حققت الإمارات خلال السنوات الماضية إنجازات مهمة وكبيرة في مجال تصنيع الأقمار الصناعية متعددة الأغراض، فيما لعب مركز محمد بن راشد للفضاء دور الريادة، بما أنجزه من أقمار صناعية شملت نايف 1، ودبي سات 1، ودبي سات 2، وأخيراً «خليفة سات»، القمر الصناعي الأكثر تقنية وتقدماً، والذي سيطلق مع نهايات العام الجاري، وشكلت هذه الإنجازات بوتقة صهرت بداخلها عصارة خبرات المهندسين الإماراتيين، الذين شاركوا في تصنيع هذه الأقمار وصولاً لتصنيعها بالكامل، ما يعتبر بداية لتدشين أجيال وطنية متخصصة في الفضاء.
خليفة سات
ويعتبر القمر الصناعي «خليفة سات» أيقونة تقنية متطورة للغاية، ويمتلك خمس براءات اختراع، وتم تصنيعه على أيدي فريق مكون بالكامل من مهندسي مركز محمد بن راشد للفضاء، وهو أول قمر صناعي يتم تطويره داخل الغرف النظيفة في مختبرات تقنيات الفضاء في المركز، ومن المخطط أن يُرسل إلى مداره حول الأرض بنهاية 2018، ليصبح القمر الصناعي الثالث لأغراض الرصد الذي تمتلكه الإمارات في المدار.
وتتم حالياً مراحل الاختبارات النهائية في كوريا الجنوبية ومن ثم الانتقال لمحطة الإطلاق في اليابان ليتم إطلاقه على متن الصاروخ (H-IIA) الياباني، وبمجرد دخوله إلى مداره حول الأرض سيبدأ عمله بالتقاط الصور الفضائية وإرسالها للمحطة الأرضية في مركز محمد بن راشد للفضاء، وستكون صوره ذات جودة فائقة تلبي احتياجات المؤسسات الحكومية ومشاريع القطاع الخاص محلياً وعلى المستوى العالمي.
أغراض متعددة
وسيقدم «خليفة سات» صوراً فضائية عالية الجودة والوضوح، وسيتيح للدولة تقديم خدمات تنافسية في قطاع الصور الفضائية على مستوى العالم، وستستخدم صوره في مجموعة متنوعة من متطلبات التخطيط المدني، والتنظيم الحضري والعمراني مما يتيح استخدام أفضل للأراضي وتطوير البنية التحتية في الإمارات، ويساعد على تطوير الخرائط التفصيلية للمناطق المراد دراستها، ومتابعة المشاريع الهندسية والإنشائية الكبرى.
وفي مجال الحفاظ على البيئة سيعمل القمر على رصد التغيرات البيئية على المستوى المحلي وعلى مستوى دعم الجهود العالمية في الحفاظ على البيئة، ومن المخطط أن يقدم صوراً مفصلة للقمم الجليدية في القطبين الشمالي والجنوبي، مما يساعد على اكتشاف التأثيرات الناجمة عن الاحتباس الحراري، كما يشكل التخطيط العمراني على المستوى الوطني واحداً من الاستخدامات الرئيسية للقمر الصناعي، وهذا يشمل ضمان الاستخدام الأمثل والفعال للأراضي، بالإضافةإلى تقديم مقترحات واقعية للبنية التحتية.
رصد سريع
وسيقوم «خليفة سات» بتوفير صور ومن ثم تحليلها بما يضمن الرصد السريع لأي تغيير في الغطاء النباتي أو الساحلي، حيث إن التأثيرات الناجمة عن العديد من العوامل، مثل الاحتباس الحراري والمشاريع الهندسية والإنشائية الكبيرة، قد تؤدي إلى تغيرات في البيئة لا يمكن الكشف عنها من الأرض، وكما كان للقمر الصناعي «دبي سات» دور رئيسي في عمليات الإغاثة الدولية في أعقاب كارثة تسونامي عام 2011 في اليابان، وبالمثل، فإن «خليفة سات» على استعداد تام لتقديم المساعدة ورصد جهود الإغاثة في جميع أنحاء العالم كلما استدعت الحاجة.
