نجحت مبادرة «صناع الأمل» في اجتذاب عدد كبير من المشاركات من شباب وشابات من مختلف أنحاء العالم العربي يتطلعون إلى المساهمة في نشر الأمل وصنع تغيير إيجابي. وتلقت مبادرة «صناع الأمل» آلاف القصص من أفراد ومجموعات، لديهم مشاريع ومبادرات، يسعون من خلالها إلى مساعدة الناس وتحسين نوعية الحياة أو المساهمة في حل بعض التحديات التي تواجهها مجتمعاتهم.
وسعياً لمشاركة هذه القصص كي تكون مصدر إلهام للآخرين الذين يتطلعون إلى تغيير مجتمعاتهم نحو الأفضل، نستعرض بعض قصص صناع الأمل التي تفتح نافذة أمل وتفاؤل وإيجابية في عالمنا العربي من المحيط إلى الخليج.
رياضة جمع القمامة في تونس.. شباب يعملون من أجل بيئة أجمل
الأمل هو الرغبة بالتغيير وأن تحفز غيرك على أن يكون جزءاً من هذا التغيير، هذه هي الرؤية التي يرتكز إليها نشاط تطوعي فريد من نوعه، دشنه مجموعة من الشباب التونسيين، من خلال رياضة جديدة تجمع بين الفائدة والعمل البيئي البناء، وهي رياضة لا تكلف شيئاً سوى أكياس بلاستيك وقفازات.
ففي الصباح، يتجمع عدد من الشباب المتحمسين، فتياناً وفتيات من مختلف الأعمار والشرائح الاجتماعية، عند بوابة متنزه «النحلي»، أحد أكبر المتنزهات الطبيعية، بالقرب من العاصمة تونس وارتدوا بزاتهم الرياضية استعداداً للانطلاق للمهمة غير العادية، يرتدون قفازات شفافة، لوقاية أيديهم، ويحملون أكياس قمامة سوداء. لا يتأخرون كثيراً قبل المباشرة بعملهم والمتمثّل في جمع كل أنواع القاذورات ومخلفات القمامة التي تركها زوار المتنزه خلفهم، حيث تشمل هذه النفايات القوارير البلاستيكية وعلب المشروبات الغازية وبقايا الطعام وأعقاب السجائر والمناديل الورقية وغيرها من مخلفات تشوِّه المتنزه الجبلي ببساطه الأخضر شاسع المدى، الذي تتوزعه أشجار الزيتون والصنوبر والكينا وغيرها.
وتستمر هذه المهمة الرياضية لساعات يتمكن خلالها المتطوعون، الذين لا يتوقفون عن المشي صاعدين منحنيات المتنزه الجبلي ومنحدراته. ليس هذا فحسب، بل إن مشهد الشباب وهم ينحنون لالتقاط كل أشكال النفايات، من دون تأفف أو تذمّر، بدأ يحفز رواد المتنزه على تبني سلوكيات صديقة للبيئة، ومنهم من بات يشاركهم نشاطهم البيئي التطوعي عن طيب خاطر.
وُلدت هذه الرياضة البيئية المبتكرة من بنات أفكار الشاب الثلاثيني صابر حداد، الذي شرع فيها مع رفاقه في يناير الماضي بعدما اطلعوا على فيديو يتناول ممارسة هذه الرياضة البيئية المستحدثة في السويد، فارتأى صابر وصحبه أن بلدهم أيضاً يستحق أن يبادروا إلى القيام بشيء في سبيل قضية بيئية، تسهم في تعزيز قيم المواطنة والمشاركة من جهة، وفي جعل مجتمعهم أجمل وأرقى من جهة أخرى، وخاصة أن مثل هذا النشاط البيئي التطوعي لا يكلف شيئاً.
بالنسبة لصابر ومن معه من متطوعين شباب، فإن انتشار رياضة جمع النفايات في تونس يعني أن رسالة التغيير وصلت، وهذا أجمل تعبير عن ثقافة الأمل والإيجابية.
