قطعت دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية شوطاً كبيراً في إرساء دعائم العلاقات الثنائية في شتى المجالات، التي تستقي قوتها ومتانتها من الرغبة الحقيقية والأكيدة للقيادتين والشعبين الشقيقين في بناء علاقات استراتيجية شاملة ومتكاملة.

وخلال التطورات الأخيرة التي تشهدها منطقتا الخليج والشرق الأوسط ظهر التعاون والتنسيق بين البلدين الشقيقين على أعلى مستوى دعماً لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، وبرز في أرقى صوره مع التضحيات التي قدمها شهداء البلدين فوق أرض اليمن، حيث امتزجت دماء المقاتل الإماراتي بدماء المقاتل السعودي، دعماً للشرعية وتعزيزاً للأمن والاستقرار في المنطقة.

ولا شك في أن اشتراك دولتين مركزيتين في النظام الإقليمي بوزن وحجم الإمارات والسعودية في الإدراك الكبير للمخاطر الخارجية سواء المخاطر الناتجة عن الأزمة القطرية أو العمل معاً على استعادة الشرعية في اليمن، يعطي دفعة كبيرة لاستقرار المنطقة، ويقوّض المشروع الفوضوي الذي تحاول كل من إيران وقطر فرضه على منطقة الخليج.

وخلال الأعوام القليلة الماضية شهدت العلاقات الثنائية بين البلدين تطورات كبيرة على كافة الأصعدة خاصة بعد تأسيس مجلس التنسيق الإماراتي السعودي الذي مثل -وفق آراء المحللين- بعداً استراتيجياً في الطريقة التي تسعى بها الدولتان لمعالجة التحديات والاعتماد على مصادر القوة في البلدين، حيث يمثل حجم اقتصاد البلدين ما قيمته تريليون دولار.

كما مثل قرار صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، الخاص بتشكيل لجنة للتعاون والتنسيق المشترك بين الإمارات والسعودية في 5 ديسمبر 2017 بما يشمل كافة المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية والتجارية والثقافية، خطوة تمهيدية بالغة الأهمية في توسيع آفاق ومستويات التعاون بين البلدين بما يحقق مصالحهما التنموية المشتركة وتتخطى آثاره الإيجابية مختلف دول منطقة الخليج والدول العربية.

مشاريع

وتعمل في الإمارات حالياً نحو 2366 شركة سعودية و66 وكالة تجارية مسجلة لدى وزارة الاقتصاد، ويبلغ عدد المشاريع السعودية في الإمارات 206 مشاريع، بينما يصل عدد المشاريع الإماراتية المشتركة في السعودية إلى 114 مشروعاً صناعياً وخدمياً، برأس مال بلغ 15 مليار ريال، فيما تخطت الاستثمارات الإماراتية في المملكة الـ9 مليارات دولار.

ويفد إلى الإمارات سنوياً ما يزيد على مليوني سائح سعودي كما تأتي الإمارات في طليعة الدول المستثمرة في السعودية باستثمارات تتخطى 33 مليار درهم، فهناك أكثر من 30 شركة ومجموعة استثمارية إماراتية تنفذ مشاريع كبرى في السعودية.

وبدأت العلاقات الإماراتية السعودية تتخذ أبعاداً جديدة على المستويات كافة، إذ تولت لجنة التعاون والتنسيق تنفيذ الرؤى الاستراتيجية لقيادتي البلدين، بهدف مواجهة التحديات في المنطقة، ودعم وتعزيز العلاقات السياسية والعسكرية والتجارية والثقافية، في إطار كيان قوي متماسك يعود بالخير على الشعبين الشقيقين، ويدعم مسيرة العمل الخليجي المشترك.

ويؤكد محللون أن العلاقات الإماراتية - السعودية، تستند إلى أسس راسخة من الأخوة والرؤى والمواقف والتوجهات المتكاملة وترتكز إلى موروث من التفاهم والتوافق المشترك حول مجمل القضايا، وأن لدى البلدين مواقف مشهودة في التعاون الإقليمي يحتذى بها، ولديهما فرص تاريخية بوجود قيادات تاريخية وثقة كبيرة بعقول مواطنيهما وكوادرهما علاوة على العلاقات المتميزة والاستثنائية التي تجمع الإمارات والمملكة.

ونتج عن الاجتماعات المتوالية بين أعضاء لجان التعاون والتنسيق الإماراتي والسعودي التي عرفت بـ«خلوات العزم» في أبوظبي والرياض وجدة وانبثق عنها مجلس التنسيق السعودي الإماراتي، استراتيجية العزم ومجموعة كبيرة من القرارات والمشاريع الاقتصادية التي تصب في مصلحة البلدين الشقيقين.

