نشر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، على حساب سموه الرسمي على «إنستغرام»، يوم أمس، قصيدة بعنوان «كاس دبي العالمي»، رحب فيها سموه بضيوف الإمارات في التظاهرة الرياضية العالمية، التي تستقبل مدينة دبي من خلالها وفود المشاركين من أنحاء العالم، مبيناً سموه أنهم حلّوا ضيوفاً مكرمين في منازل شعب أصيل جواد، يفرح بالضيف ويسرّ بقدومه.

وفي سياق الترحيب المقترن بخلق العربي الأصيل، عبّر سموه في قصيدته الشعرية عن بالغ سعادته بكل من حلَّ ضيفاً عزيزاً على أرض الإمارات وبين أهلها الكرام، واصفاً أهل الشجاعة من الفرسان بأنهم أصحاب البأس والقوة، الذين يعتلون صهوات الخيل ويتصدرون المراكز الأولى.

وفي سياق رائعته الأدبية الشعرية الفريدة، التي توافق فعاليات كأس دبي العالمي، أفاض صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، بفيض من الوصف البياني في سرد أوصاف الخيول العربية الأصيلة المتميزة بطيب الأصل وكرم النسل، مبيناً سموه سمات وقيمة تلك الخيول العربية التي انحدرت منها أعرق الخيول العالمية الأصيلة.

معبراً سموه عن تلك السلالات الأصيلة بأنه لا يخطئها الفوز والتقدم إلى المراكز الأولى، ولا تقف أمامها الصعوبات مهما اشتدت وطأتها، معتبراً سموه أن ذلك الإكرام لتلك الجياد العاديات خلق متجذر عند العربي الذي قدّمها على كل غالٍ ونفيس.

فارس العرب سبّاق إلى الخير دائماً

من البلاد الباردة «ألمانيا» وبالتحديد من «ميونيخ»، وأنا أتابع وأنتظر على أشد من الجمر ساعة انطلاق كأس دبي العالمي للخيول، الذي لم يبقَ بيننا وبين انطلاقته إلا أربع وعشرون ساعة.

نعم.. كنت أقف في ذلك الجو البارد، فإذا بأبيات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، تتساقط عليّ تساقط حبات المطر، لكنها في دفء شاعري جميل عرفناه في سموه في مثل هذه المواقف وفي كل المواقف الإيجابية الهادفة.

إن سموه العائد لتوه من رحلة قنص، يرافقه حبيب الجميع وقرة عين الجميع سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، ونعم الرفيق هو رفيق دربه في السياسة والشعر والاقتصاد والبناء والرياضة وحب الخير والكرم والوفاء ورهافة الحس والفروسية.

وها هما اليوم ينتظران دورة جديدة من دورات إثبات الذات وتسجيل الهوية والمواقف المشرفة في سجل البطولات العالمية والشجاعة العربية المتألقة في الاهتمام بالخيل.

وفي قصيدة اليوم، نجد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، متهللاً وبمعنوية عالية وتفاؤل جمّ كعادة سموه، وهو يستقبل ضيوفه وضيوف دبي ودولة الإمارات في هذا اليوم التاريخي الأغر والمشهود والمتابع من الشرق والغرب والشمال والجنوب.

سباق الخير

كنت أتوقع قصيدة سموه بعد إحراز البطولة والانتهاء من كأس دبي العالمي، ولكن سموه سبّاق إلى الخير دائماً، ويحب أن يحمل البشائر إلى الناس قبل الناس، فلنفرح بفرحه، ولنعلن سرورنا بسروره، فما لنا من مبشّر أكبر منه، وما لنا من فارس أعظم منه، فهو فارس العرب، وهو أمل كل العرب.

ولنقرأ قصيدته التي تتراقص كلماتها تراقص البلابل على غصون الأشجار، وتتدفق معانيها تدفق شلالات الأنهار، وتتسابق وقع دلالاتها وإشاراتها تسابق وقع حوافر خيول الفرسان وعاديات الأحرار:

