الحياة هي المعلّمُ الأولُ والمباشر للإنسان، يتلقّى تعاليمها ودروسها من خلال إيقاعها الذي يتراوح بين السعادة والشقاء، والنجاح والفشل، والحزن والفرح، والبهجة والكآبة، والإيجايبة واليأس، قليلون هم الأشخاص الذين لا تنحني هاماتهم لخيباتها وإخفاقاتها، والفرسانُ الشجعان هم الذين يجعلون من مراراتها حلاوة تقطر عسلاً، ومن مائها الأُجاج ماءً عذباً فُراتاً.
حين تقرأون نصوصاً في دروس الحياة تقوم في جوهرها على الاحتفاء بالإبداع والتصميم على كتابة قصة الوطن بحروف الإنجاز الثمين، فاعلموا أن قائلَ ذلك وكاتبه هو صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، فارس الكلمة، وشيخ القوافي، ورجل الدولة المتفرد، وسليل الشيوخ الكبار، وصاحب النظرات الثاقبة التي تجمع في معادلة عجيبة بين الحزم والرحمة، فهو كالنسر المَهيب بشموخه وإبائه، حتى إذا اقتربت منه وتعاملتَ معه رأيتَ إنساناً قد انطوى قلبه على أروع شمائل الفرسان ومناقب الرجال الكرام، وكيف لا يكون ذلك وصاحب السموّ قد ارتوى من ينابيع المجد الفياضة بالحكمة والتجربة من خلال صحبته الطويلة المباركة لشيخي الحكماء في زمانهما، والديْه الحبيبين إلى قلبه وعقله: الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، سيّد الوطن الذي لا يغيب، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله، الرجل الذي آثر الوحدة على الفُرقة، ووضع يده في يد صاحب السموّ الشيخ زايد، ووضعا معاً الحجر الأول في بناء صرح الإمارات العربية المتحدة، وأسهما إسهاماً لا تنساه الأجيال في إعلاء البناء، والارتقاء بالوطن إلى الذرى العالية التي يستحقها عن جدارة وامتياز.

واحة إبداع
وإذا كان القادة يعبرون عن أفكارهم ورؤاهم من خلال خطبة أو كلمة يلقونها، فإن الشيخ محمد بن راشد هو واحة إبداع خلابة، فهو الشاعر الذي يحتفي بفكرة الحياة والتقدم، وهو الفارس الذي لا يرضى إلا بأثمن الصيود، وهو رجل الدولة الذي يدير الدولة بصبر الرجال وحكمة الشيوخ، وإقدام الشباب، لا يعرف الخوف ولا التردد إلى قلبه سبيلاً، بل هو تصميمٌ كلّه، وحزمٌ كلّه، وذكاء فطري نادر قلّما يجتمع في كثير من الرجال، ففي شعره هناك صورة باهرة للوطن ورجالاته وإنجازاته، وفي كتبه هناك معالم التفكير الصحيح في إنشاء معادلة التقدم، وفي تغريداته هناك لحظات فريدة من دروس الحياة التي لا يقتنصها إلا ذكيّ القلب، مُحدّق العين في إيقاع الحياة، وها نحن اليوم نقف في حضرته لقراءة شيءٍ من تغريداته الثمينة التي تعكس هموم قلبه النبيل، وصفاء فكره المستنير، ونظرته الصافية للحياة التي تَعلّم منها أثمن الدروس والقِيَم ولسان حاله يردّد مع المتنبي في بيته الشهير:
ليتَ الحوادثَ باعتني الذي أخذتْ
منّي بحِلمي الذي أعطتْ وتجريبي
من خلال نافذة لطيفة وإنسانية ورشيقة تَعبقُ بالتواضع والخبرة سمّاها صاحب السموّ (علّمتني الحياة) يُطلّ علينا أبوراشد بين الحين والآخر بخُلاصاتٍ مُكثّفة تلخّص رؤيته المبدعة وجوهر خبراته الطويلة بالحياة وموقفه من أحداثها، ويكتبها بوصفه رجلَ دولةٍ قد واجه من صعوبات الحياة ومشكلاتها ما يجعل من نظراته نبراساً لكل من أراد الاستضاءة بكلامه الذي يجمع بين أروع مكونات الحكمة: الوضوح والبساطة والصدق، فالحكمة بما هي درسٌ نافع للإنسان ليست وليدة التقعّر والحذلقة اللفظية بل هي قطرة ماء صافية تتلقاها النفوس المتعطشة للنصيحة وأخذ العبرة من تجارب الآخرين.
في مقارنة رائعة بين الدول والأفراد، ورصد ملامح القوة والشيخوخة في كليهما، يكتب صاحب السموّ قائلاً: «علّمتني الحياة أن الدول كالأفراد تحتاج للنمو والتطور والتغيير المستمر، وأن الحكوماتِ يمكن أن تُصيبها الشيخوخة إذا لم تُجدّد شبابَها بالابتكار والأفكار، وأن مَنْ لا يتغيّر تتغيّر عليه الظروفُ فيتراجع، ومن لا يتعلّم كيف يواكبُ زمانه فإن الزمان يعلّمه بالطريقة القاسية: أنه أصبح متخلّفاً ومتراجعاً».
