن هنا، يمكن أن نفهم الخصال الاجتماعية في شخصية الشيخ زايد بن سلطان، والإحساس الذي كان يلازمه بأنه جزء من ناسه، بمختلف مستوياتهم الاجتماعية وانتماءاتهم العائلية.

وبطبيعة الحال، فإن وظيفة قصر الحصن المزدوجة، التي جمعت ما بين الجوانب السياسية والإدارية والشخصية، أثرت في شخصية الشيخ زايد في طفولته، ومكنته مبكراً من إدراك المسؤولية التي تقع على عاتق عائلته حينها، وعليه هو نفسه لاحقاً.

ومما يجدر ذكره هنا، أن الشيخ زايد لم يكن أول من ولد من شيوخ آل نهيان في الحصن. كانت أجيال متعاقبة من الحكام ولدت فيه؛ ولكنه سيحظى بامتياز لم يحظ به كثيرون غيره؛ لقد ولد في قصر الحصن بعد عهد جده الكبير «زايد الأول». أي، ولد في الحصن الذي كان قصر حكم فعلياً، ومركز إدارة حقيقياً، وبيت شعب يحيط به مجتمعه الناشئ، الذي يتدبر وجوده وعيشه بأنشطة اقتصادية متعددة تعتمد على البحر، بواسطة أكثر من أربعمئة مركب.

ومن المؤكد أن تعقب ذكريات الشيخ زايد عن طفولته في قصر الحصن، لا بد ترشدنا إلى وعي نشأ وسط مجالس تناقش قضايا كبيرة، تتعدى الحاجات العائلية اليومية؛ وتقودنا إلى نفس اعتادت وفود الزائرين طوال ساعات اليوم، ما يجعلنا نقول: إنه، خلافاً لمن عاش في الحصن في عهود سابقة، نشأ على أن المكان هو موقع للاتصال والتواصل مع الآخرين، ومركزاً للمجتمع، لا ملاذاً للاختلاء بالنفس.

انهيار تجارة اللؤلؤ

حملت حقبة نهاية الحرب العالمية الأولى تطوراً كان له تأثير قاس تمثل في انخفاض الطلب العالمي على اللؤلؤ؛ إذ سيتبع هذه الانتكاسة لاحقاً زيادة توافر اللؤلؤ الصناعي الأقل تكلفة من اليابان في عشرينيات القرن العشرين، وهو ابتكار كانت الحكومة البريطانية مترددة بإدخاله إلى الخليج.

غير أن الآمال لم تكن غائبة تماماً؛ فقد كان الاهتمام الدولي بالنفط واحتمالات توفره بكميات كبيرة في المنطقة، عاملاً في اهتمام الدول الكبرى بمنطقة الساحل العربي، وهو ما ساعد على أن تحتفظ المنطقة بأهميتها، لا بل إن هذه الأهمية تزايدت باستمرار، ما زاد بدوره من فرص التواصل الحضاري مع العالم، وتكثيف الأنشطة الاقتصادية، التي كانت تؤمن الرزق للأهالي.

على هذا الواقع، فتح الشيخ زايد بن سلطان عينيه؛ وبدأت شخصيته الإنسانية، ثم هويته كزعيم تتكون.. وهو واقع مليء بالوعود.

وكان الحكم في تلك الفترة يتنقل بين أبناء زايد بن خليفة. وكان محتماً أن يصل إلى الشيخ سلطان بن زايد نفسه، والد الشيخ زايد. وبالفعل، ما إن بلغ الشيخ زايد الرابعة من عمره، وتحديداً في العام 1922، حتى تولّى والده الشيخ سلطان بن زايد زمام الأمور، وقد استطاع خلال فترة حكمه تحسين علاقاته بالجوار، وتعزيز مكانته بين مواطنيه. وعلى الرغم من قصر مدة حكمه، إلا أن عهده شهد تحولاً كبيراً في إمارة أبوظبي، وبدأت تظهر عليها معالم الدولة الحديثة، رغم الصعوبات التي فرضها واقع الاقتصاد العالمي.