فيما سيكون القمر قادراً على أداء دور مهم في توفير معلومات دقيقة عن مواقع السفن، فضلاً عن قدرته على اكتشاف السفن وتقديم معلومات عن اتجاهاتها وسرعاتها، وسيستخدم كذلك في تلبية احتياجات رسم خرائط الغطاء الأرضي هذا المجال، لاسيما من قبل الجهات الحكومية، وذلك من أجل رصد اتجاهات التنمية والتغيرات في الطريقة التي تستخدم الأرض فيها، وتصميم وتطوير الخرائط التفصيلية للمنطقة، وسيغطي المناطق المستهدفة في جميع أنحاء العالم.
دبي سات2
مثل القمر الصناعي «دبي سات 2» خطوة تاريخية لمركز محمد بن راشد للفضاء ومهندسيه، الذي أطلق في 2013، ليصبح القمر الصناعي الثاني للدولة الذي يلتقط صوراً فضائية فائقة الدقة لكل من المؤسسات الحكومية وللاستخدام التجاري مع قدرة عالية على الرصد والمراقبة، فيما تم اعتماد نموذج هندسي جديد بمواصفات وتقنيات مبتكرة لتصميم قمر صناعي متطور قادر على تلبية متطلبات العملاء داخل الدولة وخارجها، وبشكل منافس لأفضل الخدمات التي تقدمها أكثر الأقمار الصناعية تطوراً على مستوى العالم.
خاصة أنه يحظى بتصميم مبتكر وجديد وتقنية متطورة تتيح صوراً فضائية فائقة الجودة، وتولى تنفيذ مشروع تصميم وبناء دبي سات2 فريق من المهندسين الإماراتيين، كان لهم دور أساسي في عمليات تصميم وتصنيع القمر الصناعي، جنباً إلى جنب مع نظرائهم في كوريا، من خلال برامج نقل المعرفة التي اكتسبوها خلال تصميم «دبي سات 1»، حيث بنوا قمراً أكثر تقدماً وتطوراً في غضون أربع سنوات فقط.
وبدأ العمل على «دبي سات 2» في مركز محمد بن راشد للفضاء فور إطلاق «دبي سات 1»، ما اعتبر فخراً كبيراً للدولة لإطلاق قمر صناعي ثانٍ أكثر تقدماً في فترة قصيرة، وشكل فريق المهندسين الإماراتيين من إجمالي الفريق الذي عمل على بناء «دبي سات 2» في دبي وكوريا 70 بالمئة، وكان لإطلاق هذا القمر الصناعي دور حيوي في تعزيز مكانة الإمارات عالمياً في مجال علوم الفضاء والتقنية المتقدمة.
نقل المعرفة
ويكمن الهدف من إطلاق «دبي سات 2» في تعزيز برنامج نقل المعرفة، وتوفير صور فضائية عالية الجودة، من خلال الاستفادة من المعرفة التي تم اكتسابها، والعمل على تطويرها وتحسين نوعيتها، والصور الملتقطة بواسطة القمر، تستهدف تحديداً عملاء القطاع التجاري نظراً لارتفاع جودة الصور ودرجة وضوحها، ويوفر القمر صوراً بصرية إلكترونية للأغراض العلمية والتجارية للعملاء المحليين والعالميين، وتم تطوير وبناء هذا القمر بالاعتماد على تقنيات مبتكرة لم تستخدم في بناء القمر الصناعي الأول «دبي سات 1»، ويعمل القمران الصناعيان حالياً بشكل مستقل عن بعضهما البعض ويقدمان حلولاً تتناغم مع الاحتياجات المتنوعة للعملاء.
