وحدهم الذين عايشوا الموت في صورة مرض أو حادث، وأنقذتهم عناية الله، هم القادرون على أن يقدروا قيمة الحياة، ويعيشوا لإسعاد غيرهم، هذه المقولة، تتطابق تماماً مع قصة عائشة، التي بدأت قبل 3 سنوات، عندما أصيبت بمرض عضال، وهي في الرابعة والعشرين من عمرها، حيث شخصت إصابتها «بسرطان الغدد اللمفاوية»، وبدأت رحلة العلاج المكثف، لتنقلب حياتها بين يوم وليلة رأساً على عقب.

عائشة السعدي، التي كانت قد تخرجت للتو في كلية التقنية تخصص إدارة أعمال إلكترونية، وبدأت تخطط لمستقبلها الوظيفي، تفاجأت بخبر مرضها، وخاصة أنه في مرحلة متأخرة «المرحلة الثالثة»، وبدأت رحلة العلاج الكيماوي المكثف في مستشفى خليفة بأبوظبي، لتجد نفسها بلا مقدمات في مرحلة صعبة جداً من حياتها، مرحلة تستدعي القوة والعزيمة والأمل بالله والتوكل عليه، ولسان حالها يقول «أنا أقوى من هذا المرض».

ولأنه من رحم المعاناة يخرج الأمل، وبالرغم مما عانته عائشة في تلك الأيام من تعرض للكيماوي المكثف، الذي استمر ستة أشهر، إلا أنه بدأ لديها الفضول والرغبة لمعرفة عالم الطب والتمريض والإسعاف، وبدأت تسأل الأطباء والممرضين عن مراحل العلاج وأنواعه، والكثير من الأمور الطبية التي أثارت اهتمامها، وعقدت العزم على أن تدخل المجال الطبي في حال منّ الله عليها بالشفاء، لتكرس حياتها المستقبلية في خدمة المرضى والمصابين.

وخلال فترة العلاج، كثيراً ما كانت تمر عائشة بحالات تستدعي التدخل الإسعافي، خصوصاً عندما يتم إخراجها من المستشفى تحت رعاية الأهل حتى موعد العلاج القادم، والذي كان يستمر ليومين أو ثلاثة، ليتم إدخالها مرة أخرى إلى قسم الطوارئ، لذلك تجربتها مع المرض، زرعت في داخلها حب المساعدة، ومن هنا، بدأت قصتها مع الإسعاف، فالمسعف أول من يراه المريض أو المصاب، ويكون أمانة بين يديه حتى يصل به إلى المستشفى.

كان شفاء عائشة من المرض، بمثابة معجزة، لكن عزيمة عائشة وقوة إيمانها وروح التحدي وحبها للحياة، وبزوغ حلم جديد لديها خلال معاناتها، كل ذلك أسهم في سرعة شفائها وعودتها لحياتها الطبيعية، لتلحق حلمها الجديد، بأن تخوض المجال الطبي والإسعافي.

توجهت عائشة مباشرة في محاولة لدراسة التمريض، إلا أن طلبها قوبل بالرفض، لأنها كانت خريجة بكالوريوس، وكانت الأولوية لخريجي الثانوية العامة، وبالتالي، يجب عليها الانتظار، وفي وسط هذه الأحداث، ظهر بصيص أمل، وكأن القدر يخبرها بأن مستقبلها سيكون كما تتمنى، حيث وجدت إعلاناً للإسعاف الوطني، يدعو فيه المواطنين للالتحاق بدبلوم الإسعاف الوطني من جامعة الشارقة، وهنا، كانت عائشة في الصفوف الأمامية، لتقديم طلب الالتحاق في الجامعة.

عائشة التي هزمت المرض، بفضل من الله، ومن ثم عزيمتها وقوتها، ها هي الآن تستعد لخوض مجال جديد في حياتها المهنية، بعد أن غير المرض مسيرة حياتها ومجراها، وهي على أعتاب التخرج من الدبلوم في يونيو المقبل «مسعف طب طوارئ»، وتسرع لإنقاذ الأرواح ضمن طواقم الإسعاف الوطني.

أصبحت عائشة تحب العمل الإسعافي، خاصة بعد أن رقدت فترات طويلة في المستشفى، وكانت تلك البيئة، الحافز الأول لها لتتخصص في هذا المجال، وبالرغم من أن والدها ما زال حتى الآن غير مقتنع بالتحاقها بهذا العمل، إلا أنها تثبت له يومياً، أنها تمتلك الشجاعة والإمكانات لتهزم أي تحديات ستواجهها في عملها الجديد، تماماً كما منّ الله عليها بالقوة والعزيمة لتهزم مرضها.