وهذا نظرٌ صحيح وبصرٌ ثاقب، تشهد له وبه التجربة والسنن النفسية والتاريخية في تطوّر الأمم، ومن نظر في مقدمة ابن خلدون وتحليله العبقري المبتكر للسنن التاريخية في قيام الدول وزوالها رأى مِصداقَ ما قاله صاحب السمو واضحاً للعيان، فالدولُ التي تتوقف عند لحظة حضارية محددة تتجاوزها الأمم الأخرى، وسنتحلى بقدر معقول من الشجاعة لنقول إن الأمة الإسلامية قد دفعت ثمناً باهظاً لمحاربتها التطور والتقدم، وقعودها عن تفحّص الذات الحضارية ومعرفة معايير القوة والتقدم، ففي الوقت الذي كانت فيه أوروبا منخرطة في صناعة معادلة القوة من خلال صناعة البارود كان العالم الإسلامي يزيد من اعتماده على السيف والخيل، حتى حدثت المفاجأة الكبرى، ووصل نابليون بونابرت بأسطوله إلى مصر، فواجه السيوف والخيل بالطلقات ليكتشف العالم الإسلامي في تلك اللحظة أنه كان يغُطُّ في سُباتٍ عميق حين كان الغرب يُعيد بناء معادلة القوة ومكونات الصراع.
وفي تغريدة لاذعة رائعة يفاجئنا صاحب السموّ بنقدٍ مرير لواقع السياسة في العالم العربي تحديداً، والتي لا تزيد على الخُطَب الرنانة وتكون جوفاء فارغة من حيث الإنجاز فيقول بلغة لا تخلو من إحساس خفِيٍّ بالمرارة: «علّمتني الحياةُ أن الخوض الكثير في السياسة في عالمنا العربي هي مَضْيَعَةٌ للوقت، ومَفسدَةٌ للأخلاق، ومَهلكةٌ للموارد. مَنْ يُريد خَلْقَ إنجازٍ لشعبه فالوطنُ هو الميدان، والتاريخ هو الشاهد، إمّا إنجازاتٌ عظيمة تتحدّث عن نفسها، أو خُطَبٌ فارغةٌ لا قيمة لكلماتها ولا صفحاتها».
ولعَمْرُ الحق إنها كلمة حق وصدق، دبّجتها يَراعة رجل ارتضع لبان الصدق والصراحة تحت سماء الصحراء وفي مجالس الشيوخ، وتعلّم من الحياة أن كثرة الكلام في كل شيء هو النقيض لكثرة العمل والإنجاز، فضاق ذَرْعاً بذلك كله، وشمّر عن ساعد الجد، وأسرج حصان العمل ورفع راية الأمل، وقاد الجموع المتوثبة للعطاء من الشباب المتوقد لخدمة الوطن، وترك السياسة الفارغة لأهل الفراغ والبطالة، ووضع يده بيد أبي راشد، رائداً لا يكذِبُ أهلَه، وفارساً لا يكبو زنده، وكريماً معطاءً لا تخبو نار عطائه ولا تجفّ دلال قهوته، فهكذا تكون الرجال، وكأنّي به وبالطلائع الشبابية التي أحبّته وسارت عن رضى ومحبة في ركابه ينشدون بصوت واحد ذلك الصوت الخالد لأبي الطيب المتنبي وهو يسجّل مناقب ومآثر سيف الدولة الحمداني فيقول:
ذي المَعالي فلْيَعْلُوَنْ مَنْ تعالى
هكذا هكذا وإلّا فلا لا
ولا يكتفي صاحب السمو بالنقد لمجرد النقد، بل يشير بوضوح تام إلى الطريق الصحيح للعطاء، وهو خدمة الوطن وتشييد الإنجازات الشاهدة بالعزيمة وقوة الإرادة، ومحبة الوطن التي تسمو فوق الشعارات الطنانة والخُطب الجوفاء الفارغة، فالعمل ثم العمل ثم العمل المتميز هو شعار صاحب السمو، وهو منهجه وغايته التي يرتقي بها الوطن ويزدهي بها الإنسان.
وفي استلهام فريدٍ لروح القرآن من خلال شخصية سيدنا إبراهيم على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام الذي أثنى عليه الله تعالى بقوله: {إنّ إبراهيم كان أُمةً} (النحل: 120)، يؤكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد على القيمة الكبرى لأهمية العمل على تغيير حياة الناس نحو الأفضل، والأخذ بأيديهم إلى ما فيه منفعتهم وصلاح شؤونهم في الدين والدنيا، فيكتب هذه التغريدة الراقية التي تعكس جوهر شخصيته الأصيلة المحبة للخير، الساعية لنشر ثقافة المحبة والعطاء بين الناس؛ لأن محبة الخير وإشاعة أجواء السلام والعطاء هي البديل الحقيقي الإيجابي للكراهية والحقد والحسد والبغضاء التي إذا نخرت المجتمع فعلت فيه فِعْلَ السوس في الخشب، فينهار المجتمع تحت وطأة هذه المساوئ الأخلاقية التي هي طارئة على فطرة الإنسان السليمة، فيؤكد صاحب السمو هذا المعنى السامي لثقافة النفع والمحبة بقوله: «علّمتني الحياة: أن أهم إنجازٍ في الحياة هو قدرتُك على تغيير حياة الناس، تيسير حياة الناس، تطوير حياتهم نحو الأفضل، خَلْقُ فرصٍ ومنافعَ لهم، نعم خيرُ الناس أنفعهم للناس، إذا كان همُّك نفسَك فأنت صغير، وإذا كان همّك غيرَك فأنت أكبر من مجموع الناس، وفي القرآن: {إنّ إبراهيمَ كان أُمّةً}».
