يُعد «دليل الحكومات نحو عام 2071» الذي تم إطلاقه خلال فعاليات الدورة السادسة للقمة العالمية للحكومات، بمثابة تقييم تمهيدي للتوجهات العالمية الكبرى وتأثيرها في مستقبل الحكومات خلال السنوات الــ50 المقبلة، وهو خارطة طريق للحكومات لاستشراف المستقبل.

وقال معالي محمد بن عبدالله القرقاوي وزير شؤون مجلس الوزراء والمستقبل رئيس القمة العالمية للحكومات، في تقديمه للدليل:

تقف الإنسانية اليوم على مشارف مرحلة من التغيرات الكبرى وعلى رأسها تقنية الذكاء الاصطناعي، والتطور الواسع في هندسة الروبوتات واتساع رقعة استخدامها، بالإضافة إلى التغيّر المناخي، وهي، وإن كانت تمثّل تحديات متنامية لوجودنا وبقائنا، فإنها توفر في الوقت عينه فرصاً هائلة للتطور البشري.

وتابع: من هنا تنشأ الحاجة إلى استراتيجيات حكومية تمتد على مدى أجيال متعاقبة في سبيل إيجاد الوسائل الفعالة لمقاربة تلك التحديات الجمّة والاستفادة مما تنطوي عليه من إمكانيات وقدرات شاسعة، وانطلاقاً من ذلك، يتعيّن على الحكومات، منفردة ومجتمعة، أن تتعمّق في استكشاف تلك التوجهات الكبرى لكي تنجح في تسخيرها لخدمة البشرية ونظامنا البيئي.

استخلاص الرؤى

وأضاف القرقاوي: يهدف إعداد «دليل الحكومات نحو عام 2071» إلى استخلاص الرؤى ووجهات النظر المختلفة عند استشراف مستقبل الحكومات، وليكون بمثابة دليل إرشاديّ يسلّط الضوء على الإمكانيات المتاحة في مستقبل العمل الحكومي على امتداد السنوات الخمسين المقبلة.

وأردف: تتمثّل غايته الأساسية في أنه يمدّ قادة الحكومات وصنّاع السياسة بالأدوات الأساسية ويحثّهم على فهم المستقبل وإيجاد الطرق للتعامل الفعّال مع التحوّلات المتوقعة والتي قد توثّر في مسار الحكومات. كما يضع هذا الدليل تصوّراً لمشهد علاقة الحكومة في المستقبل وطبيعة تفاعلاتها مع المواطنين وسائر الجهات المعنية.

وذلك من خلال إلقاء نظرة مقتضبة على أبرز توجهات الابتكار التي تؤثّر في المجتمعات وفي اقتصاد الدول، ومن المرتقب أن تؤدي هذه التوجهات إلى حقب جديدة قوامها التواصل اللامحدود، والاستكشافات الجديدة، والإنسانية المتقنة، فقطار المستقبل آخذ في نقل البشرية من نطاق «التحديات والحلول» إلى نطاق «استكشاف الفرص» وهو النطاق الذي يتمحور حوله هذا الدليل.

وتابع: نحن في القمة العالمية للحكومات نرى أن «الإرادة البشرية»، التي تمسك بزمامها القيادات الوطنية العالمية والمحلية، قادرة على صون مستقبل البشرية وتدعيم ركائزه من خلال تحقيق النجاح في مواجهة التوجهات الكبرى المتنامية.

وفي هذا السياق، تنشأ الحاجة إلى دليل توجيهي يُستند إليه في التخطيط للمجهول، ولو أننا مقتنعون بأن علم الغيب بيد الله سبحانه وتعالى وحده، إلا أننا ندرك أن الاستعداد ضرورة ملحّة، فالعام 2071 ليس بعيداً جداً عن حاضرنا، ومن هنا، فإنه يتعيّن على قادة عالمنا مباشرة العمل اليوم قبل غد لاستشراف الحكومات في المستقبل.

مرجع معرفي

وتم إعداد هذا الدليل ليكون مرجعاً معرفياً ودافعاً ملهماً لصنّاع السياسة وخبراء الاستراتيجيات الحكومية وقادة الأعمال وللمجتمع المدني في جميع أنحاء العالم للبدء برسم الخطط للتعامل مع التحولات الكبرى التي ستواجهها الحكومات خلال السنوات الخمسين المقبلة، وتم اعتماد أسلوب عملي لتقييم مختلف السيناريوهات المحتملة والمعقولة التي يتعيّن على الحكومات الاستناد إليها عند وضع خططها المستقبلية.

