أظهر التقرير الذي أصدرته القمة العالمية للحكومات بالتعاون مع بي دبليو سي الشرق الأوسط بعنوان «الإلهام والتنظيم: الحكومة القائمة على الابتكار»،آلية عمل الحكومات لتعزيز الابتكار في القطاع الخاص من خلال تبني السياسات والاستراتيجيات الذكية.
وأشار التقـــرير إلى أن عدداً متزايداً من الحــكومات أثبت في الأعوام الأخــيرة أن الدولة تضـــطلع بدور قـــوي في تعزيز الابتكار في القطاع الخاص، لكن هناك فرصة أكبر بكثير يقودها الموظفون الحــكوميون من ذوي البصيرة، وتتمثل بأن تتجاوز الحكومات مجرد كونها داعمة الابتكار في العالم التجاري، لتكون مشاركاً نشطاً في منظومة الابتكار.
وأوضح أن الحكومات بدأت في الانتقال من كونها ممكناً للابتكار في القطاع الخاص إلى مساهِمة، وشريكة ورائدة في مجال الابتكار، ويدعو التقرير الحكومات إلى المشاركة في تطوير الأنظمة المبتكرة حيث يرى أن الحكومات أصبحت تمارس دوراً أكبر في رسم معالم حركة الابتكار في الاقتصاد العام من خلال سياسات المشتريات، وجودة تقديم الخدمات واعتماد الابتكار الرقمي.
وللتغلب على التحديات البيئية والاقتصادية والاجتماعية المعقدة والمتداخلة والتطور المستمر في الدور الذي يلعبه القطاع العام في هذه القضايا، وأنه على الحكومات أن تبتكر طرقاً جديدة في التفكير والعمل، من خلال ترسيخ عناصر الابتكار الأساسية في استراتيجيات واستثمارات الحكومات وفي ثقافتها الداخلية وأجهزتها ودوائرها، مما يُمكن الحكومات من بناء منظومة ابتكار مستدامة ودفع عملية خلق القيمة الخارجية بما يخدم صالح مواطنيها والمؤســـسات التجارية والمجتمع بأكمله.
ولقد بدأت معظم الدول التي تستشرف المستقبل بالفعل إلى بتبني نهج قائم على الابتكار، ويمكن للدول الأخرى أن تتعلم منها، لتضع أفضل الممارسات المناسبة لظروفها الفريدة، كما أن الحكومات التي يحركها الابتكار هي تلك التي تدمج الابتكار في صلب تكوينها وعقليتها التنظيمية، والطريقة التي تتعاون من خلالها وتتعامل مع القطاع الخاص والجمهور.
وثقافتها وشعبها، واستراتيجيتها، والاستثمار في الابتكار الرقمي، ومشتريات الابتكار وعملية الابتكار الخاصة به كلها عوامل فعالة في الابتكار، وتقود إلى إحداث تحول في إمكانات اقتصاد والمواطنين والبلد بحد ذاته.
وأوضح التقرير أن جدول الأعمال المدفوع بالابتكار ليس مجرد نهج مترف للحكومات الغنية التي تتمتع بموارد وفيرة؛ فمع سعي الدول حول العالم لتخطي تعقيدات التحديات البيئية والاقتصادية والاجتماعية المترابطة، فإن هناك حاجة إلى طرق جديدة للتفكير والعمل، ولقد بدأ الموظفون في القطاع العام بالتفكير على نحو مماثل لتفكير رجال الأعمال.
وهم يبحثون عن أفكار جديدة وطرق ً للتوصل إلى حلول للمشاكل، مفيداً بأن الحكومات نجحت في جميع أنحاء العالم بتعزيز الابتكار في القطاع الخاص، وذلك بفضل السياسات والاستراتيجيات الذكية، من الإعانات المقدمة للصادرات، بدءاً بحاضنات المشاريع الجديدة، مروراً بالتعرفة التي تدعم التقنيات الناشئة مثل الطاقة الكهربائية من مصادر متجددة.
وأثبت الموظفون الحكوميون الذين يستشرفون المستقبل أن الدولة تلعب دوراً في الوقت الحالي لاستغلال فرص أكثر أهمية، إذ تشارك الحكومات بنفسها في منظومة الابتكار، وترسم كل من سياسات المشتريات، وجودة تقديم الخدمات، واعتماد التكنولوجيا، ومعالم أداء الابتكار الاقتصاد الأوسع.
تمكين
وبدأت الحكومات تنتقل في الوقت الحالي من كونها عوامل تمكين الابتكار في القطاع الخاص، لتصبح جهات مساهمة شريكة وأطرافا فاعلة ورائدة في مجال الابتكار، وأطلق على هذا النهج اسم الحكومة القائمة على الابتكار IDG أما يعني أن الابتكار يصبح ضرورة تنظيمية للقطاع العام بذاته، عوضاً عن اقتصاره على القطاع الخاص الذي تؤثر فيه الحكومات عن بعد فقط.
وهناك عدة أمثلة على إعادة تعريف القطاع العام لدوره بهذه الطريقة في كل من إستونيا، وسنغافورة، ودولة الإمارات العربية المتحدة، والسويد، وتشيلي، والمملكة المتحدة، على سبيل المثال لا الحصر.