يـا مَـرحِبا بـالخيلْ والـلِّي مَـعْ الـخيلْ

أهــلْ الـشَّـرَفْ والـمرجلِهْ والـمعالي

كـسَّـابَـةْ الــطُّـولاتْ جـيـلٍ ورا جـيـلْ

تـاريـخـهمْ حــافـلْ بـفَـخـرْ وجــلالـي

تـرحـيبِ مِ الـخـاطرْ بـلَـحنْ ومـواويـلْ

وفــي يـومـنا هــذا يـطيبْ إحـتفالي

ضــيـوفْ عَ شــعـبٍ أصـيـلٍ بـتَـأصيلْ

شــعـب الإمــاراتْ الـكـريمْ الـمـثالي

ترحيب وحفاوة

استهل الشاعر الكبير قصيدته بالترحيب بالضيوف، والفرحة بادية على وجهه منذ استهلال القصيدة، فهو لم يرحب بالخيول المشاركة فقط، بل بالوفود من أصحاب الخيول ومن الذين سوف يمتطون صهوات الخيول في يوم السباق، وكذلك المشجعين الذين يتوافدون على دبي في هذا اليوم المشهود.

وقد وصف سموه أهل الخيل بأجلّ الصفات وهي الشرف والمرجلة والمعالي وهي صفات أهل الخبرة والتجربة المتوارثة جيلاً بعد جيل، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن التنافس يكون شديداً هذا العام، لأن المشاركين ليسوا عاديين بل من ذوي الخبرة الطويلة في هذا المضمار.

كما أن سموه من شدة حبه للخيل والفروسية يعلن عن شدة حبه لمثل هذه السباقات، وأن حبه يندفع من أعماق قلبه لدرجة أن له أثراً يمتد إلى البعيد فيسمع له صدى كصوت المغني الذي يشدو بمواويله.

وسموه مثلما رحب ورفع شأن ضيوفه رفع شأن دولة الإمارات العربية المتحدة المضياف أيضاً، فدولة الإمارات اليوم بين دول العالم بفضل الله ثم بفضل مؤسسها زايد الخير وفضل أنجاله وعلى رأسهم صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آلِ نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، يضرب بها المثل في رحابة الصدر وحب السلام والخير للجميع، ولو لم تكن هي واحة أمن وأمان للعالم كله لما احتضنت مثل هذه السباقات العالمية.

ثم ينتقل صاحب السمو إلى القول:

أهـلْ الرِّمكْ فرسانهمْ تسبقْ السِّيلْ

والـخـيـلْ مِ الـخَـيَّـالْ فَ أوَّلْ وتــالـي

مـاهـيـهْ مـشـرايِـهْ بـمـالٍ وتَـحـصيلْ

تـــلادْ فـيـهـمْ مـــنْ قـديـمْ الـلِّـيالي

خـيـلْ إعْـربِـيِّهْ فـي نِـسَبها تـفاصيلْ

رَدَّتْ لـديـرتـهـا كــمــا إيـــردِّ غــالـي

عــلـىَ كَـسِـبْـها بـاذلـيـنْ الـمـباذيلْ

ولاهـي جـديدهْ إتـنالْ شَـيْ ماينالي

فـحـولـهـا سَـــوَّوْ لأجـلـهـنْ تـمـاثـيلْ

خــيــولْ أوروبَّــــا ســــلالاتْ دالـــي

في وصفهنْ وصفْ البروقْ المشاعيلْ

ومـنْ طـبْعِهنْ الأوَّلْ ومـا إيـجِنِّ تـالي

مهارات الفروسية

ويصف صاحب السمو الفرسان بأجمل الأوصاف وأبلغها، فهم من شدة معرفتهم بالخيل وركوب الخيل يسبقون في مهارتهم بالفروسية الخيول أنفسها.

ثم يوضح لنا سموه ذلك بأن الفوز الحقيقي ينبغي أن يسجل للخيّال قبل الخيل، لأن الجواد ما هو إلا أداة في يد راكبه، فالذي يركب الخيل إن لم يكن ماهراً فإن خيله سوف تفشل بفشله، ولذلك قيل في الأمثال: أعطِ القوس باريها، وقيل أيضاً: أعطِ الخباز خبزه ولو أكل نصه.

ويقول سموه: إن الفروسية لا تشترى بالمال ولا يمكن أن نحصل عليها بالادعاء، بل هي خبرة ومهارة وجدارة واقتدار يضعها الله تعالى فيمن يشاء، كما أن الشعر موهبة يعطيها الله لمن يشاء.

فهؤلاء الفرسان الذين جاءوا إلى دبي ليتنافسوا على الفوز أهل خبرة وعراقة في هذه المهنة، وهم يشكلون خبرات متنوعة وثقافات في عالم الخيل متعددة.

