صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، شاعر متمكن، له في الشعر النبطي على المستوى الخليجي رايات مرفوعة، وعلامات بارزة، وبصمات مطبوعة واضحة لا تخفى على المطلعين والمهتمين بهذا الفن الأدبي، أنتج في هذا الميدان جملة معتبرة من قصائده على مختلف أنواعها وأبوابها.
واستطاع أن يتفوق في هذا المجال وأغراضه تفوقاً يشد الانتباه ويشغل الذهن، حتى يمكنني أن أعتبره الشاعر الأهم والأبرز على الساحة الخليجية، وهو لا يزال متواصلاً في نظمه ونتاجه على مدى مساحة واسعة وطويلة من السنين، أنتج خلالها كمّاً وافراً من القصائد المعتبرة والمهمة التي ساهمت في تنشيط الساحة الشعرية النبطية، وتشجيع شعراء النبط على المساهمة الفاعلة في هذا المجال.
وكان له كثير من الفضل في رفد هذه الساحة بجيد الأشعار والقصائد النبطية ذات الذوق الرفيع العالي، التي حافظت على مقومات الشعر النبطي وركائزه من الوزن والقافية، وإن كان له من التجديد في هذا الشعر، فإنه انصب في إطار الصور والمضامين والمعاني، بحيث تماشى في نظمه ومضمون المعاصرة والذوق الجديد في التجديد من داخل هذا الفن دون خروج على قواعده ومستلزماته.
واستطاعت قصائده الشعرية أن تصل إلى المتلقي وتتفاعل مع اهتماماته وذوقه الشعري، ويكون لها ذلك الرصيد من المتابعة الشعبية، سواء من القراء عامة ممن يستسيغون هذا الفن ويتفاعلون معه، وهم الرصيد الأكبر في هذه المتابعة والتلقي أم من الشعراء النبطيين أنفسهم من أصحاب الفن ذاته أم من المهتمين بدراسة الشعر النبطي والباحثين في هذا المجال.
قصائد الشيخ محمد على مدى طويل من الوقت من كل هذا الذي ذكرناه، بحيث شكلت لها رصيداً من المتابعين والمهتمين والمتفاعلين، فانتشرت على المستوى المحلي والخليجي انتشاراً ضمن لها المتابعة الأهم والتفاعل الأكبر بين مجموع الشعراء، لما تمتاز به من خصائص كثيرة، أهمها اللغة الشعرية السهلة البسيطة المفهومة لدى كل الخليجيين.
وليس الإماراتيين فقط، وقد نضيف إلى ذلك الجمهور الشعري العربي، وقد وجدنا كثيراً من المتفاعلين والمهتمين من الشعراء العرب، حين كان الشيخ محمد بن راشد ينشر قصائد ألغازه بالشعر النبطي، فقد كان يأتينا كثير من المشاركات الشعرية الجميلة والقوية من شعراء العرب من كل بقاع الوطن العربي. فلهجة الشيخ محمد بن راشد وخصائص لغته الشعرية مفهومة لدى المتابع الخليجي والعربي.
كما يمتاز الشيخ الشاعر بجدة موضوعات قصائده ومناسبتها للذوق العصري دون إيغال في العامية المفرطة، أو الغوص في أعماق المعاني القديمة، وإنما انفتح مجال الشعر لديه ليكون من خلاله أداة عصرية لمخاطبة جيل العصر من شعرائه ومتلقيه والمتفاعلين معه، حتى إنني أكاد أجزم بأنه لم يتمكن شاعر معاصر نبطي من إيجاد هذا العدد الكبير والطاغي من المتابعين والمتفاعلين.
ولست أقول هذا القول جزافاً، وإنما من خلال رصد دقيق لمسيرة الشيخ محمد بن راشد الشعرية على مدى طويل من السنين ودراسة معمقة لكثير من قصائده النبطية، والأهم في ذلك أن قصائد الشيخ محمد بن راشد تكون نتيجة محرك شعوري وسبب ودافع لها، بحيث يكون لكل قصيدة مناسبة خاصة بها.
وهذا ما يمثّل تفاعلاً وجدانياً من الشاعر يكسب قصيدته جدّتها وفيض شعور وإحساس الشاعر فيها، مما يسوّغها لدى المطلع والمتابع، بحيث يشعر بمدى حرارة العاطفة والفكر فيها، وعادة ما تكون القصيدة معبّرة في هذه الحالة تعبيراً وجدانياً، فيشعر القارئ بدفء عاطفة الشاعر ووجدانه فيها، مما يكسبه شيئاً كبيراً من التفاعل والاهتمام والمتابعة.
مؤازرة
هذه مقدمة بسيطة استحضرتها وأنا أقرأ الأبيات الجميلة السهلة المعبرة التي صاغها الشيخ محمد بن راشد في الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع في المملكة العربية السعودية المحفوظة بإذن الله بحفظه.