وتعتمد المنهجية الإجمالية لإعداد هذا الدليل على تحليل أفضل السيناريوهات المحتملة لمسار تطور التوجهات الكبرى على صعيد العوامل العلمية والتقنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية في سبيل التغيير طويل الأمد على مستوى العالم.

وبالنظر إلى الدور المحوري الذي ستلعبه التقنية في صياغة المستقبل، تمّ تصنيف التقنيات المختلفة التي يتناولها هذا الدليل في خانة «التوجهات التقنية الكبرى»، أما العوامل العلمية والبيئية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية فقد تمّ تجميعها في خانة «التوجهات المجتمعية الكبرى».

ومن ثمّ تمّ التوصل إلى نتائج أفضل السيناريوهات المحتملة المعتمدة في التحليل بناءً على تقاطع «التوجهات المجتمعية الكبرى» مع التوجهات التقنية الكبرى المتوافرة.

تحليل

ويقوم التحليل على فهم أنماط التغيير عبر التاريخ، مع مراعاة التقدّم المتسارع للابتكارات القائمة على التكنولوجيا التي تسير بموازاة التغيّر الحاصل في التوجهات الاجتماعية والاقتصادية والجيوسياسية وإن بوتيرة أقلّ سرعة.

وانطلاقاً من وتيرة التغيير هذه، لا غرابة إذاً إن اعتبرنا أن الابتكارات الجديدة من نوعها مثل السياحة الفضائية، والمدن ذاتية الوعي، والتعزيز البشري المتطور على صعيد الصحة والتعليم، وكذلك الذكاء الاصطناعي المستخدم في الجريمة كلها أمور يمكن أن تتحقق بالفعل خلال فترة نصف القرن المقبلة.

ولا شك في أن هذه التطورات ستولّد أثراً ملحوظاً على سياسات الحكومات مما يقتضي اتخاذ الإجراءات المناسبة اليوم. وبالإضافة إلى أفضل السيناريوهات المحتملة، يتطرّق الدليل إلى احتمالية حصول سيناريوهات بديلة جاءت في شكل سيناريوهات مختلطة أو سيناريوهات أسوأ الاحتمالات.

كما تناول التحليل في هذا العمل ما يسمّى الأحداث الصادمة وهي تلك الأحداث التي يتعذّر التكهّن بوقوعها مثل الحروب المدمرة وتفشي الأوبئة والأحوال الجوية القاسية، وذلك لتسليط الضوء على التحوّل المفاجئ الناتج عنها وتأثيره في المسارات الجيوسياسية أو المسارات الاجتماعية والاقتصادية.

وارتكز التحليل في أثناء إعداد هذا الدليل على كمّ كبير من المقابلات مع الخبراء والباحثين في مجال علم الاجتماع والمستقبل والتكنولوجيا وغيرهم، فضلاً عن استطلاعات الرأي التي أجريت في أوساط مواطني المستقبل جيل الألفية وجيل ما بعد الألفية، وكذلك تحليل البيانات الاجتماعية.

نظرة شاملة

ويهدف الدليل إلى تقديم ما يلي: نظرة شاملة على الابتكارات والتوجهات الرئيسية التي من المتوقع أن تؤثّر في المجتمع وفي اقتصاد الدول على مدى السنوات الخمسين المقبلة، وتصوّر لمختلف مجالات العمل الحكومي في المستقبل بما في ذلك مؤشرات الأداء الرئيسية، وتصوّر لمشهد التفاعل الحكومي في المستقبل مع المواطنين والمجتمعات والخدمات التعليمية والمنظومات الاقتصادية، ودليل تمهيدي لتخطيط الاستراتيجيات الحكومية المستقبلية الناجحة.

دراسة استقصائية

وتضمن الدليل نتائج الاستطلاع العالمي لآراء المواطنين الذي ركّز على الشباب من جيل الألفية وجيل ما بعد الألفية من مختلف أنحاء العالم، حول الاحتياجات ذات الأولوية ومستويات الرضا.

وحدد المشاركون في الدراسة الاستقصائية التعليم، والصحة، والحماية البيئية كمجالات خدمات حكومية ذات أولوية قصوى تستدعي التركيز، في حين جاء الترفيه والثقافة في التصنيف الأدنى من حيث الأولوية، وحول الآراء بشأن السياسات الحكومية الرئيسية أيّد 76% من المشاركين فكرة إسناد دور أكبر للحكومات المحلية في وضع السياسات.

وعلى الرغم من موافقة 63% من المشاركين على أن الحكومة يجب أن تكون الجهة الرئيسية التي توفر الخدمات للمواطنين، فإن 51% من المشاركين أيّدوا أيضاً وجوب إسناد دور قيادي في هذا المجال إلى القطاع الخاص.

وصنّف أكثر من 92% من المشاركين مفهوم الخضوع للمساءلة في درجة الأهمية القصوى أو العالية، مما يشير إلى أهمية خلو الحكومة من الفساد ومستوى موثوقيتها.

وتصدّرت قضايا الجرائم الإلكترونية وأمن الإنترنت وأمن البيانات قائمة المخاوف التي تشغل الجهات المعنية بالخدمات الحكومية بالنسبة إلى الأدوات والوسائل التي تعتمدها الحكومة للتواصل.

وأظهر الاستطلاع مستوى عالياً من عدم الرضا حيال مستويات المشاركة الحالية، حيث أكّد 72% من المشاركين عدم رضاهم حيال الجهود التي تبذلها حكوماتهم لإشراكهم في القرار، في حين أعرب % 13 فقط عن رضاهم، أما النسبة المتبقية من المشاركين فجاء رأيها محايداً.

وأجاب 56% من المشاركين في استطلاع الرأي بأن حكومتهم تكتفي بإحاطتهم أو إبلاغهم فقط بالسياسات، في حين ذكر 20% من المشاركين أن حكومتهم قد تشاورت معهم في شأن إعداد السياسات.

وبين استطلاع آراء المواطنين حول ما هي التغيرات الاجتماعية - الديموغرافية التي تشعر بأنه يجب على الحكومات أن تستعد لها على المدى الطويل؟ ذات الأولوية القصوى أن 89.9% للتعليم، و81.3% للتغيير المناخي، و45.8% للتحولات العمرية للسكان و21.0% لسيطرة الروبوتات على سوق العمل.

مقابلات

شملت أساليب البحث الأولية مقابلات مع شخصيات رائدة من المفكرين ومستشرفي المستقبل، بالإضافة إلى استطلاع آراء المواطنين من حول العالم مع التركيز على فئة الشباب من جيل الألفية وجيل ما بعد الألفية الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و34 سنة في 2017، وهي الفئة الأساسية التي ستستفيد من الخدمات الحكومية في المستقبل.

كما تضمنت صوراً من منشورات وحوارات على وسائل التواصل الاجتماعي تدور حول المواضيع المذكورة في الدليل.

التوجهات المستقبلية الكبرى تتطلب أساليب استراتيجية مختلفة

تتطلب التوجهات المستقبلية الكبرى أساليب استراتيجية مختلفة، لذا لا بد من العمل على إعدادها وتنفيذها في أقرب وقت للتوصل إلى الحلول المطلوبة وبعيدة الأجل، ويسلط الدليل الضوء على الاحتياجات الدقيقة وبعيدة الأجل التي تتطلب إجراء تعديلات جوهرية لا بد من أن تندرج ضمن التخطيط الاستراتيجي الوطني وآليات التنفيذ الحكومية.

ويقدم دليل الحكومات نحو عام 2071 إطار عمل مبدئياً للاستعداد للمستقبل يشمل جوانب أساسية أهمّها وضع جدول الأعمال وتحديد أولويات السياسات والتنفيذ والمتابعة.

كما يحدد الدليل ثلاث حقب للتطور والابتكار هي حقبة الوصل الرقمي 2018-2030، وحقبة الاستكشافات الجديدة 2030 -2050، وحقبة الإنسانية المتقنة 2050-2071، ويطرح الدليل تقييماً عاماً لأثر كلّ حقبة على وظائف الحكومة في المستقبل .

وعلى طابع التفاعل المستقبلي المتوقع ما بين الحكومة والجهات المعنية، مع التركيز على أفضل مسار معقول لنتائج الابتكار، كما يرفع الدليل عدداً من التوصيات إلى الحكومات لكي تباشر التخطيط للمستقبل.

إصدارات

ومن المرتقب أن تضمّ الإصدارات المستقبلية لهذا الدليل أدوات ومصادر قابلة للتخصيص بما يسمح للحكومات الفردية بأن تقيّم تفاصيل السيناريوهات المحددة على اختلافها، انطلاقاً من ظروفها الخاصة، لكي تتوصل إلى تقييم الأثر الناتج عنها على وطنها ومواطنيها.

ابتكارات

وستشهد الفترة 2018-2030 نضج حقبة الوصول الرقمي الحالية التي تتميز بالابتكارات القائمة على الوصل بقيادة إنترنت الأشياء وتقنيات الواقع المعزز والواقع الافتراضي، ومن المتوقع أن تشيع المزارع الطافية، وبعثات التعدين الفضائي، والسفن الشمسية البيئية، والواقع المعزز المساعد، والعلاجات بالواقع الافتراضي.

وستكون الفترة الزمنية 2030-2050 هي حقبة الاستكشافات الجديدة، وستتميز بتقنيات زيادة القدرات البشرية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن استكشاف الفضاء، مما ينقلنا من نموذج المشاكل والحلول إلى نموذج استكشاف الفرص، ومن المتوقع أيضاً أن يشيع قطاع السياحة في الفضاء القريب.

فنادق فضائية

أما الفترة الزمنية 2050-2070 حقبة الإنسانية المتقنة فمن المتوقع أن تشهد تحولاً في جهود الابتكار والأولويات العالمية نحو إعادة وتمكين إنسانية جديدة محسنة تقنياً، ومن المتوقع أن يكون الفن قطاعاً رئيسياً مع شيوع الفنادق الفضائية والسيارات الطائرة وستشيع أيضاً التأثيرات السلبية لتغيير المناخ والمدن تحت الماء والتعدين الفضائي للموارد.

5 محاور أساسية يتضمنها الدليل

يحتوي الدليل على خمسة محاور أساسية: هي: محور الخدمات الحكومية الحالية، حيث تم وضع خارطة أولية لمجال عمل الجهات الحكومية المعنية الحالية ولنطاق احتياجاتها، مع تحديد القيم المرجعية للوظائف الحكومية الحالية ولمؤشرات الأداء الرئيسية وأساليب مشاركة الجهات المعنية الحالية، ومحور تحديد القوى الفاعلة الرئيسية في المستقبل.

حيث تمّ تقييم القوى المستقبلية الرئيسية المؤثرة في احتياجات الجهات المعنية خلال ثلاث فترات زمنية، 2018 - 2030، 2030 - 2050، 2071-2050، وذلك بناءً على التوجهات المجتمعية الكبرى المتنامية حالياً وعلى التقنيات المتاحة. ويتمثل المحور الثالث في استخلاص التوجهات الكبرى في مجال الابتكار.

وتم تطبيق نموذج نتائج التوجهات المستقبلية الكبرى في مجال الابتكار لاستخلاص التفاعلات بين القوى الفاعلة الرئيسية مستقبلاً بهدف استشراف التوجهات الكبرى في مختلف الفترات الزمنية، مع أخذ سيناريوهات بديلة في الاعتبار، إلى جانب محور ربط التوجهات الكبرى في مجال الابتكار بالوظائف وبمعايير التقييم الحكومية المستقبلية بناءً على التوجه الابتكاري المستنِد لأفضل سيناريو متوقع.

ومحور اقتراح خطة عمل مبدئية ويقدم توصية لإعداد خطة عمل أولية حتى تحدد الحكومات مساراً ناجحاً في اتجاه استراتيجية مستقبلية للسنوات الخمسين المقبلة.

أتمتة 52.6 مليون وظيفة حكومية بحلول 2071

تحتاج الوظائف الحكومية تغيرات مهمة للتكيف مع المستقبل، مع مستوى الأثر الذي يدلّ على الأهمية الاقتصادية النسبية لكل وظيفة من الوظائف لكي تظل فعالة وقابلة للتكيف مع احتياجات الأطراف المعنية، ويمكن أتمتة وظيفة واحدة من بين وظيفتين حكوميتين حاليتين بحلول عام 2071، أي ما يقرب من 52.6 مليون وظيفة حكومية استناداً إلى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

ومع ذلك، ستتطلب التقنيات الجديدة رقابة، مما سيضيف 29.5 مليون وظيفة حكومية داخل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فالعديد من التغييرات ذات المستوى العالي والعالي جداً هي نتيجة آثار أهم توجهات الابتكار التي تم تحديدها.

ولا سيما التغير الجذري في المناخ، والحاجة إلى توفير مزيد من الأمن للمواطنين، وأتمتة الوظائف، والابتكارات التقنية الرئيسية، ومصادر جديدة للنمو الاقتصادي، وسيتعين على الحكومة أيضاً أن تراقب أثر الابتكارات الجديدة في الوظائف وأن تستحدث برامج مبتكرة للتدريب على العمل في القطاع الحكومي.