لكن في النهاية يجب أن نعرف بأن الخيول التي تشارك هي في الأصل عربية حتى لو افترضنا أنها عاشت في أوروبا، فهي اليوم تعود إلى وطنها الأصلي، كما يعود أيّ عربي من مهجره إلى مولده.

ثم يقول صاحب السمو إن هذه الخيول المتميزة في أوصافها وشياتها وأدوارها البطولية لم تكسب هذه الشهرة من فراغ، بل انفق عليها ملاّكها المبالغ الطائلة.

ويفتخر سموه بفحول هذه الخيول التي أنجبت أمثال هذه الخيول، فهي إن لم تكن من نطف كريمة وأنزلت في أرحام كريمة لما نتج أصيل ولما ولد كريم.

فالخيل مثل الإنسان، وقد قال السموأل بن عاديا مفتخراً بنسبه:

صفونا فلم نكدر وأخلص سرَّنا

إناث أطابت حملنا وفحول

علونا إلى خير الظهور وحطّنا

لوقت إلى خير البطون نزول

فنحن كماء المزن ما في نصابنا

كَهام ولا فينا يعدّ بخيل

وننكر إن شئنا على الناس قولهم

ولا ينكرون القول حين نقول

من أجل ذلك فإن صاحب السمو يفتخر بهذه الخيول، ويرى أن فحل الخيل العربي، الذي كان سبباً في نشر هذا النسب العــــربي الأصيل في الشرق والغرب، يستحق أن يعـــمل له تمثال فــي كل بلد تخليداً لذكراه.

ثم يصف سموه الخيول الأوروبية بأنها اليوم ليست أقل جدارة، فملاّكها يبذلون الجهد في تربيتها وترويضها، وهي اليوم أصبحت تسجل الفوز في مثل هذه السباقات، وتحصل على المراكز الأولى منافسة الخيول العربية، لأنها كما قلنا الخيل بالخيّال.

ويسترسل صاحب السمو في ذلك الوصف الجميل لهذه الخيول فيقول:

مـا يـعطِنْ الـسِّبَّقْ مـسافِهْ وتَـمهيلْ

فــي وخـوذهـنْ لـلحَقِّ حـالٍ بـحالي

لـهِـنْ أنــا مـوَقِّـعْ عـلـىَ صَـكِّ تـوكيلْ

ضـامنْ لـهنْ مـنْ غـيرِ شَـكِّ وجدالي

جـنـيـتهنْ بـالـعـزْ جَـنـيْ الـمـحاصيلْ

فَ أوَّلْ صـبايهْ وشِـفتِهِنْ راسِ مـالي

فـيهنْ صـفاتْ الإنـسْ فهمْ المعاضيلْ

وفـيهنْ صـفاتْ الـجنْ في الإحتمالي

إكـرامـهـنْ فــعـلْ الـكـرامْ الـرِّجـاجيلْ

ومـنْ هـانهنْ جاهلْ منْ الفهمْ خالي

إعجاب

أجل لا ينتهي إعجاب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بهذه الخيول المشاركة في هذا السباق العالمي، وقد وصف كل الخيول بأنها سبّاقة، والفوارق بين جواد وجواد قليلة ولا تكاد تذكر، ومن ثم فإنها جميعاً مرشحة بالفوز بالمركز الأول إلا أن الخيّال له دور في صناعة الفوز بالمركز الأول.

يقول الشاعر الكبير: ما أقوله لكم أقوله عن خبرة وجدارة، لأني مع الخيل من صباي، فالخيل تعرفني وأنا أعرف الخيل وتفهمني وأنا أفهمها.

ولا أبالغ إذا قلت لكم بأن الخيل راس مالي، وحبها هو جل انشغالي، وشغفي بها أشد من أي شغف بأي شيء.

ولا تعجبوا من انبهاري بالخيل، فالخيل أخذت من الإنسي ذكاءه وفطنته ورهافة حسه، ومن الجنّي قدرته على صنع الأعاجيب.

أقول وفي هذا كأن صاحب السمو يشير إلى الآية الكريمة: (قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَقَامِك).. سورة النمل.

فالخيل كذلك تمتلك مثل هذه القدرات الخارقة التي لا يمتلكها سائر الحيوانات.

ويشير سموه أيضاً إلى الحديث النبوي الذي يقول: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة»، وهذا يعني أن واجبنا أن نكرم هذا الحيوان، الذي أشبه الإنسان في جانب، فالذي يهين الخيل جاهل بالخيل.