سنوات في العين

بعد رحيل والده (1926)، انتقل الشيخ زايد إلى مدينة العين. وفيها أمضى السنوات الأولى من صباه.. فقد كانت العين الاختيار المثالي وسط الأهل والعشيرة. ولم يكن هذا دون جدوى، فقد تبدت الحكمة في ذلك، حينما نقلت الأسرة الحكم إلى ابن الشيخ سلطان بن زايد الأكبر، الشيخ شخبوط بن سلطان، الوريث الشرعي للحكم بعد والده. وكان ذلك في العام 1928م.

وبهذا عاد الشيخ زايد من العين للإقامة من جديد في قصر الحصن، ولكنه لم يزل صبياً، كان يشهد الأحداث ويتأثر بها.

ومنذ أواسط ثلاثينيات القرن الماضي، بدأ الشيخ زايد، وقد دخل في شبابه، يظهر في قصر الحصن كشخصية نشطة فاعلة، له دورها ومكانها المحسوب. وكان بطلعته البهية وملامحه الحادة وعينيه اللامعتين، يجذب انتباه كل من عرفه، فرأى فيه الناس شبيهاً بذلك الجد العظيم زايد بن خليفة آل نهيان المعروف بـ«زايد الكبير».

وكان من الواضح أن أزمة تجارة اللؤلؤ، التي استفحلت مع الكساد العظيم الذي أصاب الاقتصاد العالمي، تحتاج إلى حلول جديدة مختلفة، تحتاج بدورها إلى وعي جديد ومختلف.

أعمال توسعة جديدة

لم تمر هذه المرحلة على قصر الحصن دون أن تؤثر فيه؛ فقد شهد أعمال توسعة جديدة، حيث أجرى الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان بعض أعمال التوسعة والتغييرات على وظائف أجزاء القصر الداخلية. وجاءت الإضافة الرئيسية ما بين عامي 1940 و1941. وتُعد هذه الإضافة المرحلة الثانية من بناء الحصن.

وجاءت التوسعة الجديدة لتضيف جناحين داخل القصر، وهما الجناحان الشرقي والجنوبي، ويضم كل منهما طابقين ليكونا مقراً للحكم ومسكناً للعائلة.

وتميز هذان الطابقان بتعدد الحجرات فيهما واتساعها، واتصال بعضها ببعض عن طريق حجرات فسيحة، وبعد هذه التوسعات أصبحت مساحة القصر الكلية 6400 متر مربع.

وفي نحو 1960 - 1961 بدأ الشيخ شخبوط بن سلطان يستقبل ضيوفاً ومستشارين مهمين، لا سيما مع ظهور أهمية كميات النفط في المنطقة، لذا تطلب الأمر مكاناً مخصصاً للاجتماعات أو «مجلساً» مع مساحة مخصصة لمكتب تتم فيه إدارة الأعمال. ولذلك تمت إعادة بناء الحصن القديم وخصص لهذا الغرض، بينما استخدمت العائلة أجنحة الحصن الجديدة.

وفي بدايات خمسينيات القرن الماضي، وكجزء من أعمال التجديد التي خضع لها الحصن، أضاف الشيخ شخبوط الأقواس المزخرفة في القسم الخارجي من قصر الحصن.

السؤال والإجابة القاطعة

وكانت كل إضافة وتوسعة جديدة تزيد عمق السؤال حول المستقبل، وشكله وكيف يجب أن يكون؟ وكيف يجب استثمار الثروة التي أنعم بها الله على أبوظبي لتحسين حياة السكان، وفتح أبواب للرزق، وضمان الأمان المستدام، الذي يحمي البلاد وأهلها من صروف الزمان، وتقلبات الأحوال؟

وهذا سيكون السؤال الذي سيصرف المغفور له الشيخ زايد بن سلطان جل حياته للإجابة عنه، إجابة جامعة قاطعة مانعة.

