قراءة في قصيدة محمد بن راشد

«بن زايد وبن سلمان» تسجيل لخصال ومآثر الرجال

صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، شاعرٌ من كبار الشعراء الذين يُشار إليهم بالبنان، والذين يقفون في معاصرتنا في صدارة الشعر النبطي في الخليج، بل هو من أهم هؤلاء الشعراء وأكثرهم نتاجاً وأفضلهم وأقواهم مستوى، وليس هذا مجرد كلامٍ يُقال من باب المديح والثناء لهذا الشاعر وإنما من خلال اطلاع واسع على قصائده ودراسة كثير منها وتعمّق فيها، بحيث يخرج الباحث من ذلك بهذه النتيجة التي تسجِّل لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد هذا الحكم في حقه.

ولا شك فإن سموّه يقف شامخاً في صدارة هؤلاء الشعراء، ويمكننا أن نفاخر به ونميزه على غيره في معاصرتنا.. وله في ذلك قصائد كثيرة تعدّ من عيون الشعر النبطي في هذه المعاصرة، والتي يعد فيها مفخرة من مفاخر هذا الشعر الذي يتسنى له أن يكون أحد رواده وصاحب الكلمة النابضة فيه بالمعاني والمضامين والصور الشعرية المتميزة التي يرتاد رحابها الشاعر بكل قدرة وإمكانية وإبداع وتميّز.

ولا شك فإن للشاعر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في هذا المجال الشعري الباع الطويل والقدم الراسخة والفكر العميق والصياغة البيانية الأدبية الجميلة التي تعطي للذوق الشعري دوره ومجاله؛ وذلك لأن للشعر خاصّتين كما يعلم الأدباء والشعراء: الأولى الصياغة والسبك، والثانية المعنى والصورة، وقد التقى هذان الأمران في شعر الشيخ محمد فميزاه وأعطياه هذه الخاصية التي عُرف بها في دنيا الشعر، والشيخ محمد شاعر متعدد الأغراض واسع الخيال سيّال القلم والتصوير طَرَق كثيراً من أبواب الشعر وأغراضه بقدرةٍ وتمكّن، وأنتج في ذلك جملةً من القصائد ولا يزال بحره دفاقاً بلآلئه ومرجانه، كل يومٍ يتحفنا بقصيدة من قصائده وتميّز من تميزاته في هذا المجال، ولا يكاد يترك مناسبةً مهمة تمر عليه إلا ووثّق لها في شعره، وقال فيها نظماً جميلاً ضمّنها شيئاً من دفقاته وإبداعاته، بحيث يمكنك أن تعدّه في هذا الجانب شاعراً تحتل كثير من مناسباته الوطنية والقومية والاجتماعية قسطاً من اهتمامات فكره ولسانه وقلمه، فلم يكد يدعُ مناسبةً من هذه المناسبات تمر دون أن يقول فيها دفقاً من دفقات شعره وبيانه الذي تميز به ونال قصب السبق فيه، إلى درجة أفردته في هذه البضاعة التي عُرف بها واشتهر فيها شهرةً أطبقت الآفاق وعمّ صِيته فيها حتى غدا شاعراً متميزاً لا يُشق له غبار، والذي ربما تفرّد فيها تفرداً ملحوظاً دون غيره من الشعراء، وإن كان ذلك لا يقلل من احترامنا لكل شعراء النبط المتميزين في الساحة الخليجية، وتبرز ضمن قصائد تميز الشيخ محمد هذه القصيدة الجديدة التي قالها في الشيخين صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، والأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، بمناسبة انعقاد القمة العربية بالمملكة العربية السعودية، وهي تعبير وتسجيل لخصال ومآثر ومعالم شخصية هذين الرجلين من منظور صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الذي يراهما من خلاله ويرصد فيه شيئاً من خصالهما وتفردهما وتشابههما مع بعضهما في كثير من هذه السجايا والخصال:


العِزْ لهْ ناسِهْ وللمَجدْ مدهالْ

                        وصَرحْ المعالي بالمعالي يِشَيَّدْ

يبدأها الشاعر بهذا البيت الجميل المعبّر والمكتنـز بلغة الشعر وبيانه ومضمونه ومعناه العميق في التعبير عن خاصية ما طويا هذان الشيخان نفسيهما عليه من معالي الأمور ومسوغات المجد اللذان هما من أخص أصحابه وأهم مقوماته، حيث يقول الشاعر إن للعز أصحابه وخاصته وليس كل إنسان بقادر عليه لأن له مقومات وخصائص تميز صاحبه عن غيره من الناس، وللمجد طريقه الموصل إليه الذي يرتاده أصحابه ومعتادو المشي فيه إلى أن يصلوا إلى مبتغاهم وغايتهم التي يوصل إليها هذا الطريق، وإن صرح المعالي عزيز كما يذكر الشاعر ممتنع إلا على أصحابه الذين يبنون لبناته ويشيّدون معالمه، ليكتمل على أيديهم صرحه وبناؤه، ولا يمكن لصرح العُلا أن يُشيّد بغير هؤلاء الرجال وبغير هذا الطريق وبغير هذا البناء من المعالي ليصل إلى اكتمال هذا الصرح.. ولا شك أن في ذلك إشارةً إلى إمكانية هذين الزعيمين وخصائص التميز فيهما وقدرتهما الفائقة على تشييد هذا الصرح المزخرف بلبنات المعالي وخصائص التفرد فيه.

صياغة وألفاظ

وفي هذا البيت إيجاز بليغ، حيث اختصر الشاعر فيه كل ما يمكن أن يُفهم من خلاله من حديث عن هذين الرجلين المتميزين في معاصرتهما، وما سيأتي بعد ذلك ما هو إلا تفصيل وشرح لمعاني ومضمون ما ورد في هذا البيت العام من حيث الصياغة والمعنى.. ويمكنني أن أعد هذا البيت بيت القصيد في هذه القصيدة؛ حيث تبين صياغته واختيار ألفاظه ومعانيه عن قدرة الشاعر وإمكاناته الشعرية وبيان تمكّنه من فنه بهذه الدرجة العالية التي مكّنته من صياغة هذا البيت بهذه الصورة البليغة.. ويرمز الشاعر من خلاله إلى هذين القائدين العظيمين دون أن يذكر اسميهما فيه، لكن القارئ المتمعّن يفهم من المقصودان فيه، فما أجمل قوله في شطره الثاني (وصَرحْ المعالي بالمعالي يِشَيَّدْ)، أي أن البناء لابد من تطابق الغاية فيه مع الوسيلة، فإذا أردت بناء المعالي فلابد من أن تشيّدها بما يناسبها من المعالي أيضاً:

وكلْ وقتْ في وَقتِهْ صناديدْ وأبطالْ

                       واهلْ العِلاَ دايِمْ إلىَ فوقْ تِصْعَدْ

يريد الشاعر أن يقول إن لكل وقت أبطاله وصناديده ومعالمه التي يتكامل فيه جهدهم المبذول لبناء صرح المعالي، وإن لكل وقت خاصيته التي تميزه عما سبقه، ويقصد الشاعر به هنا أيضاً هذين البطلين اللذين تميّزا وبرزا في معاصرتنا كأهم بطلين وقائدين في هذه المرحلة، وهذا التصوّر من الشاعر لا يمكن أن ينتقص من دور القادة التاريخيين والأبطال السابقين واللاحقين وإنما لكل منهم دوره الكبير في وقته وجهده وتميزه وتاريخه.. وأهم شيء في فكر الشاعر أن أهل العُلا مثل هذين البطلين لا يقفان محصورين فيما أنجزاه من معالم وبناء وتطور وإنما هما يستفيدان من إمكانات عصرهما وتطور أحداثه ومنجزاته، ويتخذان من ذلك سلماً للصعود في مدارج العلياء ليحققا مزيداً من الإنجازات والإبداعات والابتكارات، وليضيفا إلى مخزونهما معارف جديدة وفكراً وعلماً معاصراً ينمي فيهما فهم المعرفة وبناء النفس والقدرة والتميز والبطولة.