وأكد الأمين العام المساعد لمجلس التعاون لدول الخليج العربية للشؤون السياسية والمفاوضات الدكتور عبد العزيز العويشق، أهمية الشراكة الاستراتيجية بين دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، كونهما أكبر اقتصادين خليجيين وعربيين يشكلان معاً منظومة استراتيجية متميزة سياسياً وعسكرياً، موضحاً أنّ الشراكة الاستراتيجية بين الإمارات والسعودية تسهم في استكمال المشاريع الخليجية الأخرى، مثل الاتحاد الجمركي والسوق المشتركة، وشبكة سكك الحديد والتأشيرة السياحية الموحدة، وتوحيد البنية التشريعية للأسواق المالية والبنوك، كما تسهم في تفعيل الشراكات الاستراتيجية الدولية.

وقال إن مجلس التنسيق يعمل ضمن منظومة العمل الخليجي، ويمثل رافداً للعمل العربي المشترك، حيث يهدف إلى وضع رؤية مشتركة بين البلدين لتعميق العلاقات المتميزة بينهما بما يتسق مع أهداف مجلس التعاون، وتعزيز المنظومة الاقتصادية المتكاملة بين البلدين الشقيقين، وإيجاد الحلول المبتكرة للاستغلال الأمثل للموارد الحالية وبناء منظومة تعليمية فعّالة ومتكاملة قائمة على نقاط القوة التي تتميز بها الإمارات والسعودية لإعداد أجيال مواطنة ذات كفاءة عالية.

وتعد الإمارات أكبر شريك تجاري للمملكة العربية السعودية على مستوى الخليج والمنطقة العربية ككل، ويعد حجم التبادل التجاري بين الجانبين الأعلى في الخليج وقد وصل حجم هذا التبادل العام الماضي إلى نحو 23 مليار دولار، وفق تصريحات معالي سلطان المنصوري وزير الاقتصاد على هامش خلوة العزم الثانية التي عقدت في الرياض 13 أبريل 2018.

ويعتبر إطلاق «مدينة الملك عبد الله» الاقتصادية بتكلفة تتجاوز 100 مليار ريال، نقلة مهمة في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، حيث تم تشكيل تجمع إماراتي سعودي بقيادة شركة «إعمار» الإماراتية، وبالتحالف مع شركات سعودية لتنفيذ المشروع على ساحل البحر الأحمر.

وكان صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، قد أطلق مسمى مدينة «الرياض» على المشروع الإسكاني الأضخم في أبوظبي، حيث تبلغ المساحة الإجمالية لمشروع مدينة الرياض حوالي 8 آلاف هكتار، ما يعادل 85% من مساحة جزيرة أبوظبي، وتشكل ما يقارب 45% من إجمالي الأراضي السكنية في أبوظبي، وتبعد 30 كلم عن مركز المدينة، ومن المتوقع أن تصل الطاقة الاستيعابية بها إلى أكثر من 200 ألف نسمة مع نهاية العمل بالمشروع.

وفي مطلع يونيو العام الجاري خلال اجتماع مجلس التنسيق الإماراتي السعودي بمدينة جدة برئاسة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، والأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، تم الإعلان عن اعتماد استراتيجية مشتركة للتكامل بين البلدين اقتصادياً وتنموياً وعسكرياً عبر 44 مشروعاً من أصل 175 مشروعاً تهدف في مجملها إلى تعزيز التعاون بين البلدين ودعم منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وبما يمهد لمرحلة جديدة من العمل المثمر والبناء بين الطرفين أطلق عليها «استراتيجية العزم» عبر ثلاثة محاور رئيسية: المحور الاقتصادي والمحور البشري والمعرفي والمحور السياسي والأمني والعسكري ويتم تنفيذها خلال أربع سنوات وتم على هامش الاجتماع الأول للمجلس التنسيقي توقيع 20 مذكرة تفاهم بين البلدين ضمن المحاور ذات الأولوية، وذلك لإدخال مشاريع استراتيجية العزم حيز التنفيذ.

وكانت «خلوة العزم» في أبوظبي أول الأنشطة المنبثقة من مجلس التنسيق السعودي الإماراتي الذي تم الإعلان عنه في مايو 2016 في مدينة جدة، الذي شهد إعلانه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ملك المملكة العربية السعودية، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة.

وشددت خلوة العزم التي عقدت في العاصمة أبوظبي في 21 فبراير عام 2017، بمشاركة أكثر من 150 مسؤولاً حكومياً وعدد من الخبراء في مختلف القطاعات الحكومية والخاصة في البلدين على أن التعاون والتكامل بين المملكة والإمارات أصبح في أقوى صوره وأن العلاقات الثنائية تكبر وتقوى لتدعم مسيرة مجلس التعاون الخليجي.