مثل ناسك شفيف المشاعر، دقيق النظر في ملامح الجمال، يرصد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، لحظة جمال فريدة تتماوج أبياتها مثل موجة هادئة بين الحقيقة والمجاز، فها هي الفراشة الساحرة الألوان، البديعة التكوين تقف قريباً منه.

وربما ذهب ذهن القارئ المتذوق في بداية القراءة إلى أنّ صاحب السمو يتكلّم عن فراشة حقيقية حطّت بأجنحتها الرقيقة على نافذة الصباح العابقة بخيوط النور المنبعثة من الشمس، لكنَّ المتأمل في القصيدة يلاحظ أن الصورة والفكرة تتناميان على نحو جميل وأخاذ، ليكون الحديث عن لمعة النور في العقل الذي يسبح في ملكوت التفكير، أو الحبيبة الرقيقة التي لا تقل رهافة ورقّة عن (فراشة النور) بما أبدع الخالق في تكوينها من جلائل الصنعة، ودلائل الحكمة والإبداع، حيث يحضر طيفها، وتمارس لعبة الخفاء، والظهور إمعاناً منها في الإحساس بالدلال والفتنة والجمال.

فــراشَـةْ الــنِّـورْ حـلَّـتْ فــوقْ وآنــا شـفـوقْ

ودِّي لـقـاها وخـايِفْ إذا قـاربْتها أنْ تـطيرْ

مجامع القلب

وهل يكون اللقاء إلا للحبيبة المنتظرة التي تأخذ بمجامع القلب، ويقترب منها الفارس بذكاء وحذر تماماً كما يقترب الصياد من الظبية الغافلة، فهي تنفر من أدنى إحساس بالخطر، وكم هي جميلة هذه الصورةُ المُوحية بهذا الإحساس الشفّاف المرهف الذي يتناغم مع الروح ويتسلّل إلى القلب، كما يتسلّل خيط النور من نافذة الصباح.

يــبـيـنْ لـلـعـيـنْ مــنـهـا مــاحـوَتـهْ الــعِــروقْ

مــجـاري الـــدَّمْ مـنـهـا والــشَّـرابْ الـنِّـميرْ

وهذه الصفات هي صفات الحور العين اللواتي وصفهن تعالى بقوله «كأنّهُن الياقوت والمرجان» (الرحمن: 58)، فقد أخرج الإمام الترمذي من حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنّ المرأة من أهل الجنة ليُرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة من حرير ومخها، إن الله تعالى يقول: (كأنهن الياقوت والمرجان)، فأما الياقوت فإنه حجر لو أدخلت فيه سلكاً ثم استصفيته لرأيت من ورائه».

فهذه الفراشة الجميلة والتي نرجّح أنها الحبيبة الجميلة قد صفا لونها حتى أصبحت مثل الياقوتة البيضاء، بحيث يرى الرائي مجاري الدم من عروقها، ومسرى الماء الصافي النمير في عنقها الأتلع البديع مثل إبريق الفضة الصقيل.

فــي لـجَّـةْ الـنّـورْ يَـظـهِرها غـروبْ وشـروقْ

والصِّبحْ ساكَنْ علىَ طِرْفْ الجناحْ الصِّغيرْ

وصوف وقرائٔن

وإٕذا كان هذا البيت واضح الدلالة على الفراشة الحقيقية حيث تشير جميع الوصوف والقرائن إلى ذلك فإنّ البيت التالي لا يمكن أن يكون إلا تلميحاً بديعاً إلى فراشة القلب الفاتنة التي تتجلّى مثل ثوب الحرير الناعم، ويقترب منها البدر كي يستمد من بهائها وجمالها البديع، فالبيت الأول تصوير بالغ التأثير وإيحاء، حيث تنغمس الفراشة في لُجة النور، وينعكس ذلك عليها مع خيوط الشروق والغروب، وتزداد الصورة ألقاً ورقّة في صورة الصبح الساكن على طرف جناحها الصغير، لتتحوّل الصورة بعد ذلك إلى وصف أخاذ للحبيبة التي يحاول البدر أن يسترق شيئاً من جمالها الباهر وضيائها الخلاب.

والـشَّمسْ مـنها ضـياها وخـايفِهْ مِ الحِروقْ

تـنـقادْ إلـهـا مـثِـلْ الأعـمـىَ ويـقودِهْ بـصيرْ

وهذه هي طبيعة الفراشة: ينعكس عليها الضوء وتسعى إليه رغم أن حتفها في معظم الأحيان فيه، وهو السر الذي لم يستطع علماء الحشرات والبيئة تفسيره، حيث تندفع الفراشة نحو الضوء، وتكون نهايتها المؤلمة دائماً هناك، وهو ما عبّر عنه صاحب السمو أروع تعبير في قوله:

تـنـقادْ إلـهـا مـثِـلْ الأعـمـىَ ويـقودِهْ بـصيرْ

وتزداد دقة الوصف الجميل لملامح الإبداع في تكوين الفراشة، هذا الكايئن الدقيق الرقيق، حيث ينعكس عليها الضوء ويتداخل فيها النور مثل لمع البرق الذي يخطف الأبصار، في إشارة إٕلى جمالية هذه الحركة البديعة الدالة على باهر صنعة الخلاّق العليم، فكيف إٕذا كانت هذه الفراشة الرقيقة مما يلمع في الليل بحيث يهتدي بها من يسير في ظلمة الليل البهيم:

يتـداخَـلْ الــنِّـورْ فـيـها شِـبـهْ لـمـعْ الـبِـروقْ

ومـظـلِـمْ الـلـيـلْ دومَــهْ لـيـنْ تـسـري أسـيـرْ

لحظات فريدة

وتزداد القصيدة تركيزاً على لحظات الجمال الفريدة الباهرة التي تتشكل من خلال ثنائية: النور والفراشة، فإذا هي أجمل من لوحة الرسام المبدع، ومهما حاول الإنسان الكتابة عن هذه اللحظات الجمالية الرائعة فإن القلم يقف عاجزاً عن التعبير عن طبيعة الإحساس الجمالي الذي ينشأ في القلب حين ُيعاين هذا الجمال البديع، لكن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بذوقه الشعري الرفيع المرهف يرصد ويسجل أدق تفاصيل الجمال، ويمزج ببراعة فائقة بين الشعر والرسم الذي هو أدق فنون التصوير البصري، لكن العبقرية الشعرية هي القادرة على الجمع بينهما.

بحيث ُيخيل إليك وأنت تقرأ القصيدة أنك أمام لوحة فنية بديعة جادت بها يد رسّام رشيق مبتكر، وهو واحد من أكثر الملامح الفنية أصالة وإبداعاً في شعر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، بحيث تشكل فكرة اللوحة مفتاحاً أساسياً لفهم شعره مهما كان الموضوع الذي يتحدث عنه، ومن منا ينسى تلك الصور الباهرة التي تزدحم بها تجربة سموه الشعرية حين يتجلّى في الحديث عن الحبيبة الظبية التي تمارس الغواية والدلال، فيبدع في رصد هذه الملامح، ويبهر القارئ بهذه الصور الفنية المبتكرة، وهو في هذا البيت يرسم بريشة الفنان المبدع واحدة من أجمل اللحظات الفنية في وصف الفراشة التي يتداخل فيه ألوان الطيف النوراني في الصباح الجميل:

وتْــلَـوِّنْ الـطِّـيـفْ بـالـلُّـونْ الــذي فـيـهْ ذوقْ

لــوحـاتْ رسَّـــامْ بـالـرَّيـشِهْ بــإيـدْ الـخـبـيرْ

لكن صورة الفراشة تختفي في نهاية القصيدة، ويتلاشى طيفها أمام الحضور الساحر الجميل للحبيبة التي هي فراشة القلب الحقيقية، ودواء الروح المشتاقة، والتي إن تجلّت ترّحلت الهموم والغموم، واندفع الفارس نحو ميدان الحياة والفروسية، فهو لا يرى شفاء قلبه إلا في حضورها الساحر الجميل الذي يشفي قلبه من أوجاع الفراق، ويوقد نار المجد والتحدي في حنايا روحه.

فهو يعرف الداء والدواء، وحين تخمد النار في قلب الفارس فلن يشعلها إلا طيف الحبيبة، وحين تتراخى القبضة عن جمر العزيمة، فيتوقّد إلا إذا ابتسمت له مثل ظبية نفور، تعرف كيف تخطف قلب فارسها وصيّادها، وعلى الرغم من شقاء القلب وعذاباته بهذا الدلال إلا أنه العذاب العذبُ والشقاء المُحبب إلى الروح:

لـــيإِنْ تـجـلَّـتْ تــرَحَّـلْ كـــلِّ هـــمٍّ وعــوقْ

كـنِّـي بـهـا تـشـفي الـعوقْ الـقويِّ الـخطيرْ

وهذا داءٌ قديم عرفته العرب في جاهليتها وإسلامها وفي جميع عصورها، أن تكون الحبيبة داء ودواء، ومن أروع الأبيات الدالة على رقة إحساس العرب بهذا العذاب الجميل قول الشاعر الجاهلي الُمرار بنُ منقذ، من شعراء المفضليات من قصيدة له طويلة جميلة حيث يقول واصفاً عذابه من مطل الحبيبة وتسويفها وعدم إنجازها للوعد حتى أصابه السُّلال ( السّل) من شدة الضنى والحنين حتى أصبح الناس يتساءلون عن سبب علّته هل هو مصاب بالحمى أم به سلال لا يقوى على إظهاره:

يسألُ الناس أحُمّى داؤه

أم به كان سُلالٌ مُسْتسر

وهي دائي وشفائي عندها

مطلتهُ فهو ملوي عَسِرْ

دلال وفصاحة

وتزداد القصيدة إفصاحاً عن الشخصية الحقيقية للفراشة، فاإذا هي الحبيبة الهاجرة التي يردها الشوق والحنين ولو كان العاشق يلقى التلف في سبيل محبوبة، وهي تحت إحساس التأثير البالغ والدلال تكاد تنسى أن عاشقها فارس عظيم المقدار بين الرجال، وأمير كبير المنزلة بين الأمراء، ولكن المرأة هي المرأة، لا تشعر بلذة الحب إلا إذا تأكدت أن الإمارة لا تسري عليها قوانينها، فهي السيدة المطاعة، والآمرةُ الناهية، والأمير أمير على غيرها، أمّا هي فهي أميرة قلبه، وسيدة عواطفه، ومن دون ذلك تختل معادلة الحب، ويفقد الحب جوهره الأصيل الذي تكون فيه المرأة هي الأميرة، والأمير هو العاشق، والعاشق فحسب:

مـاردِّها الشُّوقْ صوبي ولوُ لها آموتِ شوقْ

ولا إسـتـهَـمَّتْ بــحـالْ الـلِّـي مـقـامَهْ كـبـيرْ

فالمرأة يزداد إحساسها بأنوثتها كلما كان الشخص الذي يحبها عظيم المنزلة، ولذلك تزداد دلالاً وتأكيداً على سلطتها المستمدة من نظراتها الفاتنة التي يلقي لها الفارس الباسل سلاحه، ويتقبّل هذا الدلال بكل محبة وطيب:

قلْبي يُحدّثُني بأنّكَ مُتلِفي

روحي فداكَ عرفتَ أمْ لمْ تعرفِ

لغز القصيدة

ثم كان البيت الأخير، وهو لُغز القصيدة كلها بحيث تم تشتيت انتباه القارئ المتذوق، فبعد أن كانت المساحة متقاربة بين الفراشة الحقيقية والحبيبة الفراشة، جاء البيت الأخير بمفاجأة دلالية بحيث اتجهت القصيدة كلها نحو المعنى المجازي للفراشة، وأنها لمعة النور التي تلمع في العقل والقلب حين يكون صاحب السمو منخرطاً في التفكير العميق، حيث تترائى له أفكار مثل طيوف النور، وتلتمع في ذهنه التماع البروق، وتتداخل في عقله مثل حزمة الضوء المشتملة على جميع الألوان.

ويبدو أنّ جمال الصورة هو الذي أغرى صاحب السمّو بهذا التنويع الرائع للصور ودلالاتها، والمراوحة الباهرة بين الحسي والمعنوي، والحقيقة والمجاز، ولكن مهما اختلفنا في تفسير مغزى القصيدة فستظل قصيدة مشبعة بالمعنى الشفيف، والتنقّل الذكي بين إبداع الصور بحيث يدخل القارئ في غواية المعنى الغامض الذي هو عنوان الأصالة في الشعر الجميل وجوهرها:

فـكـرَهْ تـجلَّتْ بـقلبي وبـعضْ فـكري يـسوقْ

إلــــىَ الـمـعـانـاهْ عـقـلـي لـلـجـديدْ الـغـزيـرْ

هذه هي المعاناة اللذيذة، معاناة البحث عن الجديد والإبداع في كل شيء، وهو منهج صاحب السمو الذي يكره الروتين ويرى فيه عقبة تقف في وجه الإبداع والتفرد والإنجاز، فكانت هذه القصيدة اللمعة الصادرة عن روح تتأمل بعمق في الأشياء وترضى بالخاطر السانح والرأي العجول.

سعيدة بك بلادك يا صاحب السمو، وسعيد بك شعبك حين تقدح له من زناد فكرك كل جديد ولطيف، ودمت سراج إبداع وطليعة خير، وشيخاً يُمارس الحياة بإحساس لا يزداد على مرور الأيام إلا تجدداً، وقمراً لا يزداد في سكون الليل إلا توهجاً.