والمشمولة إن شاء الله برعايته سبحانه وتعالى، لأنها أرض الحرمين الشريفين، والشيخ يعبّر في هذه القصيدة عن وقفته تجاه ما يتعرض له الأمير من هجمة شرسة في موضوع شغل الرأي العام طيلة المدة السابقة.
وتعتبر هذه القصيدة في مضمونها ومحتواها مؤازرة مهمة لهذه الشخصية الخليجية الواعدة في عالم الحكم والسياسة، خاصة أنها تأتي من أهم زعيم عربي في هذه المرحلة، وهو صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، الشخصية التي تزن الأمور بميزان العقل والمنطق والحكمة، حتى يكون لرأيه في كثير من القضايا أهمية بالغة، وتأثير واضح.
وبصمة جلية، فهو يناصر هنا أخاه الأمير في موضوع مهم شغل بال الشاعر الشيخ محمد، ووجد الفرصة سانحة لأن يعبر فيه عن هذا الموقف، ومن خلال هذه الأبيات التي نظمها بهذه المناسبة.
ويستطيع الشاعر الشيخ محمد أن يعبر عن موقفه وتضامنه مع أخيه بأسلوب نثري متميز، وهو يملك ناصية البيان في مثل هذه الأمور، ويكون لكلامه وتصريحاته أثر وتأثير قوي، لكن سموه فضّل أن يعبّر عن هذا التضامن والوقفة المشرفة بأسلوب شعري لسببين، أولهما لأن التأثير الشعري أقوى وأبلغ في النفس العربية، وأكثر قبولاً وتفاعلاً عند جمهور القراء، وثانياً رأى أن الشعر لم يشارك في هذه الملحمة بالقدر الكافي من التفاعل والمشاركة.
فاختار هذا الطريق والأسلوب للتعبير عن وجهة نظره وموقفه من هذه القضية المهمة، وأن يرسل من خلال شعره رسالة مهمة لكل القراء والمتابعين، يكون لها تأثير واضح وجلي في وجدانهم وعاطفتهم، وهو الأهم والأبلغ في هذه المرحلة من كلام وتحليلات السياسيين والمنظرين، لأن الشعر له قابلية لدى جمهور القراء العرب، وتأثيره أوضح فيهم، وتفاعلهم معه أسرع وأبلغ، فكان لذلك ميلاد هذه القصيدة الجميلة المعبرة التي صاغها الشاعر على عجل، وبتأثير من فيض عاطفته ووجدانه.
فجاءت كما ينبغي تنساب كالماء الرقراق لتتفاعل مع النفس العربية الشفافة، لتكون في الساحة الشعرية موقفاً للشعر النبطي، ولجمهور هذا الشعر العريض الممتد في كل أرجاء الخليج والمنطقة العربية، واختار الشيخ محمد صياغتها باللهجة النبطية عن الشعر الفصيح الذي هو قادر على الإنتاج فيه بالمستوى نفسه وبالقدرة ذاتها من التأثير.
لأن الشعر النبطي في هذه المرحلة، وخاصة في الساحة الخليجية، يمتاز بكثرة المتابعين والمهتمين به، فكأنه أراد لرسالته الشعرية أن تصل إلى أكبر عدد ممكن من القراء، ولا شك أن الإعجاب من كلا الشخصيتين متبادل بينهما، فقد سمعنا، أمس، إعجاب الأمير بالشيخ محمد بن راشد، بحيث جعله الإنسان الذي شكّل نموذجاً فريداً للبناء والتنمية في المنطقة العربية.
واليوم يأتي الرد من الشيخ محمد بإعجاب مستفيض بشخصية الأمير محمد بن سلمان، وتعاضده معه في مثل هذه المواقف، ولكون الشاعر مسوّغاً لموقفه بهذا النظم، يعطي ذلك دلالة واضحة على مدى اهتمام الشيخ محمد بن راشد بالشعر، بحيث يجعله المعبّر عنه في مثل هذا الموقف.
مشاعر
أبيات قليلة لكنها معبرة وجميلة، تكتنز بمشاعر وجدانية تفور من شدة حرارتها وصادق تعبيرها، سهلة وميسرة، سريعة الهضم والتفاعل معها، يجعله الشاعر في بدايتها كالجبل الصامد الذي لا تهمه الرياح ولا تحركه العواصف، فهو ثابت صلب مهما تغيرت الظروف حوله، وذلك وصف بديع ومعبّر عن حقيقة الممدوح في مثل هذا الظرف الذي يحتاج فيه إلى أن يكون مثل الجبل.
ويقدم الشاعر له مناصرته في ثوب من التأكيد والمعاضدة الصادقة، بأنه في صفّه يناصره ويشد من أزره، وعبّر عن ذلك بصيغة الجمع، إما للتعبير عن نفسه وكأنه يمثل غيره من الناس والمواطنين، أو تحدّث على لسانهم بأنهم كلهم يقفون مناصرين للأمير، وليست مناصرة عادية، وإنما هم إخوانه، وذلك أقوى في تأكيد وبيان قوة هذه الوقفة والمناصرة.