المبادرة الأولى من نوعها في لبنان
مايا تستقبل المحتاجين في مطعم للوجبات المجانية
حقاً إن الجوع قاهر، وخاصة إذا كان الطعام الذي يهدره المجتمع يمكن أن يشبع آلاف الأفواه، والسؤال هو: كيف يمكن أن نحارب الجوع؟ كيف نأخذ من الشبعان، بحب، بحيث نعطي الجوعان، بحب أكبر؟
ومن هذا السؤال أطلقت الشابة اللبنانية مايا ترّو جمعية «فود بليسد» في بيروت كمبادرة، هي الأولى من نوعها في لبنان، تسعى إلى مكافحة الجوع، ضمن رسالة أكبر هدفها إيقاف الهدر في الطعام وترشيد الاستهلاك، وخاصة في بلد 29% من سكانه يعيشون تحت الفقر، مقابل تسجيل 40% من الهدر في الطعام يومياً، حيث تقوم مايا بجمع وتحصيل الطعام الفائض وتوزيعه على المحتاجين، من خلال شبكة مستدامة من العلاقات تشمل شركات أغذية ومطاعم ومتعهدي طعام وموزعين وناشطين متطوعين.
وكان المشروع في البداية فكرة حالمة بالنسبة لمايا، الشابة المتعلمة التي آثرت أن تضع شهادات الماجستير الثلاث التي تحملها جانباً كي تعمل من أجل إطعام الجائعين وإسعادهم، لكنها كانت تؤمن بأن الفكرة النبيلة وإن كانت حالمة ليست مستحيلة، واجدةً رسالتها في الحياة من خلال العطاء ومواصلة العطاء.
متطوعونومن إطلاقها في العام 2012 وحتى اليوم، نجحت «فود بليسد» في تجنيد عشرات المتطوعين الشغوفين، ممن وضعوا أيديهم بيد مايا متفقين على هدف رئيس ألا وهو أن الاهتمام بالآخرين وخدمة المحتاجين هي أنبل وظيفة يمكن أن يقوم بها المرء، وكل ما تحتاجه من مؤهلات هو الشغف والإيمان بالقيم الإنسانية القائمة على التعاطف والمشاركة، من دون الالتفات إلى أي خلفيات أو انتماءات دينية أو فكرية أو سياسية. كذلك، ومن خلال السمعة التي اكتسبتها مايا، المدير التنفيذي لـ«فود بليسد»، باتت العديد من الشركات والمؤسسات تحرص على التعاون مع مايا سواء من خلال توصيل الأطعمة الفائضة إلى مقر الجمعية أو حتى إعداد وجبات طعام خصيصاً لرواد الجمعية من الفقراء، حيث نجحت الجمعية حتى اليوم في إقامة شراكات مع أكثر من 300 جهة في المجتمع.
200
تضم الجمعية مطعماً في ضاحية برج حمود البيروتية يوفر وجبات طعام مجانية لأكثر من 200 من الفقراء من مختلف أنحاء المدينة أسبوعياً. ما إن يلجوا المطعم، حتى تغمرهم أجواء الاستقبال الدافئة. تتحدث مايا عن هذه التجربة فتقول: «نقول لهؤلاء الناس إن كل ما لدينا هو لكم»، مؤكدة: «نعتبر رواد المطعم ضيوفاً وليسوا محتاجين، فنستقبلهم بكل حب واحترام، ونشعرهم بأنهم في بيتهم». وتحرص مايا على أن تذكر المتطوعين الذين يخدمون «ضيوف» المطعم، بالقول: «اخدموا الآخرين كما لو أنكم تخدمون أنفسكم!» هذا هو شعار العطاء الذي يتبناه الجميع، حيث يُقبل المتطوعون، ومعظم الشباب من طلبة المدارس والجامعات، على عملهم في توفير خدمة مثالية لضيوف المطعم.
