لأبي راشد صاحب السمو الشيخ محمّد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، أطال الله في عمره، قصةٌ عجيبةٌ مع الخيل، ووجدٌ دونه وجدُ العاشق الصادق يُلذّعُ قلبه حبُّ الحبيبة، وحين تقرأ قصائده في الخيل يكاد يشتبه عليك الأمر، وتجد نفسك أمامَ فارسٍ أصيلٍ سُليمانيّ المقام، ذلك النبي الكريم الذي قصّ الله تعالى علينا من خبره، وعرفنا مبلغ حُبّه للخيل وشغفه بها حتى شغلته عن ذكر ربّه، فكانت هذه القصة البديعة التي جاءت في إيقاع فريد فيه من الجلال والجمال ما يشير إلى عظمة الخيل في النفس، ومكانتها العالية في فطرة الفرسان: {ووهبنا لداود سليمان نِعمَ العبد إنه أواب * إذْ عُرض عليه بالعَشيّ الصافنات الجياد* فقال إني أحببتُ حُبّ الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب * رُدّوها عليّ فطفق مَسحاً بالسوق والأعناق} (ص: 30-33).
شذرات الحب
في هذه القصيدة العالية «عالم الخيل» شذرةٌ غالية من شذرات الحب المكنون في قلب هذا الفارس المهيب للخيل العربية الأصيلة، وهو حُبٌّ أصيل قد توارثه عن آبائه الصِّيد الكرام منذ تلك العروق العربية الماجدة التي كانت ترى في الخيل عنوانا للفروسية والشجاعة والكرم، وتحتفظ بأنساب خيلها كما تحتفظ بأنساب أبنائها، ويتفنّن شعراؤها في وصف الخيل والتغني بها، وتكريمها وتقديمها على النفس والولد، وحين سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عمرو بن معد يكرب: كيف معرفتك بعِراب الخيل؟ قال: معرفةُ الإنسان بنفسه وأهله وولده.
مِنْ عَلَّم الخيلْ أنْ بإسمي تناديني
وأنِّي إذا جيت مِ البِعدْ إتِّلَقَّاني
تِفْرحْ بقُربي وتمازحني وتحَيِّيني
وَإنْ غبتْ عنها علىَ نارْ إتِّريَّاني
رقة ورهافة
لم أقرأ في حياتي شعراً يرتقي إلى هذه الذروة العالية في الرقة ورهافة الشعور، وخلع الصفات الإنسانية على الخيل وكأنها حبيبة تنتظر الحبيب على جمر الشوق والحنين، وأين هي المرأة التي لا تغار حين تسمعُ هذا الغناء الصافي الذي يخلبُ اللُّبَّ، ويذهب بالقلب كل مذهب حين يتذوّق الإنسان هذا الحنين الباهر، وهذا التناغم الرقيق بين قلب صاحب السموّ وبين فرسه الأصيلة التي تتلقّاه بصَهْلةٍ يطير لها شعر الناصية، وتجمح وهي تضرب بحوافرها الأرض وكأنها تقول: أين أنت أيها الحبيب الغائب؟ وتلتمع عيونها ببريق السعادة والفرح حين يدخل فارسها إلى مربطها كي يُخفّفَ عنها نار الحنين، فهي تنتظره على نار الشوق وجمر التوق، وتكاد تطير من الفرح حين يُقبل من بعيد، وتُحَمْحِمُ بصهيلها العذب الذي هو في الروح أحلى من موسيقى الربابة، لنتذكر معاً ونحن نقرأ هذا المطلع البديع، ذلك المقطع الرائع من شعر عنترة حين وصف فرسه «الأبجر» وبسالته في قلب المعركة، فقال:
ما زلتُ أرميهم بثغرة نحرهِ
ولبانه حتى تسربل بالدمِ
فازورَّ مِنْ وقْعِ القنا بلبانهِ
وشكا إليَّ بعبرةٍ وتحمحُمِ
محبة مُتبادلة
