كان يمكن لحياة أحلام يوسف، معلّمة اللغة الإنجليزية في مدرسة جدحفص الثانوية للبنات، في مملكة البحرين، أن تمضي بصورة عادية، بحيث تقوم بواجبها المهني كما هو مطلوب منها.. وكفى.
لكن أحلام لم تشأ أن تحصر رسالتها «المقدسة» كمعلمة وفق منظومة التعليم القائمة، أو أن تجعلها حبيسة الصف، أسيرة المنهج. بالنسبة لها، رسالة المعلم معنية بالدرجة الأولى بالطالب ولتلبية احتياجاته التربوية، ولأجل طالباتها، طورت أحلام مبادرة «احتواء»، التي تقوم على تقديم تجربة تعليم فردية مميزة.
وتعنى مبادرة «احتواء» التي استفادت منها 116 طالبة، بمساندة ودعم طالبات المستوى الثاني والثالث الأدبي، من مختلف فئات التحصيل العلمي، مع التركيز على ذوات التحصيل المتدني والمتعثرات دراسياً وأولئك من فئة أصحاب الهمم إلى جانب الطالبات اللاتي يعانين ظروفاً خاصة ويحتجن إلى احتواء نفسي وأكاديمي من نوع خاص، وذلك في مادة اللغة الإنجليزية.
لهذه الغاية، أطلقت أحلام، في العام 2014، مبادرة «احتواء»، حيث بلورت من خلالها استراتيجية مبتكرة أطلقت عليها اسم «تفريد التعليم»، أي تقديم تجربة تعليمية فردية مصممة وفق مواصفات خاصة تناسب كل طالبة حسب ظروفها، وحسب قدراتها وإمكاناتها، إيماناً من أحلام بأن التعليم الناجح يقوم على مراعاة الفروقات الفردية بالدرجة الأولى بحيث يتم استثمار القدرات المتفوقة لاستخراج الأفضل وصقل القدرات المحدودة وتنميتها واستجلاء طاقات وإمكانات أخرى، من مبدأ أن التطور العقلي والفكري سمة بشرية بالأساس.
وتشمل مبادرة «احتواء» تصميم كتيبات وأنشطة ومشاريع متنوعة، متدرجة في الصعوبة، وفق أسلوب «تفريد التعليم» الذي يقوم على «الاهتمام بالفرد المتعلم»، بحيث تُترك مسألة التقدم الذي تحققه الطالبة إلى قدراتها الفردية وسرعتها الذاتية في التعلم داخل الصف. ولا يقتصر «تفريد التعليم» على تقديم محتوى تعليمي فردي مبتكر في اللغة الإنجليزية، وإنما تقديم تجربة تربوية شاملة، تتضمن مد جسور من التواصل الإنساني بين المعلمة والطالبات تقوم على احتواء الطالبة نفسياً وعاطفياً، ومتابعة الإنجاز الأكاديمي التي تحققه من خلال إشراك ولي الأمر كون الدعم الأسري يلعب دوراً مهماً في مبادرة «احتواء».
تضم «احتواء» العديد من الأنشطة التواصلية والتفاعلية بين المعلمة والطالبات، وبين الطالبات وأولياء الأمور، من بينها مشروع «اتصال إيجابي» و«جداريات» و«التحفيز من أجل التعليم» و«البطاقات الافتراضية التحفيزية لأولياء الأمور»، وكلها مصممة كي تضمن انخراط الطالبات في أنشطة الهدف منها تحفيزهن وشحذ قدراتهن بما يخدم تقدمهن في العملية التعليمية.
كذلك، تجاوزت مبادرة «احتواء» المجتمع المدرسي المحدود، لتسهم في خلق فضاء تعليمي تواصلي أوسع عن طريق توظيف وسائل التواصل الاجتماعي مثل «إنستغرام» لخلق صفوف افتراضية للتعليم، ضمن فضاء إبداعي يتم فيه اختبار عدة أدوات ووسائل تعليمية، يسهم في تشجيع الطالبات على التفاعل بإيجابية واحتوائهن بطريقة تمكنهن من تقديم أفضل ما لديهن.
وبفضل هذه المبادرة، التي لا تزال مستمرة حتى اليوم، أظهرت نتائج الطالبات المعنيات تحسناً ملحوظاً في أدائهن الأكاديمي، محققات نسب نجاح تفوق المؤشر الوطني في البحرين، لكن الأهم من النجاح وتحقيق الدرجات هو التحسن الكبير في الحالة النفسية للطالبات وهو ما انعكس على علاقتهن بالأسرة والمجتمع من حولهن، حيث أصبحن أكثر تفاعلاً وانخراطاً مع من حولهن.