فخر
يتحدث الدكتور وحيد ترو عن ابنته، التي لا يخفي فخره واعتزازه بها، قائلاً: «إن أي شيء تحصل عليه مايا، تعطيه للآخرين»، مؤكداً أن ابنته تلقت عروض عمل كثيرة بما يتفق والشهادات العلمية الرفيعة التي تحملها لكنها آثرت أن تكرس حياتها للإنسانية.
200 متطوع يدعمون منظمات الطفولة
ما بدا أنها رحلة جبلية استكشافية فردية أول الأمر انتهت بمؤسسة تطوعية مهمّتها ترك بصمة عطاء في أي بقعة من العالم تحتاج إلى الدعم والمساعدة، بهذه الكلمات يمكن تلخيص رحلة الشاب السعودي ياسر الحربي، مؤسس «جزيل»، المنصة التطوعية التي تضم أكثر من 200 متطوع في شتى المجالات والخبرات.
وتعود الحكاية إلى العام 2014، حين سافر ياسر إلى تنزانيا لتسلُّق جبل كلمنجارو، زار خلالها «مركز أطفال مساماريا» في مدينة موشي بتنزانيا، وهي منظمة غير ربحية تسعى إلى إيواء الأطفال المشردين وحمايتهم من الفقر وتجنيبهم الوقوع فريسةً للمخدرات والاستغلال بكل أنواعه. حظي ياسر بترحيب حار، كأول عربي، يزور المركز منذ تدشينه في العام 2007، وتأثر بالمهمة النبيلة التي يقوم بها المركز، فقرر أن يفعل شيئاً للمساهمة في نشر رسالته الإنسانية، وخاصة أنه كان يفتقر للكثير من الأساسيات، كما يكاد يكون بمنأى عن أي تواصل مع مؤسسات عالمية يمكن أن توفر له دعماً من أي نوع، فأسس ياسر «مشروع دعم مركز مساماريا لأطفال الشوارع» لتسليط الضوء على المركز، فكانت نواة هذه المشروع التطوعي تصميم موقع إلكتروني، بعدة لغات، للتعريف بأهداف المركز وأنشطته ونشر رسالته للعالم. ومن ثم شكل ياسر فريقاً تطوعياً من الشباب من ذوي المهارات المتخصصة في مجالات متنوعة لتقديم أوجه دعم مختلفة للمشروع.
مؤسسة
ومن هذا المشروع التطوعي الأول، أسس ياسر «جزيل» في أكتوبر 2015، كمؤسسة غير ربحية تهتم بالتطوع المعتمد على الموهبة والتخصص، عبر تشكيل فريق تطوعي لدعم المنظمات النامية والمهمشة، معتمداً في ذلك على مهارات ومواهب أكثر من 200 متطوع في شتى المجالات والخبرات. وتم اختيار «جزيل» اسماً للفريق (من كلمة «جزل» أي عَظُم أو كَثُر)، بما يعكس رسالة المبادرة، أي: العطاء الجزيل لمن هم أهله). تتبنى «جزيل» جملة أهداف من بينها: دعم العمل الخيري المؤسسي في المجتمعات على نحو يكفل استدامته وتطويره؛ وعقد الشراكات بين الجهات الداعمة والجمعية في مختلف القطاعات؛ وإشراك المجتمع في المشاريع التطوعية من خلال توفير بيئة مرنة يستطيع المتطوع العمل فيها من أي مكان في العالم وعن بعد لتحقيق روح التعاون والتكافل الاجتماعي؛ والتطوع الإبداعي بحيث توفر «جزيل» فرصاً متعددة للتطوع التخصصي المعتمد على مهارات متنوعة؛ وتنمية وتشجيع الخبرات والمواهب الشابة وتوظيفها لخدمة العمل الإنساني.
ومن مركز مساماريا، انطلقت جزيل في العام 2017 إلى مشروع آخر، عبر دعم «مؤسسة الفراشة»، الكائنة بمدينة بوكارا في نيبال، وهي منظمة غير ربحية تعنى بمساعدة الأطفال في المجتمعات الفقيرة التي ترزح تحت ظروف معيشية صعبة، ودعمهم لتلقّي التعليم المناسب.