وذكر الشاعر في ذلك قوله (واهلْ العِلاَ دايِمْ إلىَ فوقْ تِصْعَدْ)، فجعل ذلك الصعود عاماً لم يحدده بإطار أو تصور معيّن، وإنما فتحه بقوله إلى فوق ليشمل كل المعاني التي تسهم في الرفعة والنهوض إلى مستوى أفضل وأقوى:

وهذا الزِّمانْ إيقودْ فرسانِهْ إرْجالْ

                       لِهُمْ أسامي في المحافِلْ تِرَدَّدْ

وإن الشاعر على يقين لما خبره في هذين الرجلين، القريب منهما قرباً مكّنه من أن يعرف من خلاله كثيراً من صفاتهما وخصائص التميز فيهما مما يضيفان شيئاً من الاطمئنان لديه، بحيث يمكّنه من أن يحكم هذا الحكم الذي أصدره في هذا البيت لصالحهما، وذلك بأن في هذا الزمان رجال صناديد فرسان يقودون زمامه لا تخفى أسماؤهم عن الناظرين والباحثين عن الحقيقة، تتردد أسماؤهم في جميع المحافل حيث يفرضون أنفسهم في مثل هذه الأصعدة والمستويات لفرط إمكانياتهم وقدرتهم على القيادة والتميز فيها، وقوله (في المحافل تردد..) أي لطول ما يتردد ذكرهم في تلك المحافل ليس لمرة واحدة وإنما هم لفرط شهرتهم وقدرتهم وتمكّنهم يتردد ذكرهم في كثير من المحافل والأوساط بصورة كبيرة ودائمة. ولا شك أن الشاعر يقصد هذين الشيخين العظيمين اللذين يُكنّ لهما مزيداً من التقدير والاحترام، والذي يبين سببه واضحاً في البيت التالي في قوله:

لي قَدرِهُم عالي بتَفخيمْ وإجلالْ

                     منْ فعلهُمْ دَمِّ المعادي تِجَمَّدْ

أي أن لهم قدراً عالياً من الرفعة والاحترام والإجلال والتفخيم، ليس لفرط المكانة الاجتماعية التي هما عليها فقط والانتساب لفئة الشيوخ والملوك فحسب، وإنما ذلك راجع في الكثير منه إلى أفعالهم العظيمة التي يكون من وقع تأثيرها أن يتجمّد دم المُعادي في عروقه فيقف مستسلماً مذعناً ليس بحوله أن يفعل شيئاً من فرط ما يلمّ به من خوف وجزع.

ويومْ اجتمعنا طابْ في جَمْعِنا الفالْ

                     وعَمِّ السِّرورْ وطايرْ السَّعْدْ غرَّدْ

 

نجاح القمة

يشير الشاعر إلى نجاح اجتماع القمة العربية بالسعودية، حيث طاب كما يقول هذا الاجتماع بما اشتمله من فأل حسن واتفاق أخوي في الآراء المطروحة التي أنتجت مثل هذا التفاؤل الذي يسجله الشاعر هنا في بيته، وعمّ المجتمعين لأجل ذلك السرور والسعادة، حتى إن طائر السعد غرد فرحاً بنجاح هذا الاجتماع.

وتغريد طائر السعد دليل على نجاح القمة وبلوغ المراد من انعقادها، وذلك تعبير أدبي في موضوع سياسي، لأن الشاعر بصدد صياغة شعرية أدبية، فناسب ذلك مثل هذا التعبير الأدبي، لأن التعبيرات السياسية متروكة من قِبل الشاعر للمتحدثين الرسميين، لكونه هنا يعبّر عن خاصيته كشاعر مما يناسبه مثل هذه التعبيرات الجميلة الأدبية البليغة.

معْ الكرامْ اللِّي غدَوْا مضرَبْ أمثالْ

                     وبالإجتماعْ الشَّعبْ هَنَّا وعَيِّدْ

عبّر الشاعر عن اجتماعه بالقادة بوصفهم بالكرام، ولا شك أنهم كذلك، لأنهم قادة الشعوب وزعماؤها وأولو الأمر فيها، فهم لهذه الوضعية يتطلب الموقف من الشاعر أن يخاطبهم بقوله: «مع الكرام»، أي سادة القوم الذين غدوا مضرب الأمثال في القيادة والإخلاص لشعوبهم، والسهر على مصلحة الأمة التي جاؤوا يمثلون شعوبها في هذا الاجتماع المهم، الذي تسنى لخادم الحرمين الشريفين أن يطلق عليه لأهميته قمة القدس.