ويختم صاحب السمو القصيدة العصماء بقوله:

وفـي تـالي الـتَّالي لـهنْ كـلْ تَبجيلْ

مــن فــارسٍ خـيـلِهْ بْـغـلاةْ الـعـيالي

والـكاسْ هـذا الـعامْ مـا بِـهْ تساهيلْ

لـلـعـالـمـيِّهْ لـــــي يــنـالِـهْ يــنـالـي

يــا حَــظْ مــنْ نـالِـهْ بـجهدٍ وتَـحصيلْ

لــهْ الـتَّـهاني ويـشـرَبْ الـفوزِ حـالي

معارج الكمال والجمال

نعم نعم.. ما أجمل هذا الختام من شاعر حاكم وحكيم وحاكم حكيم شاعر، يوزع حبه وعدالته على البشر وكل مخلوق ذي روح، ثم يقدر الشعور والإحساس في الحيوان الراقي كالخيل فكأنه إنسان من الأناسي، ولعمري هذا الفكر الراقي وهذا الحب الرقراق لم يكن يمتلكه شاعرنا لو كان محمد بن راشد الحاكم فقط، ولكن بما أن الله منّ عليه بنعمة الشعر، بذلك استطاع أن يرتقي إلى معارج الكمال والجمال.

فها هو يحيي الخيول المشاركة العربية والأوروبية، وتحيته ليست كأي تحية لأنها تحية فارس العرب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، الذي يعز خيله معزة أولاده.

ثم أنه يوجه اهتمامنا واهتمام العالم إلى سباق هذا العام 2018 الذي يقام في مضمار ميدان في دبي، منوهاً بنزاهة هذا السباق ونزاهة كل الإعدادات التي سبقت هذا السباق.

فنحن في دبي ودولة الإمارات نتطلع إلى الفوز بالمركز الأول، لكن الأول مشاع بين كل المنافسين الآتين من كل الدول، فحظاً سعيداً لمن يسجل المركز الأول بالجدارة والاقتدار، وعندئذٍ سوف يكون صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أول المهنئين للفائز الأول وكل الفائزين.

يا مَرحباً بالخيلْ.. حفاوة بالأمجاد والأصالة والظفر

مهمّةُ القائد الفارس في الحياة هي إذكاءُ نار المجد في شعبه، وتفجير ينابيع السعادة بين مواطنيه، ولا يختلف اثنان على أنّ صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، قد فاز بالحظ الوافر من هذه الأمجاد التي ستخُلّد اسمه في سجلّ التاريخ كفارس شجاع احتفى بالحياة، وتقدّم صفوف شعبه نحو العُلا.

وارتقى بوطنه نحو آفاقٍ لا تحلم بها أغنى الدول وأكبرها، لأنّ هذا الفارس العاشق للمجد لا يعرف شيئاً اسمه المستحيل، ولا يرضى إلا بالمكان الأول في جميع سياقات الحياة، فهو الرائدُ الذي لا يكذب أهله، والفارس الذي لوّح جبينه الوضّاء شمسُ العمل والكدح والبناء.

ومنْ كان في شكّ من هذا الكلام، فهذا شعر بو راشد، وهذه كتبه كلها ناطقة بعزيمته الماضية، وبصيرته النافذة، وصلابته النادرة في مواجهة الصعاب ثم تجاوزها، وتحقيق ما كان في أوهام الناس مستحيلاً أوْ شبيهاً بالمستحيل.

(يا مرحبا بالخيل) لم أجدْ أجمل من هذا المطلع الباهر لافتتاح هذه الكلمة المخصّصة لقراءة هذه القصيدة الرشيقة رشاقة الخيل وفرسانها الشجعان، وهي القصيدة التي استلهمها صاحب السموّ بمناسبة سباق (كأس دبيّ العالمي) للخيل، هذا السباق الفريد الذي انطلق عام 1996م.

واكتسح جميع السباقات العالمية حتى غدا الأكثر شهرة وجاذبية واهتماماً على المستوى العالمي، نظراً إلى معاييره الدقيقة الأصيلة التي ترتقي بفنّ الفروسية، وتسهم في تجسيد القيم الحضارية والإنسانية في ربوع هذا الوطن الطيب المعطاء.

