جاء يوم الخميس، الموافق السادس من شهر مايو عام 1976، علامة بارزة ومهمة في مسيرة تعزيز الكيان الاتحادي، من خلال صدور قرار توحيد القوات المسلحة في الإمارات، عن مجلس الدفاع الأعلى، الذي عقد جلسة على درجة كبيرة من الأهمية، ترأسها المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، رئيس الدولة، رئيس المجلس، وبحضور أخيه المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رحمه الله، وجميع أعضاء مجلس الدفاع الأعلى.
وتأتي هذه الخطوة الحاسمة، تلبية لتطلعات الشيخ زايد، رحمه الله، في أن يكون لدولة الإمارات جيش واحد، بقيادة واحدة وعلم واحد، ليكون الحصن الأمين للدفاع عن دولة الإمارات في أرضها وسمائها ومياه خليجها العربي، مع المحافظة على مكتسباتها وأمن واستقرار شعبها، إلى جانب مد يد العون للشقيق، ومساعدة الصديق، إذا ما استدعت الظروف.

شباب الوطن.. كفاءات عالية
وكان الشيخ زايد، رحمه الله، يسعى لهذا الهدف، منذ إعلان قيام دولة الإمارات يوم الخميس في الثاني من ديسمبر عام 1971، بلا كلل أو تعب، إيماناً منه بدور القوات المسلحة في تعزيز مسيرة الاتحاد في الداخل والخارج، وإنهاء وجود قوات مستقلة لكل إمارة، تحت نظم ومسميات مختلفة، ومن هنا، كان هذا الموضوع مثار بحث ونقاش دائم بين الشيخ زايد، رحمه الله، وبين إخوانه أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد، وخصوصاً، أخيه الشيخ راشد بن سعيد، طيب الله ثراه، وإذا عدنا لتلك الفترة والأحداث التي كان بعضها يشكل خطراً على الأمن والاستقرار في الخليج العربي، لتأكد لنا بعد نظر الشيخ زايد، رحمه الله، بضرورة بناء جيش قوي وموحد في الإمارات، لمواجهة ما قد يطرأ من ظروف، وفي هذا التوجه، يقول رحمه الله: «إننا دولة تسعى إلى السلام، وتحترم حق الجوار، وترعى الصديق، لكننا بحاجة لجيش قوي قادر على حماية البلاد، لتبقى قائمة ومستقرة».

محمد بن راشد تلقى دروس القيادة في مدرسة زايد
وتماشياً مع هذه التوجيهات، شكلت قضية توحيد القوات المسلحة، أحد أبرز الأولويات في تلك المرحلة، حيث عقدت مشاورات واجتماعات مكثفة، استمرت على مدى عدة شهور، وشارك بها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، لوضع الصيغة النهائية لخطة توحيد القوات المسلحة.
وفي صباح يوم الخميس، الموافق 6 مايو عام 1976، التقى مجلس الدفاع الأعلى بكامل أعضائه، برئاسة المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد رئيس الدولة، رئيس المجلس، طيب الله ثراه، وإلى جانبه ومن حوله أخوه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رحمه الله، وصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد، والشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، رحمه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد وزير الدفاع، وسمو الشيخ حمدان بن راشد، بالإضافة إلى الشيخ حمدان بن محمد، والشيخ مبارك بن محمد آل نهيان، رحمهما الله، وأحمد خليفة السويدي، واللواء عواد الخالدي، ومدير ديوان الرئاسة، حيث اقتصر الاجتماع، وعلى مدى ساعة واحدة، على قراءة نص القرار، والتوقيع عليه بالإجماع، لأنه سبق لهم جميعاً الاطلاع على الخطة الكاملة لتوحيد القوات المسلحة، من خلال لقاءات عديدة، جرت على مدى 6 أشهر، وفي الاستراحة الخاصة بالشيخ حمدان بن محمد آل نهيان، رحمه الله، في أبو مريخة، على الطريق إلى دبي، بزغ فجر جديد، أضاء طريق تعزيز مسيرة الاتحاد، من خلال القرار الحاسم لبناء جيش واحد، بقيادة واحدة، تخفق في سمائه راية واحدة.
ومن هذا اللقاء المبارك، والقرار التاريخي الحاسم لإعلاء عزة ومنعة الإمارات، وقفنا إجلالاً واحتفاء بتكريم صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، حفظه الله، بتسميته نائباً للقائد الأعلى للقوات المسلحة.