هذا الاجتماع المهم الذي هنأ الشاعر لأجله الشعب العربي بالتئام صفه فيه، بل جعله الشاعر بمنزلة العيد لهذا الشعب العربي، ويبرز هنا في تعبير الشاعر قوله «وبالإجتماعْ الشَّعبْ هَنَّا وعَيِّدْ»، أنه تحدّث عن شعب واحد، وليس شعوباً متعددة، لأن حقيقة العرب، كما يراها ويؤمن بها الشاعر، أنهم شعب واحد ولحمة واحدة، وذلك ما تسنى له من خلال هذه النظرة القومية التي تربى الشاعر عليها منذ نعومة أظافره أن يجعلهم شعباً واحداً وليس شعوباً كثيرة:

ما مِثْلِهُمْ في النَّاسْ مشبِهْ علىَ البالْ

                    بَسْ يِشْبَهْ محمَّدْ بعزمِهْ محمَّدْ

ويعود الشاعر هنا إلى سابق حديثه عن الشيخين الكريمين، ويصفهما بأنهما متميزان، ليس لهما في نظره من مثيل ومشابه في معاصرتنا، حتى إنه جعلهما في هذه الدرجة من التفرد والتميز فلا يشابههما في نظره أحد غيرهما، فقال «ما مِثْلِهُمْ في النَّاسْ مشبِهْ علىَ البالْ»، حتى إنه لم يرد غيرهما في تفكيره، وذلك لفرط تفردهما عنده عن المثيل والمشابه، وبسبب طول معرفته بهما ووقوفه على خصائص التميز فيهما، ومدى محبته لهما واحترامه وتقديره لدورهما الذي يقومان به في خدمة بلديهما وأمتهما، هذا الدور الذي يتطلب جهداً وفكراً وعطاءً ومتابعةً وبذلاً لا يتحقق إلا في شخصيتهما.

وفي يقين الشاعر أن تفردهما عن غيرهما حقيقة ثابتة في ذهنه، وأنه طالما بحث عن مشابه لهما فلم يجد لهما من مثيل، إلا أن يشبه محمد محمداً في عزمه وإرادته وتصميمه، وعمم هذا التشابه بينهما فقال: «بَسْ يِشْبَهْ محمَّدْ بعزمِهْ محمَّدْ»، أي يشبه كل منهما الآخر، وقد أخرج الشاعر نفسه من ورطة أن يجعل واحداً منهما يشبه الآخر، إذ إن للمشبه به فضل وميزة على المتشبه به، لكن الشاعر بقدرة وتمكن وذكاء قال «محمد يشبه محمد»، أي كل منهما يشبه الآخر:

هذا خَلَفْ زايِدْ بفكرهْ والأفعالْ

                    وهذاكْ بوسَلمانْ في عَزمِهْ أوحَدْ

يتشابهان لدى الشاعر في أخص ميادين وعلامات الشبه، وذلك أن جعل كلاً منهما يشبه والده الذي كان له تأثير واضح فيه، فهذا يشبه الشيخ زايد، رحمه الله، في فكره وسمو أفعاله وخصاله، وذاك يشبه الملك سلمان في عزمه الذي تفرد واشتهر به، وتكفيهما هاتان المدرستان اللتان تعلما فيهما أصول القيادة والفكر والتميز، بحيث وصلا من خلالهما إلى هذه المرتبة العالية التي أهّلتهما للقيام بهذا الدور المهم الذي يقومان به في حياة الأمة ودنيا الشعوب:

متشابهينْ إثنينْ في كلِّ الأحوالْ

                     لأجلْ الوطَنْ والشَّعبْ والرَّبْ يِشهَدْ

ويجعل الشاعر تشابههما ليس في خاصية واحدة، وإنما في جميع الخصائص والصفات، إذ قال: «متشابهينْ إثنينْ في كلِّ الأحوالْ»، أي في كل الأمور والمناحي دون تفصيل، وإنما أجمل في ذلك، ليشمل مزيداً من هذه الخصائص والصفات، هذا التشابه في نظر الشاعر إنما كان لخدمة أوطانهم ومصلحة شعوبهم، وليس لشيء غير ذلك من مصالحهما الشخصية فقط، ويذكر الشاعر هنا أنه صادق في إطلاق هذه الصفات عليهما، إذ يشهد الله على ما قاله فيهما.

