يوم جلوس زايد.. تاريخ بارز خليجياً وعربياً ودولياً

قبل أن ينتصف نهار 6 أغسطس من عام 1966 كانت أبوظبي على موعد مع القدر بمبايعة الشعب والأسرة الحاكمة والحاكم نفسه الشيخ شخبوط بن سلطان ليكون الشيخ زايد بن سلطان، رحمه الله، حاكماً لإمارة أبوظبي خلفاً لأخيه، ويقوم بدفع البلاد في مسار التطوير والبناء والحياة العصرية بالإفادة من ثروة النفط، التي بدأت تشكل دخلاً أساسياً منذ أربع سنوات، وقد لقي هذا الحدث ارتياحاً في نفوس حكام الإمارات الشقيقة ومواطنيها، إلى جانب ما لقيه من حكام وقادة عدد من دول الخليج والدول العربية.

وقد عرف أبناء أبوظبي الشيخ زايد، رحمه الله، بحنكته السياسية وهو يدير أصعب المواضيع في العين عندما كان حاكماً لها وممثلاً للحاكم في المنطقة الشرقية مع قلة الموارد، مثل مشكلات القبائل والمصالحات بينها، وتطوير مصادر المياه والتنمية الزراعية، ولعل أبرز جانب تولاه بذكاء سياسي وبعد نظر كان في ترتيب الحدود، أي رسمها مع الإمارات الشقيقة وسلطنة عمان، إيماناً منه بفكرة إصلاح ذات البين، وأن تعطي ما أمكنك الآن من أجل المصلحة العامة في المستقبل.

البدايات الصعبة

أعلن الشيخ زايد، رحمه الله، ميزانية أول عام لأبوظبي بمبلغ 250 مليون جنيه استرليني، وكان منذ اليوم الأول يدرك أن عمله سيكون متواصلاً ليوفر لأبنائه المواطنين بصيص الأمل الذي ملأ نفوسهم مع تسلمه السلطة، ومن هنا قام بإنشاء عدد من الدوائر الحكومية للخدمات والإنتاج، بحيث تغطي متطلبات المواطنين في كل المجالات، على أن تكون هذه الدوائر بذوراً لوزارات في المستقبل القريب، وقد أوكل رئاسة تلك الدوائر لرجال ممن يعتمد عليهم، ومن واقع اهتمامه بالمشاريع وتصاميمها وتنفيذها في الزمن المطلوب، فقد كان، رحمه الله، يناقش في كل مشروع، ويقوم بزيارات تفقدية متواصلة، وكأنه كان في سباق مع الزمن، ولهذا حملته الفترة الأولى من الحكم أعباء لم يكن يهتم بها بفضل نتائجها المتوقعة، ومع تنامي مسار البناء والتطوير في كل النواحي قام، رحمه الله، ببعض التعيينات من أبناء أبوظبي، ممن كانوا مؤهلين لتسلم مهامهم في مجالات سياسية واقتصادية، تسهم في حمل بعض الأعباء التي كان يحملها أو يكلف بها بعض كبار المسؤولين ضمن متابعته الشخصية، وهكذا تم تأسيس الإدارة الحكومية التي أراد لها الشيخ زايد، رحمه الله، أن تسير بسرعة وثبات في نهج بناء أبوظبي العصرية، ومع تعزيز مسيرة تطوير أبوظبي وبناء اقتصادها القوي، كانت النتائج التي توقعها الشيخ زايد، رحمه الله، في السنين القليلة الأولى أكثر من مرضية، وملأت نفسه بالأمل الواعد في المستقبل القريب.

وعلى سبيل الذكر لا الحصر فقد ارتفع عدد المدارس خلال عامين إلى ست وعشرين بدلاً من واحدة، وفيها من الطلاب ستة وأربعون ألف طالب، توفرت لهم كل لوازمهم، إيماناً منه بأهمية التعليم في بناء الأمة، ويقول في هذا:

«إن التعليم هو خير استثمار قامت به الحكومة، وإن البشر لهم الدور الأبرز في دفع عجلة الاقتصاد والتنمية».