وتعد طريقة التفكير التعاونية على صعيد الهيئات الحكومية ومع الشركاء غير الحكوميين إحدى السمات الرئيسية للحكومات القائمة على الابتكار وتفتح الحكومات آفاق الابتكار من خلال التعاون والتفاعل مع القطاع الخاص، مستخدمة التحديات الخاصة بها والفريدة من نوعها.
موظفون
ويوجد في الحكومات القائمة على الابتكار موظفون قادرون على حل المشاكل بصورة خلاقة، يعملون ضمن ثقافة تتيح لهم التجربة والابتكار، ويتضمن بناء ثقافة مبتكرة يعني وضع حوافز وأسس أداء قادرة على مكافأة التجربة قيد التنفيذ،.
وتشمل أساليب جديدة للجوائز، ونظم التقدير، وبيئة تنظيمية، وبإمكان نظام التعليم أيضاً أن يدعم الابتكار في القطاع العام على مستويات تأسيسية أكثر، من خلال تعليم التفكير النقدي والإبداع للجيل المقبل من الموظفين الحكوميين.
واضطلعت الحكومات، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، خلال فترة طويلة من القرن العشرين بدور في قيادة الابتكار، وقامت الوكالات الحكومية بتطوير تقنيات أساسية في مجال الحوسبة والإنترنت، بينما قامت بتحفيز أوجه التقدم في مجالات الطب والسفر في الفضاء وغيرها، وشهد هذا الدور تحولاً مع نهاية القرن الماضي.
وتعتبر العديد من الحكومات الابتكار عنصراً للتحول الصناعي والتغير التكنولوجي وإيجاد فرص العمل، وبيّنت مجموعة من الاقتصاديين أن الحكومات تضطلع بدور محوري في تحفيز هذا التغيير الصناعي، وتعد الصين أحدث دليل على ذلك، إذ استفادت العديد من قطاعاتها التكنولوجية من السيارات الكهربائية.
ويختلف الابتكار في الحكومة عن نظيره في القطاع الخاص، بأنه قد لا يؤدي دائماً إلى تحقيق فوائد ملموسة بالنسبة للشخص الذي يقوده، كأن يحصل على مكافأة مالية أو تقدير.
سنغافورة.. الريادة في الابتكار
قامت سنغافورة بإنشاء بيئة تنظيمية افتراضية أعدتها هيئة النقد في سنغافورة، وتسمح هذه البيئة الأطراف الفاعلين في التكنولوجيا المالية باختبار خدمات ومنتجات مالية جديدة، وسبقت سنغافورة الكثير من الدول، واتجهت إلى تجسيد منهج الحكومة القائمة على الابتكار (IDG)؛ فهي تدعم رواد الأعمال من خلال منظمات على غرار «إينوفايت»،.
وتستثمر في مجالات، مثل: الذكاء الاصطناعي، كما قامت بتحويل حكومتها للعمل بنمط إبداعي؛ إذ كانت من المعتمدين الناشطين للاقتصاد السلوكي؛ بهدف إعلام السياسة العامة، بشأن مسائل مثل رسوم الازدحام.
واعتمدت سنغافورة مقاربات البيئة التنظيمية الافتراضية في مجال البيانات؛ من خلال برنامج واحد يسمح مثلاً للشركات والوكالات بتبادل البيانات الكبيرة وتحليلها، وقامت كذلك بإنشاء بيئة تنظيمية افتراضية، أعدتها هيئة النقد في سنغافورة، وتسمح هذه البيئة للأطراف الفاعلين في التكنولوجيا المالية باختبار خدمات ومنتجات مالية جديدة .
إستونيا: استراتيجية الرقمنة أولاً
وضعت إستونيا التكنولوجيا الرقمية في صلب حكومتها، وأصبحت المجتمع الرقمي الأكثر تقدماً، وتعد إستونيا مكان نشوء شركات متطورة مثل «سكاي» و«ترانسفرواير» .
كما تعتبر ريادة أستونيا التكنولوجية مبهرة بالنظر إلى حقيقة أنها دولة حصلت على استقلالها من الاتحاد السوفياتي عام 1991 وتمكنت من الانتقال إلى طليعة التكنولوجيا العالمية، ويعود الفضل الكبير في هذه المكانة التي حققتها إلى جهود سياسات الحكومة، وتصدر التعليم سلم الأولويات.
وأطلقت استونيا عام 2015 استراتيجية واسعة النطاق بدراسة القوانين الاوروبية مع الفضاء الرقمي والمساعدة على تحويل القارة إلى رائدة في مجال تكنولوجيا الاتصالات، وساعدت المطالبات بالضرائب الالكترونية على تسهيل العملية إلى مجرد نقرة واحدة، إذ يمكن إنجاز العملية خلال 3-5 دقائق، وبات نحو 95 % إلكترونيا .
وتعتبر استونيا الدولة الاولى في العالم التي قدمت تصويتاً عبر الانترنت في انتخابات وطنية، ولا يستغرق التصويت أكثر من 3 دقائق ويستطيع المواطنون التصويت من أي مكان في العالم .