إن هذا الإيضاح المقصود لمعنى تغيير حياة الناس هو لدفع الالتباس الذي قد ينشأ حول فكرة التغيير، فليس كل تغيير محموداً بل هناك أنماطٌ من التغيير السلبية التي لا يريدها صاحب السمو، ولا يرضاها لمجتمعه الذي يريد له الخير والعطاء، فمن هنا جاء هذا الإيضاح لمعنى التغيير وأنه تيسير حياة الناس، وتطوير حياتهم نحو الأفضل تأكيداً من سموّه على وضوح الرؤية وأصالة القصد.
أما آخر هذه التغريدات التي تسمح بها مساحة الكتابة فهي نظرات صاحب السمو الثاقبة في أنواع الناس في تحمُّل المسؤولية، وحين يتكلم بوراشد عن هذه القضية فهو أبو هذه الخبرات وشيخها، وهو رمحها وسيفها، فقد أنفق عمره الطويل الميمون في العمل واختبار الرجال واختيار القادة والثقات لمساعدته في إدارة شؤون الدولة، وحين يعتصر خبراته في الحياة العملية يطلع علينا بهذه التغريدة الدالة على عمق نظراته وسداد رؤيته للطبيعة البشرية في العمل فيقول: «علّمتني الحياة أن المسؤولين نوعان: النوع الأول هم مفاتيح الخير، يحبون خدمة الناس، سعادتُهم في تسهيل حياة البشر، وقيمتهم فيما يُعطونه ويقدمونه، وإنجازهم الحقيقي في تغيير الحياة للأفضل، يفتحون الأبواب، ويقدمون الحلول، ويسعون دائماً لمنفعة الناس»، فهذا النوع من الناس هو الذي يحبه صاحب السمو، ويشير صراحة إلى قيام الحياة على نماذجهم المحترمة، فهو حين يصفهم بكونهم مفاتيح للخير فإنما يريد تزكيتهم والإشادة بهم كنموذج إداري جدير بالتقديم والثقة وحمل المسؤوليات وليس الهدف من هذا الكلام مجرد الوصف وتقسيم الناس إلى هذين النوعين من الأخيار والأشرار.
ثم يتابع صاحب السمو هذا التقسيم الحاصر لنَوْعي الناس الذين اختبرهم بفراسته وثاقب نظرته ونفوذ بصيرته فيقول: «والنوعُ الثاني: مغاليق للخير، يُصعّبون اليسير، ويقلّلون الكثير، ويقترحون من الإجراءات ما يجعل حياة الناس أكثر مشقةً. سعادتُهم في احتياج الناس لهم ووقوفهم بأبوابهم وعلى مكاتبهم»؛ ففي هذه الصياغة لهذا النمط من الناس إدانةٌ صريحة لهذه الشريحة من المسؤولين الذين يحترفون تنكيد الحياة بالتضييق على المواطنين وتعكير صفو حياتهم، بتعريضهم لهذا النمط من التعامل غير اللائق، لتكون الإدانة النهائية من صاحب السمو على شكل نصيحة نابعة من قلب الخبرة فيقول: «ولا تنجح الدول والحكومات إلا إذا زاد النوع الأوّل على الثاني».
وكأنّي بصاحب السمو حفظه الله يستنبط في تغريدته هذه من الحديث الشريف الذي يرويه ابن ماجة رحمه الله في سننه عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من الناس مفاتيحَ للخير مغاليقَ للشر، وإن من الناس مفاتيحَ للشرّ مغاليقَ للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيحَ الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيحَ الشر على يديه».
وبعد: فإنّ كلمة "التغريدة" في أصلها اللغوي هي صوت طيور الصباح، الطيور التي هي عنوان النشاط والجمال والتوكل والصوت الحسن، ويلوح لي أنّ هناك تلازماً بين الاسم اللغوي والمعنى الاصطلاحي، فكتابات صاحب السمو هي الصوتُ الجميل العابق بالطيب والحياة والخير والبشرى والدعوة الصادقة لصناعة الحياة على الوجه اللائق بكرامة الإنسان وطاقاته الخَلّاقة، فطوبى للوطن بهذا الصوت المسكون بالحب والعطاء والأمل، وطوبى لنا بصاحب السمو قائداً لا يعرف إلا التقدم إلى الأمام.