في مدرسة الوالد والحياة

كان جزءاً من أسلوب الشيخ سلطان بن زايد، رحمه الله، في التغلب على الصعاب، التي واجهتها أبوظبي في تلك السنوات، هو المتابعة الحثيثة اليومية لشؤون قومه، والاهتمام بتفاصيل حياة رعيته، ورعاية مصالحهم. وهذه صفات التقطها الشيخ زايد عن والده، وأصبحت من صفاته الأصيلة المقدرة. وقد تمكن من التقاط هذه الصفات بفضل نظام الحياة اليومي في قصر الحصن، حيث كان يواظب على حضور مجلس والده الذي يستقبل فيه المواطنين، ليستمع إلى همومهم، ويشاركهم معاناتهم.

وكان الشيخ زايد يكثر من طرح الأسئلة على أبيه؛ فيزداد بذلك وعيه وإدراكه لتفاصيل الحياة، وبترابط شؤونها، وتشابك أحوالها، وبتأثير بعيدها على قريبها، وقويها على ضعيفها.

ورغم أن السنوات التي قضاها الشيخ زايد في صباه مع والده كانت محدودة جداً، فقد كان في الثامنة من عمره عندما رحل والده، إلا أن الذكريات التي حملها لوالده عن تلك الفترة توضح أنه كان فتى واعياً ومدركاً، وأنه كان قريباً من والده ومتأثراً به، فقد بقي يتذكر مجلس والده، ويذكر ضيوفه من الشيوخ والأعيان الذين كانوا يفِدون من المناطق المختلفة، ويذكر ما كانوا يحملون معهم من قضايا وشؤون وشجون. كما بقيت في أعماقه ذكريات حية عن رحلات القنص التي سعد فيها بمرافقة والده وحاشيته.

وفي جانب آخر، تلقى علوم الحياة في بيئتها الأصلية؛ فقد تعلم مبادئ الحرب والقتال بين البدو. فاتصف بالشجاعة والاستعداد لبذل دمه رخيصاً دفاعاً عن أرضه ضد أي اعتداء. وكان دائماً على استعداد للتضحية بحياته لحماية من يلجأ إليه. وقد شغف بمعرفة وقائع وتاريخ المنطقة في شبه الجزيرة العربية.

وخارج مجلس والده، كان «الكُتّاب» المعين الأول الذي نهل منه المغفور له الشيخ زايد علومه، تماماً كغيره من أبناء البلاد آنذاك. وكان القرآن الكريم أول زاده العلمي، بدأ رحلة التعليم في سن الخامسة على يد «المطاوعة»، الذين يدرسون القرآن الكريم والحديث الشريف وأصول الدين واللغة العربية. وبدأ وهو في الثامنة من عمره بحفظ القرآن الكريم، وكانت شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم هي الشخصية الرئيسية التي لعبت دوراً بارزاً في حياته، وتركت بصماتها العميقة على طبيعة تفكيره وأنماط سلوكه.

واستهل الشيخ زايد سنواته التعليمية المبكرة بسورة «الفاتحة»؛ التي كانت أول ما تنامى إلى سمعه من القرآن الكريم، ولفت انتباهه، فحفظه. وكان حينها لا يزال طفلاً صغيراً، يمرح ويركض في رحاب قصر الحصن مقر الحكم. ومن تفتح عقله على «الفاتحة» لا بد ستنهج إرادته ونفسه ارتياد الجديد، وفتح أبواب التاريخ المغلقة!

واقع دولي جديد

بدءاً من مولد الشيخ زايد بن سلطان، تبدأ سيرة الحصن بالتأثر بسيرته، وتتأثر الحياة بإيقاع شخصية، ضحكاته ولعب طفولته وفضول صباه، ثم همة وعزم شبابه؛ وهنا، علينا أن نتذكر أن عام مولد الشيخ زايد (1918)، لم يكن عاماً عادياً؛ ففي هذا العام انتهت الحرب العالمية الأولى فاتحة المجال أمام واقع دولي جديد، مس بعمق دول ومناطق الأطراف؛ فقد تمخض عن ذلك تدعيم الوجود البريطاني في الخليج العربي بصورة غير مسبوقة على إثر هزيمة ألمانيا، وانتهاء الحكم القيصري في روسيا، واختفاء الدولة العثمانية من الوجود تماماً. وفي هذه الفترة بالذات، أخذت منطقة الخليج تحتل أولوية بارزة في الاهتمام الدولي.