لكنّ صاحب السموّ لا يكتفي باقتناص لحظة عارضة من المحبة المتبادلة بينه وبين فرسه الأصيلة، بل لهذه المحبة شأنٌ آخر، هو قصة حب صافية عميقة التفاصيل، يتحدث فيها صاحب السموّ عن أدقّ خلجات الروح، وهي تفهم من الخيل لغتها الخاصة، فهذا المقام من الحب لا يستطيعه كلّ من اقتنى الخيل، وإنما هو من مقامات الفرسان الذين يعرفون كيف يُكرمون الخيل، وكيف ينسجون معها أجمل المشاعر، فالخيل كنز العرب، وقد رفع الإسلام من قدرها، وأقسم بها الله تعالى في كتابه، فهي جليلة القدر في النفوس، وليست حيواناً يُركَبُ ويُعلَفُ، فهي في جوهرها كالصديق الصدوق النادر، وهو ما عبّر عنه أبو الطيب المتنبي أبلغَ تعبير في قوله:
وما الخيلُ إلا كالصديقِ قليلةٌ
وإنْ كثُرتْ في عينِ مَنْ لا يُجرِّبُ
من هنا جاءت هذه القصيدة ناعمةً مثل شال الحرير، حيث أبدع صاحب السموّ في رصد الملامح الإنسانية في أخلاق الخيل ووفائها البديع، فاقتربت القصيدة من حدود الغزل، فكأنّ القارئ يقرأُ قصيدة شجية في الحب بين قلبين متآلفين: فارس نبيل كريم الأخلاق، قد اشتعل في قلبه الحنين إلى حبيبة مصونة في خِدرها، قد سالت دمعتها وهي تقف منتظرة على نافذة الحنين تنتظر بلهفة عودة فارسها كي تحتضن روحه وفروسيته وشبابه الرائع الجميل، استمع معي إلى هذا الوصف الذي يذوب معه القلب رقةً وحُبّاً للفرس الأصيلة التي هي حبيبة يليق بها الحب والمجد والإكرام:
تَدْركْ وجودي وتَعْرفني وتَغليني
وتبِشْ لي وبَسْ قاصرْها إتِّحفَّاني
وتحسْ بي وبشعورْ تشَمَّمْ إيديني
ياكنَّها في المشاعرْ نفسْ الأنساني
ملامح الروح
الله الله! ما أبدعها من صورة ترسم بدقة عجيبة ملامح الروح من الداخل، وتحكي قصة حبّ فريدة بين الفارس وفرسه الأصيلة الوفية التي تفارق طبيعتها الحيوانية كي تُصبح إنساناً يدرك وجود حبيبه ويبشّ له، ويكاد ينطق في حضرته تعبيراً عن أرقى صور الانسجام بين الروحين، فللفرس روح لا يعرفها إلا فارسها، وكم في خيول العرب من فرسٍ أبت أن تأكل الطعام في غياب فارسها!! وكم من فرسٍ ظلّت تحوم فوق جسد فارسها في حومة الوغى، ولم تفارقه لأن الوفاء من طبعها، وتذوّق معي هذا الجمال الرائع في قول صاحب السموّ: «تشَمَّمْ إيديني»، وتفكّر بعمق في مغزى هذه اللوحة النادرة التي يعجز أعظم الشعراء والفنانين عن رسمها بهذه البساطة والعفوية الصادقة الدالة على عُمق التجربة وأصالتها:
إنْ جـيـتـها بــعـدْ غـيـبِـهْ لـــي تـحَـيِّيني
ويــضـجْ الإسـطـبـلْ بـالـتَّرحيبْ حـيَّـاني
يـاكـنَّـها تــقـولْ لــي يــا مـنـوَةْ الـعـيني
طـوَّلـتْ غـيـبتكْ والـلِّـي يـحـبْ ولـهاني
لحظات المجد
هذا هو الحب الصافي الذي يبهر القلب، فهي تُحيّي صاحب السموّ على طريقتها الخاصة حين تصهل صهلتها العالية، ويضجُّ الإسطبل من هذه التحية الخاصة التي يبتسم لها صاحب السموّ، ويمسح على أعرافها الأصيلة تعبيراً عن الحب المتبادل، فهي ما أحبّته إلا بعد أن ظفرت منه بكل إكرام، وهو الفارس الذي يعشق الخيل بقلب يفيض بالحب، ويشتاق إليها، ويعيش معها أجمل ساعات العمر، ويمارس على ظهرها أروع لحظات المجد، فهي صداقة معقودة على الوفاء لا تعرف الغدر ولا النكران، ويا لروعة هذا التعبير الرقيق الذي يلخّص أجمل مشاعر الحب المتبادل بين الفارس وفرسه حين تقول له: «يــا مـنـوَةْ الـعـيني»، فهذا تعبير عن أرقى مشاعر الحنين الذي تحتفظ به الفرس الأصيلة لفارسها الشجاع:
ولـلـخـيلْ أنــسـابْ وأوطـــانْ وبـلاديـني
وفـي الـخيلْ أسـرارْ محفوظهْ بكتماني
إمـضـمَّرْ الـظـبي فـيـها وصـفَهْ إمـحيني
وعـدوَةْ الـذيبْ في غفلَهْ علىَ الضاني
أنساب أصيلة
وفي ثقافتنا العربية هناك عناية مبكرة بأنساب الخيل، وقد ألَّف الإمام ابن الكلبي كتاباً بهذا العنوان، تتبّع فيه أشهر أنساب الخيول العربية الأصيلة، مثل فرس عامر بن الطفيل «المزنوق»، وفرس الحارث بن عُباد «النعامة»، وفرس خالد بن جعفر «حذفة»، وغير ذلك من الأفراس المشهورة التي لقيت أعظم أنواع العناية من العرب وفرسانها الشجعان. وها هنا يقرر صاحب السموّ هذه الحقيقة الثقافية التي ربما كانت من مفاخر ثقافة العرب، ثمّ يصفُ ملامح الأصالة في فرسه، فهي مُضمّرة مثل الظبي، وسريعة العدو مثل الذئب الذي يختطف الشاة في سرعة البرق:
مـشـدودَةْ الـجـلدْ مـحـسوبَهْ بـتمكيني
صـلـيبةْ الـقينْ لـي فـي الـشَّدْ مـالاني
سـلسةْ عـنانٍ وحِـيَّةْ سيرْ في حيني
عقبْ التَّعَبْ ترجعْ أنشَطْ م الذي كاني
أوصاف الفرس
ويلوح لي أن صاحب السموّ حين يتكلّم عن أوصاف الفرس فإنه يتكلّم بلغة الحب، وكأنّ أسارير وجهه تنطق بالسرور، شأنه في ذلك شأن العاشق حين يتكلّم عن ساكن القلب ومعشوق الفؤاد، فالحب هو سيد الموقف في كل كلمة يقولها صاحب السموّ عن الخيل التي يعشقها ويرى فيها جمالاً هو فوق كل جمال، فهذه الفرس مشدودة الجلد كناية عن اكتنازها وقوة تحمّلها ليس فيها أدنى زيادة من اللحم المترهّل، فهي محسوبة بتمكين، وهي صلبة الحافر بحيث يكاد ينقدح الشرر من وقع حوافرها، وهي تجري كالريح حين يُرخي لها العنان، وتموج مثل النهر حين يقطع الأرض، وتسابق الريح كي تصل إلى الحبيبة وتكتحل العين برؤيتها والسلام عليها:
تـنصبْ فـي الـسِّيرْ صَـبْ الـما بتعييني
شـلاَّلْ مِـنْ راسْ ضـلعْ إيـصبْ عجلاني
يـاكِّـنـكْ تــشـوفْ هـــدَّاتْ الـشِّـواهيني
هـدَّنْ عـلىَ الـصِّيدْ لـكنْ دونْ جـنحاني
قوة شكيمة
صحيح أنّ امرأ القيس كان من أول الشعراء الذين أبدعوا في وصف جَري الفرس حين شبّهه بالذئب والظبي، لكن صاحب السموّ يختار تشبيهاً آخر، هو سرعة انصباب السيل إلى منتهاه، بكل ما تنطوي عليه الصورة من جمال وسرعة وإبداع، فهي صورة بديعة، ويكتمل إبداعها في البيت الثاني حين شبّه سرعة الفرس بانقضاض الشواهين الجارحة على الصيد «الهددْ»، لكن الفرس تنقضّ على الصيد من غير جنحان، فكانت هذه الصورة المدهشة لسرعة الخيل وقوة شكيمتها.
أما خاتمة القصيدة، فهي السحر الحلال، حيث تندفع حروف البيت الأخير لتقول كل شيء في حق هذه الفرس الأصيلة الكحلاء، فهي نموذج متفرّدٌ في الزين والحَلا، وهي في عين صاحب السموّ فوق كل جمال ولا يستثني، وانظر معي إلى هذا الحرف البديع حرف الزين، وكيف أنّ تكراره قد منح نهاية القصيدة قفلة ساحرة تشهد برهافة ذوق صاحب السموّ ورقّة إحساسه وصدق عاطفته تجاه فرسه التي تنتظره وتحنّ إليه، وتكاد تنطق وهي تذرف دمع الحنين بين يديه:
فـيها مِـنْ الـزِّينْ زيـنْ أزيَـنْ مِـنْ الـزِّيني
جـمـالـهـا فـــي عـيـونـي مـالـهـا ثــانـي
يا أمير الفرسان وشيخ البيان، يليق بك المجد، ويليق بك الوفاء.