ومضت أبوظبي تنفذ خطتها الخمسية الأولى بميزانية بلغت لأول مرة 560 مليون دولار، موزعة على إقامة المزيد من المستشفيات والمدارس والمباني والطرق ومرافق الماء والكهرباء وتحلية مياه البحر وصرف المجاري والمساكن والاتصال الهاتفي، وتمديد شبكات الغاز لتشغيل الخدمات الإنتاجية المختلفة مع اكتمال إقامة المطار الدولي والميناء البحري.

عين الشيخ زايد وقلبه مع إخوانه وأبنائه في الإمارات

جاء في مقولة للوكيل السياسي البريطاني في أبوظبي يصف فيها الشيخ زايد، رحمه الله، بأنه: «يمثل الشيخ العربي البدوي الذي يشعر أنه والد والشعب أبناؤه، وأنه حاكم فطن وحاد الذكاء ومن الصعب انقياده لأحد نظراً لرؤيته الشخصية وتحليله للعوامل السياسية من أي جهة ومن أي مصدر».

من واقع شخصية الشيخ زايد المتفردة في الرأي وطبيعة الشيخ البدوي الفطن والوالد كانت عينه دائماً على الإمارات الأخرى التي كانت تسمى المتصالحة؛ حكاماً أشقاء ومواطنين، وقد تجلى موقفه في إسهامه في مجلس تطوير الإمارات المتصالحة بمبلغ مليوني جنيه مقابل مائة وخمسين ألفاً قدمها مكتب المقيم، إيماناً منه، رحمه الله، بأهمية مجلس الحكام في توفير الخدمات الضرورية التي كان يحتاج إليها المواطنون في الإمارات ذات الدخل المحدود، وهذا ما جعل إخوانه الحكام يعرفونه أكثر، وأبناء الإمارات يقدرون روح العطاء عنده، وهو ما قرب المسافة فيما بعد لمبايعته من قبل الشعب والحكام ليكون رئيساً لدولة الإمارات التي وحدت شملهم بعد انتظار طويل.

كان الشيخ زايد، طيب الله ثراه، يدرك التداعيات القادمة التي كان يراها في الأفق تخيّم في سماء الإمارات والخليج عموماً، وكان أقرب الناس إليه في هذا الاهتمام أخوه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي، رحمه الله، وكان لديهما تصور مشترك لتقارب الإمارات إلا أن الظروف في ذلك الوقت لم تساعد في تحقيق شيء يذكر، ولكن طرأت ظروف جديدة مع تراجع الوضع الاقتصادي في بريطانيا الذي كانت تعاني منه منذ منتصف الستينيات مما دفع حكومة هارولد ويلسون أن تعلن يوم 18 يناير عزمها سحب قواتها من شرق السويس بما فيها الخليج العربي بنهاية عام 1971 بهدف خفض النفقات التي قدرت حينئذ بمبلغ 317 مليون جنيه استرليني، فما كان من الشيخ زايد والشيخ راشد إلا أن التقيا يوم 18 فبراير في منطقة السميح وبحثا الجوانب المختلفة للقرار وخرجا باتفاق وقعاه على إقامة اتحاد بين إمارتيهما له علم واحد، ويضم أجهزة اتحادية في مجالات الدفاع والأمن الداخلي والسياسة الخارجية إلى جانب دوائر الهجرة والصحة والتعليم.

وقد رأى الحاكمان، رحمهما الله، أن اتحاد الإمارتين سيكون نواة لوحدة أشمل، وقد تأكد هذا خلال أسبوع واحد فقط حين التقى حكام الإمارات الخمس الأخرى والبحرين وقطر يوم 25 فبراير في قصر الشيخ راشد في الجميرا للإعلان عن اتحاد يضم تسع إمارات من واقع نظرتهم في العمل المشترك لمواجهة الوضع الجديد في الخليج العربي تحت اسم اتحاد الإمارات العربية برئاسة زايد ونيابة راشد، رحمهما الله.

