جاءت قصيدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، الموجهة إلى الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، لتعبّر عن واقع ملموس من التلاحم ووحدة الحال بين دولتي الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، تلك الوحدة التي تتجلى على مستوى القيادات والشعوب، وتترجمها مواقف البطولة في ميادين الشرف والذود عن طمأنينة الأوطان.
وكما هي عادة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في تقديم الشعر سفيراً فوق العادة بين يدي رؤاه الرحبة وآرائه السديدة، يختار سموه لهذه القصيدة بحراً خفيفاً على السمع، ومفردة عالية الشفافية والدقة، بالغة الوضوح، موشحة بموسيقى داخلية من حُليّ الشعر وفنون بيانه، لتحمل رسالته النبيلة وموقفه الصريح الذي لا مواربة فيه.
كما يليق بقائد مستنير وفارسٍ شهم وشاعر يقدّر الشعر حق قدره، وكثيراً ما كان هذا دأب سموه في العديد من القضايا الدولية، وقضايا الشأن العربي، والمسائل المحلية على حد سواء، فسموه يدرك أهمية الشعر وأثره في النفسية العربية التي تطرب للشعر، وتهتز لمعانيه، وتُقبل على مضامينه الثمينة.
ومن هذا الفهم العميق لمجتمعه من جهة، ولرسالة الشعر المسؤولة من جهة أخرى، يفرد سموّه جناح الشعر، ليحلّق عالياً من دار زايد إلى دار سلمان، عبر قصيدة تصلح بحق أن تكون ميثاق وفاء وعهد محبة ووثيقة تؤرخ لنبل العلاقة، ووضوح الموقف ووحدة المصير بين بلدين تظافرت في سبيل ألفتهما وشائج القربى وأواصر المحبة وصفاء النوايا والجوار الحسن، وجاء الشعر بعد ذلك ليكون لسان بيان وشاهد عيان على حالة هي الشعر في أسمى تجلياته.
دلالات
يستهل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم قصيدته بنداء شامخ وعهد راسخ، في تتابع له دلالته وإيماءاته التي لا تخفى على العين الخبيرة:
يـاجـبـل مـــا يـهـزك ريــح
كـلـنا فــي صـفك اخـوانك
فالمعنى الدلالي لرسوخ (الجبل) لا يقف عند المقابلة بين ثبات الجبل (وهو هنا الأمير محمد بن سلمان)، ولا ينتهي عند المقارنة بينه وبين (الريح)، التي مهما اشتدت فإن مبلغ أمرها أن تكنس عوالق الغبار عن سفح الجبل، لتتجلى صلابته وصلادته في أبهى صورها! بل تمتد هذه الدلالة لتؤكد ثبات الموقف وجدية التصريح الذي يليها: (كلنا في صفك اخوانك)، وإمعاناً من سموّه في هذا التأكيد، يأتي البيت الثاني في السياق ذاته، إفهاماً (وإفحاماً) لمن لا يريد أن يفهم:
مـعـك بـالتصريح والـتلميح
نـبذل المجهود في شانك
كنز
وعلى الرغم من انتهاج صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الأسلوب السهل الممتنع في هذه القصيدة، وتعمّد سموه الخطاب المباشر والصريح، الأمر الذي ينسجم مع غرض القصيدة وغاية كتابتها، فإن التدقيق في عباراتها يكشف عن كنز خفي من الحيل الفنية واللغوية، التي تفصح عن مقدرة الشاعر وإتقانه أساليب البلاغة وألوان البديع ومحسناته.
وتوظيفها توظيفاً ذكياً يضفي رونقاً على النص دون المساس بغايته أو التأثير سلباً في وضوح رسالته وانسيابية روحه المتدفقة، ويكفي هنا الإشارة إلى الطباق في مفردتي (التلميح والتصريح) في عجز البيت الثاني.
والطباق لون من محسنات البديع التي تضفي جمالاً على لغة القصيدة، وترفد موسيقاها، لتشد ذائقة المتلقي وتطرب أذنه، في الوقت الذي تسعف فيه مبدع القصيدة لتأكيد المعنى وإيضاحه، ويكشف عن مقدرة الشاعر على جمع الشيء ونقيضه، والتفريق بينهما في الوقت نفسه، وقد عدّه النقاد من جماليات اللغة العربية ودلائل خصوصيتها وتفردها.