زايد وضع الأسس الأولى لدولة حضارية تصونها قوات موحدة
إقامة المؤسسات العسكرية
جرياً على عادته، رحمه الله، لم يكن الشيخ زايد يتوقف عن متابعة أي عمل أو قرار تم الاتفاق عليه، في أي موضوع كان، طالما أنه يصب في خدمة وسعادة شعب الإمارات، وتعزيز صرحنا الاتحادي، ومن هنا، تأتي زيارته لمقر القيادة العامة للقوات المسلحة في أبوظبي، بعد أسبوعين فقط من صدور قرار توحيد القوات المسلحة، وتحديداً يوم السبت الموافق 22 مايو 1976، حيث ترأس اجتماعاً حضره صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وزير الدفاع، وطلب المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد، عقد اجتماعات أسبوعية لمتابعة تنفيذ القرار، وتصريف شؤون القوات المسلحة، وفق ما نص عليه القرار، كما كان الشيخ زايد، طيب الله ثراه، على تواصل مستمر مع أخيه الشيخ راشد بن سعيد، رحمه الله، نظراً للمودة الشخصية التي كانت تسود علاقاتهما، وذلك لمناقشة أي أمر يتعلق بتنفيذ القرار، وهكذا، بدأت عملية تطوير القوات المسلحة تشق طريقها بثبات ومنهجية، من حيث إقامة المؤسسات العسكرية، والأخذ بأفضل ما عرفته جيوش الدول المتقدمة تنظيماً وتدريباً وتسليحاً.
قيادة شابة مؤهلة
بعد بضع سنوات على بداية المسيرة الجديدة لقواتنا المسلحة، كانت الإمارات على موعد مع القدر، بعودة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى البلاد في شهر سبتمبر عام 1979، ضابطاً متخرجاً في كلية ساند هيرست الملكية البريطانية للعلوم العسكرية، والتحاقه بقواتنا المسلحة، وصعوده في الترقية والرتب العسكرية مثل باقي إخوانه وزملائه المنتسبين إليها، ليصل إلى الموقع الحساس في قيادة منظومة عسكرية متطورة، وليشرف عن كثب، على ريادتها بين جيوش الدول المتقدمة تنظيماً وتدريباً وتجهيزاً، بآخر ما عرفته القوات البرية والبحرية والجوية والدفاع الجوي والاتصال، حتى أصبحت حصن الاتحاد، والمحافظ على سلامة الإمارات وأمنها واستقرارها ومكتسبات شعبها، إلى جانب تقديم العون للشقيق والصديق، إذا ما دعت الحاجة، وهو ما أكدته التجارب في مناطق عديدة من العالم، إن كان في وقفات ميدانية فاعلة، أو في مساعدات إنسانية.
وممن عايش سموه في كلية ساند هيرست، عرف أن منتسبي دفعته لم يعرفوا منه أو عنه أنه شيخ، أو أن والده هو رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، إلى جانب أنه كان طالباً ضابطاً متفوقاً، وهذا ما يجسد حبه لخط سيره في الحياة العملية، قائداً متميزاً، بعيد الرؤية في كافة الجوانب العسكرية والسياسية والاقتصادية.
تمارين عسكرية مشتركة
لقد شهدت عملية تطوير قواتنا المسلحة، محطات مشرقة عديدة على مر السنين، بهدف إقامة قواعد قوية، مع متابعة الأحدث من التكنولوجيا العسكرية، بشكل يرفع مستوى قواتنا في هذا المجال، مع تزويد قواتنا البرية والبحرية والجوية، بأحدث الأنظمة في العالم، إلى جانب الاهتمام البالغ بكوادرنا البشرية جسدياً ونفسياً وتدريباً وتسليحاً، يضاف إلى ذلك، توفير المزيد من الخبرة العملية، التي يحرص عليها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وذلك من خلال مشاركتنا في التدريبات والتمارين العسكرية للأسلحة المختلفة مع جيوش الدول الصديقة، مثل فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، وقبل كل شيء، ضمن تمارين دول مجلس التعاون وجمهورية مصر العربية.
كما يحرص سموه على تعزيز خبرة قواتنا المسلحة، من خلال تنظيم المعارض العسكرية، والمشاركة في بعضها، للإفادة منها في التعرف إلى الجديد، بهدف تطوير صناعاتنا العسكرية الإماراتية، ومنها مؤتمر ومعرض آيديكس ودبي للطيران، وأقمار الاتصالات العسكرية والإمدادات الدفاعية، والشرق الأوسط للدفاع الصاروخي والجوي، ومكافحة القرصنة البحرية، وغيرها كثير من المعارض والمؤتمرات.
وجنباً إلى جنب، وبالتشاور مع صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، أشرف صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، على استكمال مؤسساتنا العسكرية، التي توفر بنظمها وبرامجها توجهاتها الاستراتيجية للحاضر والمستقبل، ومن أهمها، كلية الدفاع الوطني، وكلية القيادة والأركان، والكلية البحرية وكلية خليفة الجوية، وغيرها من المدارس والمعاهد والكليات.