لكن الاتحاد التساعي لم يخرج إلى حيز الواقع بسبب ظروف عدة، ويعود الشيخ زايد والشيخ راشد، رحمهما الله، إلى مسيرة الاتحاد الأولى وبالسرعة الممكنة وإعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة والموافقة على الدستور المؤقت مع الشيخ زايد رئيساً والشيخ راشد نائباً للرئيس، وذلك في اجتماع حاسم عقد في دبي يوم 18 يوليو 1971 لتتبعه إجراءات عدة، وأمور تنظيمية ودبلوماسية أخرى، اكتملت بالاجتماع التاريخي للمجلس الأعلى للاتحاد في الجميرا يوم الخميس 2 ديسمبر 1971 الذي صدرت عنه أربعة قرارات اتحادية رئيسية في انتخاب الرئيس ونائبه وبدء صلاحية عملهما، وتسمية رئيس الوزراء والموافقة على مواصفات علم الإمارات، وتبع ذلك توقيع أول معاهدة صداقة بين الإمارات وبريطانيا ثم رفع العلم لأول مرة.

واعتباراً من هذا اليوم وعلى مدى 33 عاماً حمل الشيخ زايد، طيب الله ثراه، على كاهله إقامة دولة حديثة أساسها شعب مؤمن برايته وقيادته وينعم بالرخاء والسعادة، في ظل ما تحقق له في كل مجالات الحياة. ويكون الشيخ زايد، رحمه الله، قد أنجز النقطة الثانية في رؤيته الثاقبة بعد إقامة أبوظبي الحديثة.

من يوم الجلوس بدأت الإطلالات الخليجية والعربية

مع بداية انطلاق دولة الإمارات العربية المتحدة لتأخذ مكانها بين دول العالم تقدماً وتطوراً والأخذ بالأحدث في كل جوانب البناء ورخاء المواطن، ومدى ما يحتاجه رئيس الدولة الشيخ زايد، طيب الله ثراه، من وقت وجهد وعمل متواصل إلا أن عينه لم تغمض عن أحداث الخليج العربي والمنطقة العربية بشكل عام بفضل ذهنه المتفتح وشخصيته المستقلة وطبيعة حكمه على القوى المختلفة في الأمور السياسية إلى جانب امتلاكه قوة وجرأة ووضوحاً في الفكر والرأي مما يبقيه شاباً وهو في الثالثة والخمسين من عمره، وقد أكسبته الحنكة السياسية الصواب في نظرته وتحليله للقضايا والمواقف الصعبة التي تمر بمنطقة الخليج والساحة العربية وتمكن أن يكون فيها رقماً صعباً، وليس متفرجاً وبجدارة تحدث عنها قادة وسياسيون وأجهزة الإعلام العالمية، وقد سطع نجم الشيخ زايد في إطلالات عدة كان منها وفق التسلسل الزمني:

حرب 6 أكتوبر 1973

بلغه وهو في لندن في زيارة رسمية أن حرباً نشبت اليوم بين مصر وسوريا من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، وكان يظن إنها هي المعتدية كما تعودنا منها، لكنه اطمأن في اتصال هاتفي بالرئيسين المصري والسوري مساءً بأنهما يخوضان حرباً مشتركة لتحرير سيناء والجولان المحتلين منذ ست سنوات، فبارك لهما وأكد وقوفه إلى جانبهما.

وفي اليوم التالي التقى بجميع السفراء العرب في لندن طالباً منهم إبلاغ حكوماتهم بدعم البلدين الشقيقين في حرب الكرامة العربية. وفي لندن التقى أولاً وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية سير أليك دوغلاس هيوم ثم رئيس الوزراء إدوارد هيث اللذين أبلغاه أنهما لا يقفان مع إسرائيل في هذه الحرب.

ومع متابعته أخبار الحرب أرسل فريقاً من المراسلين والصحافيين إلى مصر وسوريا لنقل الأخبار بعيداً عن الدعاية المعادية.