وأما في البيت الثالث من القصيدة:
يـامحمد مـن جفاك ايٌطيح
نــاصــرك الله ع عــدوانـك
فكأن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أراد القول إن التناقض والتباعد بين الأمير محمد بن سلمان و(الجافين له)، مؤكد وملموس، كما هو التناقض في البيت السابق مؤكد بين (التلميح والتصريح)!
وقبل الخروج من دائرة هذه الهندسة (بديعة التناقض) يجدر بنا الالتفات إلى إلماحتين ذكيتين في خبايا البيتين الثاني والثالث:
أولاهما أن الشاعر يتبع الإشارة إلى (التناقض) بين (التلميح والتصريح) بإشارة واضحة إلى (الانسجام) في قوله (نـبذل المجهود في شانك)، والثانية هي تأكيد (العلو وسمو المكانة للأمير محمد بن سلمان، والضعة والضعف لأعدائه)، ذلك من دون اللجوء إلى الإفصاح المباشر والإسهاب، بل من خلال اختزال هذا الكم الكبير من الكلمات في كلمة واحدة (ايطيح)! فهذه المفردة تحتوي ضمناً كل هذه المعاني مجتمعة، وفي الغالب أن من (يطيح) في لهجتنا العامية (يهوي) من (علو)، وهذا ما يعيدنا إلى المطلع الشامخ: (يا جبل ما يهزك ريح).
أصالة وعبقرية
هذا الخيط الخفي الذي تنساب فيه لآلئ الشعر، لتتجاور وتتراصف في نظام عبقري، يظهر حيناً ويتخفّى حيناً، ليشف عن وحدة القصيدة وأصالتها، لا يجيده إلا شاعر مبدع، ولا تغفل عنه إلا ذائقة على بصيرتها غشاوة. وامتداداً لهذا الخيط العبقري، يستمر الشاعر في وصف (الجبل) الذي ارتقاه على صهوة قصيدته الصاهلة:
رجــح قــدرك ولـك تـرجيح
بـالـعقل ربـك عـطا وزانـك
أوليست الجبال (راجحة) إذا ما قيست بأي شيء، وهل لصفات مثل (الثبات) و(الرزانة) موصوف أقرب وأدل من الجبال الرواسي؟!
من هذه النقطة (الثابتة) يتحرك النص لينفي الشاعر عن هذا (الجبل) صفة غير مستحبة تألفها غيره من الجبال، وهي (الجمود)، فهذا الجبل، بالرغم من رسوخه، نابض بالحركة وثّابٌ نحو النهضة والتغيير:
خـطـة الـتطوير والـتصحيح
بـيدينك بـين العرب شانك
ودافـس الصحراء لها تربيح
والاقـتـصاد الـحـر مـيـدانك
وقبل الوصول إلى خط النهاية، يَثني صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عنان قصيدته الجموح، ليسجل انطباعات سموّه عن زيارته الميمونة لرياض المجد.
وكأني بسموه يقف وقفة فارس عاشق على ربوة من رُبى (نجد) مطلاً على رياض المحبة، ليهديها لقباً ثميناً وعميق الدلالة: (دافوس الصحراء)، في مقارنة مع مدينة (دافوس)، المقر الدولي للمنتدى الاقتصادي العالمي، مع كل ما تحمله هذه المقارنة من إعجاب وثقة بإمكانات واحة شامخة في الصحراء العربية ومقدرتها على سحب البساط من تحت قدمي مدينة أوروبية تفترش ضفاف نهر «لاندويسر» السويسري.
إنها شهادة قائد عربي فذ، تشهد له منجزاته بصدق الحدس وبعد النظر، ورسالة شاعر مبدع وشقيق محب وصديق كفوء، يذيلها بإمضاء مختصر: (ما يهمّك). وقيادة المملكة والشعب السعودي والعالم كله يعرفون معنى هذه الكلمة حين تصدر من رجل مثل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، هذا الشاعر الإنسان والفارس المحنك الذي يختتم قصيدته بأمنية فارس نبيل لفارس نبيل، ولا كلام بعد هذا:
مـايهمك لـي يصيح ايٌصيح
وعشت سالم فايز أرهانك