بهذه الترحيبة البدوية العريقة يفتتح صاحب السموّ قصيدته الرائعة (كأس دبيّ العالمي)، معبّراً بذلك عن واحدة من أعرق القيم الأصيلة في الثقافة العربية، وهي الحفاوة بالضيف، وتمجيد الفروسية.

حيث تستضيف دبيّ (لؤلؤة الخليج) هذا السباق العالمي، وتُسهم الإمارات بثلاثة خيول، منها حصان (المبتهج) لصاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد، هذا الفارس الذي تذكّرنا سيرته بفرسان العرب الكبار الذين احتفظ التاريخ بأسمائهم كنماذج متفرّدة للفروسية التي تحتفي بالخيل، وتجعل الحصان بين الرمش والعين، مثل عنترة وعامر بن الطفيل وزيد الخيل وعُتيبة بن الحارث بن شهاب وعمرو بن معد يَكْرِب الزبيدي وغيرهم من فرسان العرب ومغاويرها الذين توهّجت بأخبارهم صفحات المجد ودفاتر التاريخ.

يـا مَـرحِبا بـالخيلْ والـلِّي مَـعْ الـخيلْ

أهــلْ الـشَّـرَفْ والـمرجلِهْ والـمعالي

كـسَّـابَـةْ الــطُّـولاتْ جـيـلٍ ورا جـيـلْ

تـاريـخـهمْ حــافـلْ بـفَـخـرْ وجــلالـي

حفاوة وأصالة

يكاد كل حرف في هذا المطلع الجليل الأنيق ينطق بالحفاوة والأصالة العربية حين تعبر عن محبة الضيف وإكرامه، فكيف إذا كان هؤلاء الضيفان من أهل الفروسية وعشاق الخيل، عندها يكون حقهم عظيماً والحفاوة بهم أكبر، فلا يعرف قدر الفرسان إلا سيّد الفرسان (بو راشد) هذا الفارس العاشق للخيل، المترنّم بجمالها ودلالها، الذي يفهم صهيلها وجفيلها.

ويكتب فيها من غُرَرِ القصائد ما هو جدير بالدراسة المنفردة كي يعرف الناس طبيعة إحساس الفرسان بالخيل، وكيف أنها تغدو معهم في مرتبة عالية لا تقلّ عن مرتبة الإنسان النبيل، فهي في ميزان صاحب السموّ (كسّابة الطولات) لأن فرسانها كذلك، وعطاؤها مثل نبع فوّار لا ينقطع، فهو مثل حركة الأجيال المتتابعة، يصنعون تاريخهم بكل فخرٍ وجلال.

تـرحـيبِ مِ الـخـاطرْ بـلَـحنْ ومـواويـلْ

وفــي يـومـنا هــذا يـطيبْ إحـتفالي

ضــيـوفْ عَ شــعـبٍ أصـيـلٍ بـتَـأصيلْ

شــعـب الإمــاراتْ الـكـريمْ الـمـثالي

موّال شجيّ

والفرسان الكرام لا يعرفون المجاملات، بل علّمتهم الحياة قيمة الصدق وتمجيد العزّة، لذلك كان هذا الترحيب صادراً من قلب فيّاض بالحب مثل لحن جميل وموّال شجيّ يخرج من أعماق القلب، فالفارس الكريم يتدفّق قلبه بالسرور حين يغشاه الضيف.

وتشبُّ ناره بالكرم حين يكثر الزوّار، و(بو راشد) سليل العرب الكرام ووريث الشيخين الجليلين، المغفور لهما زايد بن سلطان آل نهيان وراشد بن سعيد آل مكتوم، فليس غريباً أن يحتفي بهذا اليوم المجيد في تاريخ الوطن، وأن يظفر منه ضيوف الوطن بهذا الموقف الأصيل أصالة شعب الإمارات الذي يعتزّ بالانتماء إليه، ويتغنّى بأمجاده ويرفع لواءه في كل مكان بكل فخر واعتزاز.

أهـلْ الرِّمكْ فرسانهمْ تسبقْ السِّيلْ

والـخـيـلْ مِ الـخَـيَّـالْ فَ أوَّلْ وتــالـي

مـاهـيـهْ مـشـرايِـهْ بـمـالٍ وتَـحـصيلْ

تـــلادْ فـيـهـمْ مـــنْ قـديـمْ الـلِّـيالي

خير الفرسان

هؤلاء هم قرّة عين القائد، فرسان البلاد وأهل الخيل الأصايل التي تسبق السيل بسرعة عَدْوها، ويعلو ظهورها فرسان هم خير الفرسان، فالفَرس مِن الفارس، والفرس الأصيلة لا قيمة لها إذا اعتلاها فارس رديء، فهؤلاء الفرسان الشجعان أبناء الصحراء قد ارتضعوا لبان الشجاعة.