ومع طلبه شراء غرف عمليات مركبة ومستعملة وإرسالها إلى الجبهتين، فقد استدان مبلغ مائة مليون دولار من ميدلاند بنك لندن وحولها إلى مصر لتغطية ثمن قطع غيار الطائرات الحربية، وأخيراً جاء قراره في قطع النفط بالكامل عن الدول التي تقف مع إسرائيل ليتوج وقفته مع أشقائه بشكل ترجمه العالم بأن الشيخ زايد فتح جبهة ثالثة ضد العدو.

إيران والعراق وتحرير الكويت

من المنزلقات التي أثرت على أمن واستقرار الخليج العربي اندلاع الحرب العراقية الإيرانية عام 1980 وامتدت ثماني سنوات، وقد وقف الشيخ زايد، رحمه الله، ضد هذه الحرب لأنها تدمر البلدين وتؤثر على أمن واستقرار المنطقة بشكل عام، وكانت تصريحاته الصحافية دائماً تحمل التحذير للطرفين بأنه لن ينتصر فيها أحد وستعود بالدمار على البلدين، وهو ما تأكد فيما بعد.

وفي حدث بالغ الخطورة قطع الشيخ زايد، طيب الله ثراه، زيارته إلى مصر وعاد إلى الإمارات لبحث سبل المشاركة في تحرير الكويت بعد أن احتلها الجيش العراقي، وقال، رحمه الله: «إن الكويت جزء منا وعلينا أن نساعدها بكل وسيلة كي تعود كما كانت». وكانت قوات من دولة الإمارات أول من يصل إلى المملكة العربية السعودية للانضمام إلى قوات درع الجزيرة التي كان لها دور كبير، وفي زيارته للكويت عام 1991 للتهنئة بتحريرها التقى أفراد قواتنا المسلحة وأوصاهم بالسهر على أمن وسلامة الكويت، مشيداً بشهدائنا الثمانية وجرحانا الواحد والعشرين.

مجلس التعاون الخليجي

كان إعلان قيام مجلس التعاون الخليجي في أبوظبي يوم 25 مايو 1981 حصيلة جهود متواصلة بذلها الشيخ زايد، طيب الله ثراه، بهدف تنسيق العمل والسياسة الخارجية للدول العربية في منطقة الخليج العربي، وذلك بسبب الأخطار التي كانت تحيط بالمنطقة مع أطماع إيران والحرب العراقية الإيرانية واعتداءات إسرائيل المتواصلة على لبنان والفلسطينيين.

وكان الشيخ زايد، رحمه الله، وبحسه العربي يدرك أنه لا بد من قيام جبهة سياسية قوية في الخليج، تكون قادرة على المواجهة والتصدي للطامعين، وكانت بداية بحثه الموضوع مع الشيخ جابر الأحمد أمير الكويت عام 1976 في أبوظبي، تبع ذلك طلب الشيخ زايد، رحمه الله، عقد جلسة للقادة على هامش مؤتمر القمة الإسلامية في الطائف عام 1980، حيث أجمع القادة على تأييد مبادرته، عُقد بعدها مؤتمران لوزراء الخارجية في الرياض ثم مسقط وفيه اتفقوا على اسم مجلس التعاون وعلى عقد قمة لقادته في أبوظبي في الفترة من 22 إلى 25 مايو 1981، حيث تم إعلان قيامه رسمياً وقد أطلق قادة دول المجلس على الشيخ زايد لقب «الأب المبادر»، لأن الفضل يعود إليه في تأسيس المجلس.

ويكون الشيخ زايد القائد الحكيم قد حقق النقطة الثالثة في رؤيته الثاقبة بعد بناء أبوظبي الحديثة، وإقامة دولة الإمارات العربية المتحدة في مسيرة بدأت من يوم جلوسه قبل 52 عاماً، مروراً بعدد من المواقف الإيجابية الفعّالة في قضايا وأمور عربية كثيرة.

تعليقات

تعليقات