في البداية، يبين صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أنه معه قلباً وقالباً، سواء في التصريح بذلك وبيانه صراحة دون مواربة أو مجاملة، أو بالتلميح في ذلك، أي أنه في كل الأحوال معه يؤازره ويناصره، وليست هي مناصرة قولية فقط، وإنما قول وفعل، فهو يبذل كل مجهوده من أجل الأمير وتقوية موقفه.
ثم يوضح أن أخاه الأمير محمد بن سلمان على حق، وأن الله ناصره على أعدائه، وهنا نلمح ملمحين مهمين، أحدهما قرب الشاعر من نفس الممدوح، بحيث يشكّلان أخوة بينهما، لذلك خاطبه باسمه المجرد «يا محمد».
وذلك ما يبين عن مدى القرب بينهما، ذلك القرب الذي يرفع الكلفة الأدبية بين الرجلين، وثانيهما أن الشيخ محمد بن راشد يعتبر كل من وقف ضد الأمير محمد بن سلمان في هذه القضية من أعدائه، لذلك قال: «ناصرك الله ع عدوانك»، فالنصر في يقين الشاعر ليس من البشر، وإن كانت منهم الوقفة، ولكن النصر من عند الله.
والملمح الأخير في هذا البيت تأكيد للثاني، إذ صدّر بيته بأن من يجافي الأمير لا بد من أن يسقط وينهزم (من جفاك يطيح)، فالنصر له مؤكد في الشطرين، كما أن الهزيمة لأعدائه مؤكدة في الشطرين أيضاً، وهذا من بلاغة الشاعر وفهمه لمدلولات الألفاظ.
ترجيح
وعند الشاعر أن الأمير يتميز بقدر راجح من العقل والفكر والمنطق والمستوى، ليس عند الشاعر فقط، وإنما جموع الناس الآخرين، لذلك يقول: «ولك ترجيح»، أي يرجّحون كفتك، وما أنت عليه من قدرات وكفاءة، وأهم ما يركز عليه الشاعر في ذلك هو تميزه برجحان العقل الذي جعله الشاعر زينة من الله له، وتلك ميزة كبيرة للأمير بأن يجعل الشاعر ميزان تميزه بعقله وفكره، لأن هذا الذي يمر بالمنطقة يحتاج إلى مثل هذا العـــقل والفكر، وليس مجرد العاطفة فقط.
ويشير الشاعر إلى أهم ما تميز به الأمير، وما قام به في فترته القصيرة منذ توليه ولاية عهد المملكة، وهي خطة التطوير التي تبنّاها الأمير وبدأ تنفيذها.
وليس التطوير وحده، وإنما ما صاحب ذلك من التصحيح في كثير من المجالات الحياتية التي تتماشى فيه الخطتان بعضهما مع بعض، وتحققان النجاح اللازم لهما، وقد أدت هاتان الخطتان إلى رفع شأن الأمير بين العرب جميعاً، إذ وجدوا فيه الطاقة للتطوير والتصحيح اللذين تريدهما الأوطان.
ولم ينسَ الشيخ محمد أن يشير باهتمام إلى مؤتمر «دافوس الصحراء» الذي انعقد في السعودية، ويؤتي ثماره الاقتصادية على كثير من الصعد والمناحي.
حيث يجعل الشيخ محمد الاقتصاد الحر ميدان الأمير محمد بن سلمان، هذا الاقتصاد الذي يراهن الشاعر على نجاح قيادة الأوطان من خلال الاهتمام به والتشجيع عليه، إذ يجعله المركبة المهمة لقيادة عجلة السياسة وراءه، وليس العكس، وكأنها دعوة من الشاعر للأمير إلى أن يستمر في تطوير هذا النهج الاقتصادي وبذل الجهد لنجاحه.
فوز
ويختتمها بالدعوة لأن يعيش سالماً من الأذى فائزاً بالرهان الذي تحمّل مسؤوليته، وهي دعوة تتناسب وموضوع القصيدة، ويقول له في نهايتها إنه لا يهمه كل من يصيح ويرفع صوته بالصراخ الذي يتلاشى في الهواء، لأنه مجرد صياح لا تأثير له في ركب البناء والعمل الذي يحمل أمانته ومسؤوليته.
حقيقةً، قصيدة جميلة رائعة معبرة سهلة ميسرة، تدخل إلى أعماق الشعور والوجدان، وتتسم بموقف صامد من الشاعر في مناصرة أخيه، والوقوف معه في هذا الظرف المهم الذي تمرّ به منطقة الخليج التي بإذن الله محفوظة بحفظه، آمين يا رب العالمين.
