لم تمنعه إعاقته السمعية من تحقيق حلم لم يستطع الأسوياء تحقيقه بل تحداها وتحايل عليها لينتصر في نهاية المطاف ويحقق ما يريد، ويثبت في الوقت نفسه أنه على قدر عال من الذكاء، ولديه مساحة كبيرة من الابتكار، فظروفه جعلته يفكر في حلول لمشكلته، التي تعامل معها بطريقة عفوية وذكية ذللت أمامه كل الصعاب.

هذا هو صالح جمعة الجرن، الذي يعاني من الإعاقة السمعية التي تحرمه من التعامل مع الأصوات وإدراكها بدرجاتها المختلفة، بعد أن فقد القدرة على السمع من وراء إصابته بالحمى حين أتم السادسة من عمره، لتبدأ معاناته التي توجها بقصة نجاح ويكمل مسيرته بصمود وقوة، حيث قهر الصعوبات الكثيرة التي واجهته.

يعمل الجرن موظفاً في قسم الإجازات بإدارة الرواتب في القيادة العامة لشرطة دبي منذ 20 عاماً لم يتأخر يوماً عن موعد عمله رغم أنه لا يستطيع سماع أي منبهات توقظه في الموعد المحدد نتيجة لأنه أصم، مؤكداً أن الله وهبه ملكة معرفة الوقت من دون الحاجة إلى الساعة، ليستيقظ صباحاً بلا منبه.

يتحدث مع زملائه وعائلته عن طريق الإشارة، أما عبر الهاتف فمن خلال خاصية الفيديو المتوافرة في الهاتف، الذي يعكس صورته فيتحدث بلغة الإشارة التي يراها الطرف الآخر، كما يستعين بإرسال الرسائل النصية التي تساعده في التواصل مع الآخرين إلى حد كبير.

ويخرج الجرن للتنزه مع أصدقائه، وللتسوق وحده، ويقوم بأموره بنفسه ولا يعتمد على الآخرين، وحين يريد أن يعرف سعر السلعة يستخدم الورقة والقلم للكتابة، ليجيبه البائع بالطريقة نفسها.

ويندرج صالح الجرن ضمن الموظفين المتميزين بالإدارة، فقد حصل على العديد من شهادات التقدير والتميز التي تثبت كفاءته وقدرته على العمل التي لا تقل أبداً عن قدرة أي إنسان طبيعي، كما أنه إنسان اجتماعي بطبعه ولديه ثمانية إخوة هو أكبرهم.

ويجد الكثير من العون والمساعدة من أهله وأصدقائه ليتجاوز مرحلة العجز إلى جانب زملائه ومسؤوله المباشر في العمل، الذين أشادوا بأخلاقه الدمثة وأجمعوا على أنه يرسم بسمة على وجهه لا تختفي أبداً الأمر الذي يبعث فيهم دائماً روح التفاؤل وينشر بينهم طاقة إيجابية.

ويعشق الجرن رياضة كرة القدم ويحرص على المشاركة دائماً في البطولات الرياضية الخاصة بهذه اللعبة التي تنظمها الدوائر والهيئات الحكومية في دبي وطالما كلل هذه المشاركات بالفوز دائماً.

رغم إلحاح الأطباء والأهل والأصدقاء بإجراء عملية جراحية تمكنه من استعادة السمع والنطق، ورغم تأكيدات المختصين له بأنها تتعدى الـ90%، إلا أنه رفض إجراءها، ليس لأنه يتخوف من العمليات الجراحية فحسب وإنما لتخوفه من الولوج إلى عالم السمع فربما يضطر لسماع كلمة تضايقه يوماً وتكدر عليه صفو حياته التي ألفها، كما أنه تعود على عالمه هذا ولا يشعر بأي نقص فالجميع يحبونه كما يحبهم.