القيادة الرشيدة حريصة على حماية المنجزات
إسهامات خارجية
بهذا البناء الشامخ على قواعد صلبة، تمكنت قواتنا المسلحة عبر السنين، من أن تؤدي واجبها الذي حدده المغفور له، الشيخ زايد، في حماية الدولة وشعبها، ومد يد العون إلى الشقيق ومساعدة الصديق، وفي هذا السياق، يقول رحمه الله في كلمة إلى قواتنا المسلحة: «من حق أمتكم عليكم، أن تشاركوها آمالها وآلامها، وأن تهبوا لنجدتها بكل ما أوتيتم من قوة»، ومن هنا، امتلكت قواتنا المسلحة زمام المبادرة في المساعدة على حل الكثير من المشاكل التي واجهت بعض الشعوب، مع تقديم العون الإنساني في ظروف الكوارث الطبيعية، وكان من تلك المبادرات الإيجابية، مشاركة قواتنا المسلحة في كوسوفو، نتيجة اعتداء قوات صربيا على الشعب الكوسوفي المسلم، ومنها أيضاً، المساعدة على نزع الألغام التي زرعها جيش إسرائيل قبل انسحابه من الجنوب اللبناني، وتنفيذ مبادرة صاحب السمو رئيس الدولة، بتقديم مساعدة عسكرية إلى لبنان، من خلال إهدائها عدداً من الطائرات المروحية، كما كانت قواتنا المسلحة، أول من ساهم في إعادة إعمار العراق، بافتتاح مستشفى الشيخ زايد، وغيره من المستشفيات في بعض المحافظات العراقية، ولا يغيب عن بالنا ما قامت به قواتنا المسلحة في تقديم المساعدات الإنسانية للمنكوبين، نتيجة بعض الظواهر الطبيعية، من زلازل وفيضانات في اليمن وباكستان، وإقامة جسور جوية لنقل المساعدات الإنسانية والطبية والغذائية إلى المناطق المنكوبة، ولا يغيب عن ذاكرتنا، مشاركة قواتنا المسلحة، وحتى الآن، في قوة حفظ السلام الدولية في أفغانستان «إيساف».
وأخيراً، وليس آخراً، فإننا لا نزال نعيش مهمة الواجب التي تقوم بها قواتنا المسلحة الباسلة في الدفاع عن اليمن وشعبه الشقيق، في ظل التحالف العربي، الذي تقوده المملكة العربية السعودية الشقيقة، من أجل إعادة الشرعية، وتحرير اليمن من المتمردين على الوطن والدين والأخلاق، خوارج هذا العصر، المدعومين من إيران لزعزعة الأمن والاستقرار في الخليج العربي عموماً، وبين دول مجلس التعاون على وجه الخصوص، وفي أداء رسالتها، قدمت قواتنا المسلحة عدداً من الشهداء، ممن جادوا بدمائهم وهم يؤدون أشرف واجب نحو أشقائهم، يخلد أرواحهم، نصب الشهيد، الذي أمر بإنشائه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ترجمة لحرص صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، بتخليد شهداء الوطن الأبرار، الذين جادوا بأرواحهم الطاهرة، تأدية للواجب الوطني، كما خصص صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في ديوانه، ديوان ولي عهد أبوظبي، مكتباً للاهتمام بأسر الشهداء، وكافة أفراد عائلاتهم، وتقديم كافة أنواع الدعم والمساعدة والمنح المالية والتعليم والتوظيف، عرفاناً ووفاء لشهداء الواجب من أبناء قواتنا المسلحة.
ويلخص صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، هذه الصورة المتكاملة بقوله: «إن قواتنا المسلحة الباسلة، تحركت فور تلقيها الأوامر من قائدها الأعلى، صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، حفظه الله، صوب مناطق الحروب والكوارث، لتقديم المساعدات الإنسانية الإغاثية للشعوب التي تعاني من هذه المشكلات في أصقاع الأرض، دون النظر إلى العرق أو اللون أو الدين، أو الانتماء الجغرافي، فمهام قواتنا المسلحة إنسانية، وكلها تصب في خدمة السلام والأمن والاستقرار الدولي والإقليمي».
هنيئاً لدولة الإمارات العربية المتحدة، بقواتها المسلحة الوفية لقيادتها ورايتها وشعبها، في الذكرى الثانية والأربعين لتوحيدها، على يد الباني المؤسس وإخوانه، رحمهم الله أجمعين.

بقلم الإعلامي: د. محمد سعيد القدسي