واعتنوا بالخيل الأصيلة كابراً عن كابر وليس شراءً بالمال، بل هي ميراث يتوارثه هؤلاء الفرسان عن آبائهم الذين علّموهم عشق الخيل، والصلاة في محراب الفروسية، فهو (تِلاد) قديم وميراثٌ أصيل، وليس نعمة طارئة وفروسية مزعومة، بل شجاعة تجري في دمائهم، وإكليل غار ورثوه عن آبائهم وأجدادهم.

خـيـلْ إعْـربِـيِّهْ فـي نِـسَبها تـفاصيلْ

رَدَّتْ لـديـرتـهـا كــمــا إيـــردِّ غــالـي

عــلـىَ كَـسِـبْـها بـاذلـيـنْ الـمـباذيلْ

ولاهـي جـديدهْ إتـنالْ شَـيْ ماينالي

ويشير صاحب السموّ إلى أصالة الخيول المشاركة في السباق، وأنها ذات أصولٍ عربية معروفة النسب بالتفصيل كان الغرب قد أخذ الكثير منها، ثمّ عادت إلى موطنها الأصيل بعد أن بذل فيها صاحب السموّ الغالي والنفيس تعبيراً عن غلاوتها وقيمتها الفريدة في الوجدان العربي الذي يقدّس الخيل ويعاملها بإجلال وحب واحترام، فهو قد بذل في سبيل كسبها كل غالٍ، لأنها أصيلة تستحق وليست هجينة أو جديدة لا نسب لها ولا عِرق:

فـحـولـهـا سَـــوَّوْ لأجـلـهـنْ تـمـاثـيلْ

خــيــولْ أوروبَّــــا ســــلالاتْ دالـــي

في وصفهنْ وصفْ البروقْ المشاعيلْ

ومـنْ طـبْعِهنْ الأوَّلْ ومـا إيـجِنِّ تـالي

سلالات كريمة

إنّ هذه الخيول الأصيلة عريقة النسب، وهي متحدّرة من فحول كريمة معروفة مشهورة حتى كاد المهتمون بسلالات الخيل أن يعملوا لها التماثيل تعبيراً عن أصالتها وشهرتها، فالخيل العربية هي السُّلالةُ الأرقى بين السلالات العالمية، وهي من حيث سرعة الجري شبيهة بالبرق المشتعل.

بحيث لا يكاد يدركها الطرف لسرعة جَرْيها، وهي لا تعرف إلا المركز الأول، وأمّا المركز الثاني وغيره من المراكز فهي مشطوبة من حسابها، وهي الرؤية التي يؤمن بها صاحب السموّ، فهو لا يعرف إلا المركز الأول في كل شيء:

مـا يـعطِنْ الـسِّبَّقْ مـسافِهْ وتَـمهيلْ

فــي وخـوذهـنْ لـلحَقِّ حـالٍ بـحالي

لـهِـنْ أنــا مـوَقِّـعْ عـلـىَ صَـكِّ تـوكيلْ

ضـامنْ لـهنْ مـنْ غـيرِ شَـكِّ وجدالي

وهذه هي صفة الخيل العِراب الأصيلة، الاحتدام والسيطرة على الميدان، وعدم إعطاء الخصم الفرصة كي ينافس الخيل الأصيلة، فهي تسيطر على الميدان منذ انطلاقتها، وتظل كذلك حتى النهاية، لذلك فإنّ صاحب السموّ واثق بخيله وقدرتها على تحصيل المركز الأول، وتعبيراً عن ذلك فقد وقّع لها على صكّ توكيل، لأنه يعرف أنها لن تخيّب ظنه، ولن تقبل إلا بالمركز الأول دون أدنى شكّ أو جدال:

جـنـيـتهنْ بـالـعـزْ جَـنـيْ الـمـحاصيلْ

فَ أوَّلْ صـبايهْ وشِـفتِهِنْ راسِ مـالي

فـيهنْ صـفاتْ الإنـسْ فهمْ المعاضيلْ

وفـيهنْ صـفاتْ الـجنْ في الإحتمالي

عالم الخيل

هذه هي مسيرة صاحب السموّ وسيرته الرائعة مع عالم الخيل، الخيل التي أحبها حدّ العشق، واعتنى بها منذ شبابه الباكر، وأنفق عليها إنفاق الحبيب على الحبيب، فهي ليست حيوانات عجماء، بل هي رأس المال وكنز الحياة، ورفيقة الليل وأنيسة الصحراء، ولا فرق بينها وبين الحبيبة سوى فرق الطبيعة.