ويتيح «دبي سات 2» صوراً بتفاصيل عالية الجودة يمكن استخدامها للنشر الإعلامي في المطبوعات والمواقع الإلكترونية وإدارة المشاريع، ويمكنه تخزين بيانات صور ما يصل إلى 17.000 كيلومتر مربع من الأراضي لتستخدم في دراسة التغيرات البيئية والمياه والجليد والحياة والتجمعات البشرية وغيرها، كما يوفر صوراً فضائية يتم التقاطها بكاميرا ذات تقنية «بوش بروم» من خلال أجهزة الاستشعار (TDI) ويلتقط صوراً عالية الدقة حساسة للألوان.
دبي سات 1
يعد «دبي سات 1» أول مشروع لبناء قمر صناعي في الإمارات أسهم في نقل المعرفة العلمية لفريق المهندسين الإماراتيين، وشكل إطلاقه ونجاحه في أخذ موقعه في المدار مصدر فخر كبير لمركز محمد بن راشد للفضاء، خاصة أنه يعتبر أول قمر صناعي تملكه الإمارات، ومنذ أن أُطلق في عام 2009، وهو يقوم بإرسال صور فضائية عالية الدقة، وهي صور بصرية حساسة للألوان ومتعددة الأطياف الكهرومغناطيسية،.
ويعد القمر الصناعي وسيلة رئيسية مهمة في مساعدة الإمارات ومنطقة الشرق الأوسط على تطوير البنية التحتية ورصد التغيرات البيئية والتخطيط العمراني، وتعمل الصور التي يلتقطها «دبي سات 1» على تعزيز الاستفادة من علوم الأرض والجيولوجيا، ودعم مجموعة متنوعة من البرامج العلمية في كل من الأوساط الأكاديمية والقطاع الخاص.
وتم استخدام صور «دبي سات 1» لرصد أعمال تطوير مشاريع التطوير العمراني الكبرى في دبي، مثل نخلة الجميرا، ونخلة جبل علي، ومطار آل مكتوم الدولي، كما كان له من خلال الصور التي التقطها، دور رئيسي في دعم مساعي الإغاثة في عدد من المواقع التي تعرضت لكوارث طبيعية حول العالم.
كما يقوم برصد التغيرات البيئية ومتابعة الأحوال الجوية عبر منطقة الخليج وقارة آسيا، أما المعلومات والبيانات التي يوفرها فتستخدم لدعم القياسات الأرضية بهدف التنبؤ بحدوث العواصف الرملية والضباب وأي ظروف أو مخاطر طبيعية أخرى محتملة.
نايف 1
يعتبر القمر الصناعي نايف 1 أول قمر صناعي نانومتري صمم لأغراض تعليمية، وتم تصميمه وتصنيعه في مركز محمد بن راشد للفضاء بأيدٍ إماراتية في إطار شراكة بين المركز والجامعة الأميركية في الشارقة، وهو قمر صناعي من نوع «كيوب سات»، ويتمثل الابتكار في مشروع «نايف-1» في احتوائه على نظام تحكم مبتكر لم يتم ابتعاثه من قبل في أقمار الكيوب سات بحجم الوحدة الواحدة.
ويعمل هذا النظام بدقة على تحديد اتجاه وموقع القمر في الفضاء ليحافظ على توازنه في مرحلة عمله، فيما يدير عملية تشغيله طلبة هندسة إماراتيون من محطته الأرضية في الجامعة الأميركية في الشارقة، ويهدف مشروع القمر«نايف-1» إلى تدريب وتنمية قدرات الطلاب في علوم وتكنولوجيا الفضاء، عبر تطوير مهارتهم في تصميم الأنظمة الفضائية وتركيبها واختبارها وتشغيلها، كما أنه يعد تجربة تعليمية حقيقية للطلبة منحتهم مقدمة علمية واقعية ومعلومات وتدريباً عملياً على تصميم وتصنيع قمر صناعي حقيقي.