بلا مِجَامَلْ رَمزْ في صدقْ الأقوالْ

                     والفعلْ واحدْ مثلْ سيفٍ مجَرَّدْ

 

مرتبة عالية

وتبهر الشاعر خاصية الصدق فيهما، سواء في أقوالهم وأفعالهم، وتلك لا شك خاصية ثمينة ومرتبة عالية من المدح فيهما، إذ إن أجمل ما يوصف الإنسان به كونه صادقاً، وتلك، كما قلت، مرتبة عالية لا يرومها إلا أفاضل الناس، وهي خصلة ممدوحة في الإنسان، وإن الشاعر حين يقول ذلك لا يجامل ولا يحابي في قوله، وإنما خبر فيهما هذه الخاصية، فوصفهما بها وجعلهما في صدارتها رمزاً في الصدق وتوحد الفعل بينهما، حتى غدا تأثيره كالسيف المجرد، وذلك تعبير عن صدق وتطابق مواقفهما الصلبة ذات التأثير القوي والواضح على مجريات الأحداث، وربما يرمز الشاعر بذلك إلى أهم أفعالهما المتوحدة بينهما، وهو موقفهما في حرب اليمن، وغيرها من المواقف الثابتة التي لا تتغير:

منْ حَربهُمْ صابْ المريبينْ زلزالْ

                    في يومْ كونٍ عَ المعادي مِوَقَّدْ

ويشير الشاعر إلى أن حربهم ذات نتائج واضحة أصابت بفعل تأثيرها المتشككين بالخوف والوجل، حتى كأنهم أصابهم من جرائها زلزال مدمر، وفي ذات التأثير منها على المعادين الذين كانت عليهم هذه الأفعال والمواقف كالنار الموقدة:

ومنْ سِلْمِهُمْ كلِّ الدِّوَلْ تِكْسَبْ آمالْ

                     لِهُمْ تِعاهِدْ ولْرِضاهُمْ تِوَدَّدْ

ويصف الشاعر سلمهم بأن كل الدول تسعى لكسب ودهم من خلال الآمال المعقودة عليهما، ولم يشأ الشاعر أن يجعل ذلك لبعض الدول دون غيرها، وإنما شمل الشاعر الدول كلها، وجمع ذلك وأكده بقوله: «ومنْ سِلْمِهُمْ كلِّ الدِّوَلْ تِكْسَبْ آمالْ»، حتى تشمل الجميع من التي تسعى لعقد اتفاقيات أخوة وتعاون معهم وتودد لرضاهم عنها، وذلك من فرط التزامهم بمواثيقهم واحترامهم لهذه الدول ووقوفهم إلى جانبها في الأزمات والشدات:

يِفرَحْ بهُمْ منْ شافْ منْ وَقتِهْ إجفالْ

                     ويامَنْ زمَانِهْ منْ عليهُمْ تِسَنَّدْ

ويصوّر الشاعر مدى فرحة الدول بهم تلك التي ترى أنها في حاجة إليهم، فيستعينون بهم على شدة هذا الوقت وخطورته، حيث يلبي هذان القائدان نداءهم، ويكونون عند حسن ظنهم بهم فيما يطلبونه ويأملونه منهم، فينعكس ذلك على أمنهم، فتطيب مراقدهم فيما يأمنون به على أنفسهم من أطماع ومكائد.

واللِّي يحالفهُمْ لِهْ تطيبْ الأحوالْ

                      ولي ينصرونِهْ لراسِهْ يطيبْ مِرقَدْ

واللِّي يصادمهُمْ بِهْ تحيطْ الأهوالْ

                    خصوصْ إنْ كابَرْ وخالَفْ وعنَّدْ

 

وفاء بالعهود

كما يرى الشاعر أنهم بقدر وفائهم بعهودهم ووقوفهم في جانب من يسالمهم ويطلب معونتهم، فإن الأهوال تحيط بمن يضادهم ويقف مشاحناً لهم، خصوصاً من أولئك الذين يركبون رؤوسهم ويكابرون ويعاندون، فإن نتائج مواقفهم لا شك تكون وبالاً وهولاً عليهم:

ولوُ كلِّ منْ جا نالْ مطلوبَهْ وطالْ

                     إنْ كانْ ما صِرنا عَ الإثنينْ نِحْسَدْ

 

مواقف ثابتة

ويرى الشاعر أنه لو لم يكن لهذين القائدين مثل هذه المواقف الثابتة في الدفاع عن الحق والوطن والشعب ونجاحهما في هذه المواقف والتزامهما بهذه المبادئ التي ألزموا أنفسهما بها لما صرنا نحسد عليهما:

أنا خِبَرتْ الوَقتْ وآعَرفْ الأمسالْ

                        وخالطتْ مِ الحِكَّامْ أهلْ الزِّبَرجَدْ

وسباعْ فيهُمْ للمِهِمَّاتْ مدخالْ

                        أوْ لي لهُمْ في كل ْ تَخريبْ مِقْصَدْ

وعَرَفتْ مِ الحكَّامْ منْ كلْ الأشكالْ

                        ومنْ خبرتي هَزري عليهُمْ موَكَّدْ

وعشتْ الزِّمَنْ مابينْ حلٍّ وترحالْ

                       وشِفتْ العَرَبْ كيفْ إتِّفَرَّقْ وتِحْصَدْ

وماشفتْ في ماضي الزِّمانْ الذي زالْ

                        إثنينْ عَ رايٍ وقلبٍ موَحَّدْ

ويلتفت الشاعر هنا إلى بيان خبرته في أمر الحكام والزعماء لطول معاشرته ومعاصرته لهم، حتى جعل ذلك من باب الخبرة التي حصل عليها فقال: «أنا خبرت الوقت»، ويبين الشاعر عن قدرته على إدراك الحقائق وفهم المواقف بما قرره من فهم لمعنى الأمثال المضروبة في هذا المجال، فقد خالط الشاعر، كما يقول، أنواعاً من الحكام من أهل النصاعة والرأي والصدق والشجاعة، وعبّر عن ذلك بقوله «أهلْ الزِّبَرجَدْ..وسباعْ فيهُمْ للمِهِمَّاتْ مدخالْ»، وهذا نوع من الحكام وصفه الشاعر بالنقاء والقوة والشجاعة، وهناك نوع آخر منهم وصفهم الشاعر بكونهم يقصدون التخريب والإساءة.

فالشاعر لمعرفته الدقيقة بالحكام يصفهم بأنهم على عدة أنواع وأشكال، ومن طول خبرته بهم فإن تفنيده لهم ذو مصداقية، ويفصل الشاعر هنا في شيء من خبرته في هؤلاء الحكام بأنه عاش هذا الزمن الطويل بينهم في حل وترحال إلى كثير من المؤتمرات والقمم والزيارات واللقاءات الجانبية، مما نتج عن ذلك هذه الخبرة التي يوضحها هنا في قصيدته دون مجاملة، ومما يؤسفه هنا، كما يقول، أن يسطر الحديث عن مدى الخلافات الضاربة أطنابها بين الزعماء العرب، بحيث لم ير الشاعر اثنين منهما على قلب واحد، وهو هنا يتحدث عن الصنف الثاني من الحكام، حيث لم ير اثنين منهما متوادين متحابين على قلب رجل واحد:

مثِلْ أبوخالِدْ بعزمِهْ والأفعالْ

                     لي عِزْ دولَتنا بفَضلَهْ تِجَدَّدْ

ومِثِلْ أبوسَلمانْ مِصلِحْ للأحوالْ

                     خَلاَّ السِّعوديِّهْ أسِمْها إيَتِرَدَّدْ

ويختمها بالحديث عن عزم الشيخ محمد بن زايد وأفعاله التي يسعى من خلالها إلى عز دولته، كما يتحدث عن الأمير محمد بن سلمان، ويصفه بقوله: «مصلح للأحوال»، في إشارة واضحة إلى قيام الأمير محمد بن سلمان ببعض الإجراءات الجريئة في محاربة الفساد، مما جعل اسم السعودية يتردد في الآفاق:

وأشهَدْ بأنَّا اليومْ في خير منزالْ

                    وأنِّ الأمَلْ فينا تِبَسَّمْ وعَوَّدْ

وبلادنا في نعمِهْ وأمنْ تختالْ

                    والشَّعبْ بالقادِهْ غدا الشَّعبْ الأسعَدْ

وفي يقين الشاعر أنه يعيش اليوم من جراء أفعال هذين القائدين في خير عميم، وأن الأمل تبسّم للناس وعاد إليهم على أحسن ما تكون العودة، وأن بلادنا في أمن تختال من فرط نشوتها واستقرارها ونعمتها، ويغدو الشعب بحكمة هذين القائدين في أسعد حال وأفضله، وفي هذا يشير إلى تلاحم الشعب والقيادة وتوحدهما معاً، وتحقيق القيادة مبادئ سعادة الشعب ورفاهيته.

خصص الشاعر هذه القصيدة لمدح قائدين بطلين ارتبط اسماهما ببعضهما، نظراً إلى تقاربهما سناً وفكراً وتوجهاً، وقد استطاع الشاعر أن يوزع آيات مدحه عليهما، بحيث لم يخص أحدهما بمزية لم يخص بها الآخر منهما، وإنما ساوى بينهما في جميع الخصائص والصفات والمكارم والسجايا والمواقف، وتلك لا شك مقدرة شعرية فائقة يتمتع بها الشاعر، حيث يأمن الشاعر في حديثه مسألة انحيازه لأحد الممدوحين، من خلال توزيع مظاهر وآيات المدح والتقدير بشكل متساوٍ على الاثنين معاً، وقد استطاع الشاعر بكل مقدرة وخبرة أن يخصص هذه الخصال والصفات بقدر متساوٍ بينهما، بحيث عمّهما جميعاً بتلك المزايا التي رآها في شخصيهما، فأبرزها في قصيدته، ولا شك أن هذه القصيدة تبين عن دفقات كبيرة من الحب والتقدير اللذين يحملهما الشاعر لهاتين الشخصيتين المتميزتين الواعدتين على المستوى الخليجي والعربي بحسن القيادة وفاعلية الدور الذي يقومان به، مما يبشر بالخير ويوحي بالاطمئنان والاستقرار نتيجة جهودهما المبذولة وفكرهما النير، ومعرفتهما الواسعة بأصول السياسة وتشعباتها، وذلك ما طمأن الشاعر إلى أن يستوحي ذلك في نهاية قصيدته، فيذكر أننا اليوم في خير ونعمة وأمن واستقرار، وأن الشعب في سعادة غامرة.

قصيدة رائعة من روائع شعر الشيخ محمد بن راشد، يدرك المتتبع لشعره مستوى نظمها الفني والأدبي، وقدرة الشاعر على سبك الألفاظ والجمل بهذا الشكل المتميز والمبدع، ورفدها بهذه المعاني العميقة والصور البيانية والأدبية البليغة التي تعلي من جانب الشعر وتزينه، بحيث يمكنني أن أعدها من أروع وأبدع وأجمل أشعاره، حيث تقف مع جملة من أهم قصائده التي يتميز ويفتخر الشاعر بها، خاصة أنها عن شخصيتين يكنّ لهما كل احترام وتقدير ومحبة، أراد أن يصل صوته إليهما، ليحمل نبضات من هذا الحب والتبجيل، لذلك أراد الشاعر أن تتزين قصيدته بهذا التفوق الجميل من المزايا الشعرية التي يكتنزها الشاعر ويتميز بها، حيث بذل الشاعر في ذلك جهداً وطاقة كبيرة لتخرج القصيدة في ثوب من الإبداع والتميز والزخرفة البيانية والأدبية التي ترضي أولاً الممدوحين فيما نظم من أجلهما، وثانياً لترضي ذوق الجمهور الثقافي النبطي المتتبع لما يصدر عن الشاعر من قصائد، سواء من الإمارات أو السعودية أو من دول الخليج عامة، ورأيي أنها قصيدة أصابت الهدف، وبلغت الغاية، وأوفت المقصود، وأرضت الطموح، وحققت المأمول لغةً وسبكاً وصوراً، بحيث كانت أشبه ما تكون بلوحة فنية تتماوج فيها ألوان الطيف والزخرفة، لتعطيها هذا الحكم الذي أبديته عنها.

تعليقات

تعليقات