لذلك عرف صاحب السموّ من طباعها ما لا يعرفه إلا فارس نافذ البصيرة، عميق النظرة، باهر التجربة متمرّس بالخيل وشؤونها، حتى يكاد يفهم عليها صهيلها وانتفاضة شعرها، فهي مثل الإنسان في فهم معضلات الحياة، وهي مثل الجنّ في طاقة التحمّل وشدة الصبر والتفوق على الأقران.

ومن منّا لا يتذكر تلك القصيدة الرقيقة التي تجسّد أعمق مشاعر الحب للخيل في شعر صاحب السموّ حيث يقول:

آحبْ شمسْ الضِّحىَ بالنورْ تهديني

وآحـبْ صـوتْ الـمطَرْ إذا جرىَ وديانْ

والـخـيلْ والـلـيلْ وأشـواقٍ تـناديني

وسـجعْ القصايدْ فرايدْ جارياتْ ألحانْ

إكرام الخيل

إنّ هذا الحب النادر للخيل مقتضاه إكرام الخيل والعناية بها عناية تفوق النفس والولد، وهنّ كالنساء لا يكرمهن إلا كريم، ولا يهينهنّ إلا لئيم، كما جاء بذلك الحديث الشريف، وهو ما عبّر عنه صاحب السموّ أروعَ تعبيرٍ بقوله:

إكـرامـهـنْ فــعـلْ الـكـرامْ الـرِّجـاجيلْ

ومـنْ هـانهنْ جاهلْ منْ الفهمْ خالي

وفـي تـالي الـتَّالي لـهنْ كـلْ تَبجيلْ

مــن فــارسٍ خـيـلِهْ بْـغـلاةْ الـعـيالي

الله الله.. ولو لم يكن هذا الشعر لأبي راشد لوجب حتماً وجزماً أن يكون له، فهذا الحب والإيثار، وهذا الإكرام للخيل لا يصدر إلا عن فارس قد ارتوى من ينابيع المجد والفروسية.

فالخيل الكريمة لا يعرف قدرها إلا كِرام الرجال، ومَنْ مِثْلُ شيخنا كرماً وأصالة وشجاعة ومهابة، والجاهل الخاوي من الفروسية هو الذي يُهين الخيل ولا يعرف قدرها ولا يُفرّق بين الحصان والبغل، ولا أعرف بيتاً أروعَ في محبة الخيل من هذا البيت المدهش الذي يعترف فيه صاحب السموّ بأنّ خيله غالية عليه مثل غلاة أهله وأولاده.

أما خاتمة القصيدة فهي إشارة إلى المناسبة التي استخرجت لنا هذا اللؤلؤ المنثور من شعر صاحب السموّ، وهي احتفال دبي بالكأس العالمي للخيل حيث الصرامة والتعب للحصول على المركز الأول، فالسباق اختبار حقيقيٌّ للفروسية الباسلة، وليس مهرجاناً فارغاً لتعبئة الوقت، بل هو تعبير عن أرقى قيم الأصالة والشجاعة، والسعيد المحظوظ من فاز بهذا المجد وشرب كأس الفوز صافية منعشة عن جدارة واستحقاق، لأنّ الفوز بها يعني الفوز بلقب عالميّ تتنافس لتحصيله أرقى الأمم والشعوب:

والـكاسْ هـذا الـعامْ مـا بِـهْ تساهيلْ

لـلـعـالـمـيِّهْ لـــــي يــنـالِـهْ يــنـالـي

يــا حَــظْ مــنْ نـالِـهْ بـجهدٍ وتَـحصيلْ

لــهْ الـتَّـهاني ويـشـرَبْ الـفوزِ حـالي

محظوظ بك الشعر يا صاحب السموّ، ومحظوظة بك الخيل يا فارس الأمراء، ومحظوظة بك الإمارات يا شيخ الزمان وقائد الرجال والفرسان.