ولم تكن أبوظبي ومنطقة الساحل استثناءً، وكان التعامل مع هذا الاهتمام يتطلب بالمقابل حنكة ودراية للحد من اية تأثيرات جانبية غير محمودة.

وبالتالي، من الحصافة القول إن هذا الواقع الجديد المختلف، الذي ولد فيه الشيخ زايد بن سلطان، كان يتطلب بدوره وعياً جديداً مختلفاً. لا سيما أن هذه التغيرات الدولية ستفرض تأثيرها القوي على الواقع في إمارة أبوظبي، «الصغيرة» و«المجهولة» في ذلك الوقت، الذي تقاس فيه أهمية الدول بالحجم الذي تشغله على الخارطة وبعدد السكان الذين يشغلون هذا الحجم؛ وبرغم كل شيء تمكنت هذه الإمارة، بعد سنوات قليلة، من التحول إلى واحدة من أكبر المناطق المنتجة للبترول في العالم. غير أن هذا وحده لم يكن كفيلاً بإزاحة أستار العزلة والنسيان عنها، ولكن الإمارة تمكنت من ذلك بحسن قدرتها على استثمار عوائد أهميتها الاقتصادية والسياسية في المجتمع الدولي، وبحسن إدارتها لخياراتها الثقافية المتعلقة بهويتها الوطنية، حيث تمكنت بسلاسة من الجمع بين وسائل العصر الحديث وحضارته، وبين ماضي الأجداد وتراثهم الأصيل.

وهذا، بدوره، كان له أثره في تغيير طبيعة الحياة في قصر الحصن، بالتوازي مع التغييرات الهامة التي حدثت في المنطقة كلها؛ فلم يعد القصر مجرد بيت حكم يتعامل مع المجتمع المحلي، لا سيما مع دخول معطيات جديدة في المعادلات السياسية والاقتصادية الدولية، تجد غاياتها في المنطقة. وبالتالي، بات الموفدون الأجانب زواراً معتادين، يفدون إلى قصر الحصن حاملين مختلف الملفات، التي تتطلب نقاشاً.

دور رئيسي

ومن أبرز ما جاءت به تلك الأعوام هو أن هياكل الحكم المحلية باتت تتمتع بدور رئيسي في تسيير الحياة وإدارة الشؤون الداخلية؛ لذا، فإن كثيراً من جوانب الحياة ارتبطت بالكيفية التي تدير بها الإدارة والحكم المحلي الأمور؛ فأصبحت شخصية الحاكم على جانب كبير من الأهمية.

1
استخدم البناؤون لإنشاء الأرضية المرتفعة، جذع الغاف، لتكون العمود الأساسي، ولتتشابك مع خشب شجرة القرم.
2
كانت الأخشاب المستخدمة في صنع البناء، تُغمر بمزيج من التمر المسحوق والسمك لحمايتها من الحشرات.
3
تتميز مداخل الحصن بكثرة الزخارف عن بقية الجدران، كما تم تزيينها بقطع البلاط المطلي بأسلوب جميل.
4
غُطيت الجدران بطبقة من الكلس، وهذا ما أكسبه لونه الأبيض المعروف، وهو ما منح القصر اسم القلعة البيضاء.
5
صُممت النوافذ بأسلوب «البارجيل»، ووُضعت على مستوى الأرض، لتسهم بإدخال أقل كمية من الضوء المباشر.
6
كانت الأحجار المرجانية المستخدمة في بناء الحصن تُترك تحت أشعة الشمس لمدة أسبوع، لتتحول إلى قوالب صلبة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات