أصدر «المؤتمر العالمي للمجتمعات المسلمة.. الفرص والتحديات» الذي اختتم أعماله أمس في العاصمة أبوظبي بحضور أكثر من 550 شخصية علمية وسياسية وممثلين عن المؤسسات الإسلامية في 140 دولة حول العالم، «الميثاق العالمي للمجتمعات المسلمة» كمرجعية علمية معتدلة تتناسب مع روح وجوهر الدعوة للعمل المشترك.

ودعا الميثاق الأمم المتحدة إلى إبرام اتفاق دولي ملزم لحمایة حقوق الأقلیات وحرياتها الأساسیة كمجموعات دینیة وعرقية ولغوية، ومنع كل أشكال الكراهية والتمییز العرقي والدیني، ومنع الإساءة إلى الآخر وإلى الأديان، ومنع وتجريم كل أنواع جرائم التطهير العرقي أو الديني.

وتضمن الميثاق دعوة دول العالم إلى تبني مقتضيات هذا الاتفاق والالتزام به وتفعيل مبادئه وتفصيلها وتوضيحها في قوانينها الداخلية بشكل أكثر دقة، وتطوير قانون خاص معني بحقوق الأقلیات الدینیة. كما تضمن دعوة المسلمين للقيام بواجبهم الوطني تجاه مجتمعاتهم ودولهم في تحقيق السلم والأمن الاجتماعیین والعمل الدؤوب على تحصين أبنائها من التيارات المتطرفة والجماعات الإرهابية.

تنسيق

وأطلق المؤتمر «المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة» كمؤسسة دولية تهدف إلى تنسيق جهود مؤسسات المجتمعات المسلمة في الدول غیر الإسلامية، والارتقاء بدورها الوظيفي لتحقق الأنموذج الحضاري تشجیعاً لأفراد المجتمعات المسلمة للمساهمة في نهضة دولهم، وتصحيح الصورة النمطية عن الإسلام والمسلمين.

وردم الهوة الفكرية والثقافية والاجتماعية بين مكونات المجتمع الإنساني والعمل على بناء الجسور بن مواطنيه.

وأوصى المؤتمر بضرورة الالتزام بالمبادئ الواردة في المواثيق والمعاهدات الدولیة والمؤتمرات والإعلانات والقرارات الدولیة المتعلقة بحقوق الأقلیات الدینیة والتي تشمل المجتمعات المسلمة في الدول غیر الإسلامية،.

ولاسيما تلك التي تتعلق بالحريات والحقوق الأساسیة والتي تمنع التمییز العنصري والدیني والتطهير العرقي، نظراً لما في ذلك من تقویض لأم الأسس التي قامت عليها الأمم المتحدة وهي حفظ السلم والأمن الدولیین والدیمقراطیة واحترام حقوق الإنسان.

كما أوصى المؤتمر في بيانه الختامي بضرورة تشجيع اندماج أبناء المجتمعات المسلمة في مجتمعاتهم التي یعیشون فيها، واحترام قوانین دولهم ووحدة أراضيها والعمل معها بشراكة على تفعل القيم المؤسسة للعقد الاجتماعي.

دور حضاري

ودان البيان كافة الأعمال الإرهابية والمتطرفة بكل صورها وأشكالها، وإدانة كل الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها الجماعات الإرهابية والمتطرفة، باعتبار أن الإرهاب والتطرف ظاهرة عالمية تتطلب تضافر جهود كافة المجتمعات والدول للتصدي لها.

واتفق المشاركون على أن الهدف الأساسي من هذا المؤتمر هو الدعوة الصريحة لاندماج المجتمعات المسلمة ولتدبير العيش المشترك بأمن وأمان وسلام، واحترام التعددية الثقافية وتشجيعها.

ودعا المشاركون «المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة» لوضع خطة استراتيجية للنهوض بالدور الحضاري للمجتمعات المسلمة والقيام بتنفيذها، والعمل على تجدد الخطاب الدني المعتدل، والارتقاء بتدبیر الشأن الديني كالإمامة والإفتاء والتعليم لأبناء المسلمان، والخروج بفقه التعارف على نحو متكامل ومؤصل تأصيلاً نظرياً وتطبيقيا، ووضع وتفعيل خطة استراتيجية للتنسيق بین مؤسساته والمؤسسات والهيئات والمنظمات الدولیة ولاسيما مؤسسات العالم الإسلامي.

وأوصى المشاركون في هذا المؤتمر باتخاذ عدد من الخطوات العملية أهمها اتخاذ التدابير اللازمة لمعالجة الظروف المسببة لانتشار التطرف والإرهاب بكل أشكاله، سواء كانت سیاسیة أو اجتماعية أو اقتصادية أو فكرية، بهدف استئصاله واجتثاثه من جذوره.

وكذلك مضاعفة الجهود المبذولة من قبل المنظمات الدولیة المعنیة بالشأن الثقافي، لتعزيز الحوار والتسامح والتفاهم بین الأديان والحضارات، وعدم الإساءة إليها أو ازدرائها ولاسيما من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وعبر كافة منصات الإعلام الإلكتروني والسمعي والبصري.

كما دعا المشاركون إلى حث القیادات السیاسیة والدینیة من أبناء المسلمين، على الامتناع عن استخدام خطاب التعصب ورسائله، التي قد تبثها بواسطة مواقع التواصل الاجتماعي أو من خلال أي أداة من أدوات الاتصال، التي من شأنها أن تحرّض على الكراهية أو التطرف أو العنف أو الإرهاب.

قيم التعايش

وتناول المشاركون حث رجال الأعمال والمؤسسات المانحة على دعم المبادرات التي تهدف إلى تعزیز قیم التعايش المشترك والتسامح، إضافة إلى تكوین لجنة مهنية لمتابعة توصيات المؤتمر، والإسهام في تنفیذ ما ورد فيها من قبل الجهات المعنیة.

وتوجه المشاركون في المؤتمر بالشكر الجزيل والامتنان العميق لدولة الإمارات العربية المتحدة على استضافة وتنظيم هذا المؤتمر الاستثنائي في الدعم المتواصل لقضايا الإسلام والمسلمين حول العالم، وعلى رعاية العلم والعلماء، ومد ید العون والمساعدة لتحقيق السلم العالمي والوصول للعیش المشترك من خلال نشر قیم التعاون على الخبر والسلم المجتمعي.

وأكد الدكتور طارق الكردي، رئيس مؤتمر الأمم المتحدة لشؤون الأقليات في العالم بسويسرا، أن الأمم المتحدة أكدت على الالتزام بترويج ثقافة السلام والتعايش، كما شدد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على ضرورة عدم التمييز بين الأشخاص عرقيا أو دينيا.

من جانبه اكد الدكتور حفيظ أركيبي، أستاذ القانون الدولي من جامعة الحسن الثاني بالمغرب، أن الميثاق العالمي للمجتمعات المسلمة جاء كإجماع دولي ليتمتع الجميع بحرياتهم ومعتقداتهم، وهناك إجماع بأن هناك مجتمعات مسلمة تواجه بعض التحديات.

ووجود قصور في القوانين بعض الدولية لحماية حقوقها، موضحا أن الميثاق يعبر عن إحساس لتحقيق الأمن الفكري والحضاري للأقليات المسلمة تحت سقف الدول التي يعيشون فيها، فهو تحصين للأجيال المقبلة من العنف والإقصاء.

وأشاد الدكتور عبدالناصر أبو البصل، وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأردني، بالأفكار الجيدة التي طرحت في هذا المؤتمر وتضمينها في هذا الميثاق العالمي للمجتمعات المسلمة، الذي يخرج للعالم من هذا البلد النموذجي دولة الإمارات ولفت مشروع الميثاق العالمي للمجتمعات المسلمة في المجتمعات غير المسلمة وثيقة نريدها أن تكون مهمة كالوثائق المعتمدة من الأمم المتحدة.

ومن المجتمع الدولي، فهو الميثاق رسالة منا للعالم صريحة وواضحة، فهو كُتب كخطاب معاصر يواكب اللغة المعتمدة في يومنا هذا، وكتب من واقع خبرة أساتذة قانون دوليين وفقهاء الدين، للخروج بنهج واضح لمواجهة التحديات التي تواجهها المجتمعات المسلمة.

اندماج

أكدت هيئة الأمم المتحدة أن هناك أكثر من 550 مليون مسلم يعيشون مواطنين في مجتمعاتهم في دول ليست أعضاء في منظمة التعاون الإسلامي وهم يشكلون ثلث عدد المسلمين في العالم، ويعيشون في القارات الست لذلك فهم يمثلون أقلية عددية بالنسبة لمجتمعاتهم.

4 محاور تناقش استراتيجية الاندماج المجتمعي

ناقش المؤتمر العالمي للمجتمعات المسلمة.. الفرص والتحديات» 12 جلسة علمیة قدمت فيها أوراق علمیة وبحثیة عدیدة، وشارك بها العدید من الباحثين من مختلف المجتمعات المسلمة في العالم، ولقد تناولت هذه الأبحاث العلمیة 4 محاور رئيسية.

تضمن المحور الأول «وضع المجتمعات المسلمة في الدول غير المسلمة في السياق العالمي» والفرص التي يمكن أن يستغلونها وكيفية إيجاد الحلول للتحديات التي تواجههم يستدعي من المهتمين بهذا الشأن العمل على تطوير استراتيجيات عمل جديدة ومبتكرة من أجل الاندماج والمحافظة على ممارسة ثقافة التعددية وحرية العبادة واحترام ثقافة الاختلاف واحترام الآخر.

وفي المحور الثاني للمؤتمر «من فقه الضرورة إلى فقه المواطنة....

خطوات تأسيسية لفقه التعارف» تم التأكيد على أن الاستخدام الخاطئ للمصطلحات الدينية في مفهومها أو إخراج النصوص عن سياقها بتعمد الأفراد وعدم النظر إلى المآلات وعدم الموازنة بين الكلي والجزئي أسس مرجعية دينية تعمل على إحياء لقوة كمنهج للتغيير الاجتماعي عوض الالتزام بالمنهج الإسلامي للإصلاح المبني على استحضار قوى مقاصد الشريعة الإسلامية السمحة بكلياتها الخمس.

وبحث المحور الثالث في قضية تنامي ظاهرتي التطرف الديني والإسلاموفوبيا ودورهما في تقويض استراتيجيات الاندماج المجتمعي للمجتمعات المسلمة وأثرهما في السلم المجتمعي، فيما تناول المحور الرابع دور المجتمعات المسلمة في الدول غير الإسلامية في تعزيز أشكال التعددية الثقافية.